اجتماعات فيينا تدافع روسي للخروج من الورطة

11.تشرين2.2015

 

أتى التصعيد الروسي الأخير في سورية كرد فعل وتكتيك سياسي وعسكري لإنقاذ النظام بعد أن توالت خسارته على الأرض، وقُوّض عمل مؤسساته الحكومية لصالح أجهزة الحرس الثوري الإيراني، وبات الأخير متفرداً وراضياً بنفوذه في مناطق ما يسمى سورية المفيدة. وعلى رغم من طبيعة تدخلها الطارئ وما يكشف من عورات للمنظومة الداعمة والموالية للنظام إلّا أن موسكو لن توفر جهداً في استثمار واقتناص الفرص المتاحة من أجل تحويل تدافعها الأخير إلى استراتيجية تمكّنها من الحضور بقوة في أي تسوية سياسية مستقبلية في سورية وإعادة نفوذها في المشرق العربي.

يُدرك الروس جيداً أن تدخلهم المباشر في ميدان المعركة دفع بشار الأسد للارتماء في أحضانهم بعد أن أعياه تدخل طهران المستمر والعنيف في شؤون إدارة مؤسساته الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يُفضي بطبيعة الحال إلى إمساك القيادة الروسية بشكل كامل بمصيره لأول مرة منذ بداية الأزمة السورية، وبالتالي إمساكهم بورقة تفاوض مهمة للغاية رغم رمزيتها. تقوم الاستراتيجية الدبلوماسية الروسية بشكل رئيس على تلويحهم وتلميحهم لاستعدادهم التخلي عنه نزولاً عند رغبة أطراف عديدة في المجتمع الدولي مقابل تحقيق مكاسب مستدامة تمكّنها من التحكم في مصير سورية ما بعد الأسد.

أهداف التدخل الروسي في سورية

تسعى روسيا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية في سورية:

1.      المحافظة على مؤسسة الجيش السوري ومحاولة إنقاذ استثمارها القديم والكبير في ضباطه وهيكلياته إضافة لعتاده ومنظوماته، وعلى رأسهم التركيبة الأقلّوية المؤسسة العسكرية.

2.      محاربة تنظيم "الدولة" الذي بات يشكل مهدداً حقيقياً لأمنها القومي لكُمونه الهائل في منطقة القوقاز ودول الجوار الروسي الجنوبي.

3.      الحفاظ على منفذها الأخير على البحر الأبيض المتوسط.

4.      التحكم في مستقبل خطوط الطاقة من غاز ونفط في المنطقة التي يُمكن أن تعبُر من الأراضي السورية.

5.      مُزاحمة الولايات المتحدة في إدارة شؤون المشرق العربي وما يترتب عليها من تخفيف الضغوط الاقتصادية عليها بهدف:

‌أ.       التخفيف من الحصار الاقتصادي الأوروبي والأمريكي عليها.

‌ب.     إيجاد اتفاق مع الفاعلين الرئيسيين لتحديد سعر النفط عالمياً.

اجتماعات فيينا

بدأت اجتماعات فيننا تحت عنوان "محادثات حول السلام في سورية" بدعوة روسية وأمريكية في الـ 23 من تشرين الأول 2015 حضره وزراء خارجية أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية، واتفق فيه الحضور على تكثيف الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة السورية وعقد اجتماع دولي موسع يضم كافة الأطراف المؤثرة في الملف السوري بعد أسبوع. وبناءً عليه اجتمعت 17 دولة في الـ 30 من تشرين الأول، وأبرزها قطر، وإيران، وفرنسا، وبريطانيا، ومصر، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والمبعوث الدولي استيفان دي مستورا. وتمخض عن الاجتماع وثيقة جديدة باتت تعرف باسم بيان فيينا للسلام في سورية، وتنص الوثيقة المكوّنة من تسع نقاط على ضرورة إيجاد حل سياسي يحافظ على وحدة أراضي سورية وينهي أعمال العنف الدائرة فيها، كما أنها تدعو إلى تسهيل حوار سوري -سوري يفضي إلى نظام سياسي علماني يحمي حقوق جميع السوريين ويحافظ على مؤسسات الدولة السورية ويوحد الجهود "الوطنية" في محاربة الإرهاب.

اعترت اجتماعات فيينا غياب طرفي الصراع عنه، رغم حرص الدول الموقعة على بيانه الختامي على ضرورة اتكاء الحل السياسي على جهود سورية صرفه، كما أنّه أسس لمنطلق دولي جديد بديل عن بيان جنيف الذي اتخذه المجتمع الدولي قاعدةً لإتمام أي تسوية مستقبلية في سورية منذ عام 2012. وإذ تشير النقطة السابعة في البيان إلى استمرار العمل بموجب بيان جنيف ( )، إلّا أن السلوك الأمريكي والروسي يشيران بشكل واضح إلى تجاوزه لصالح بيان فيينا، ويظهر هذا التوجه بفجاجة في التصريحات الروسية ( ) في حين تدعي الولايات المتحدة ومعها الأمم المتحدة أن بيان جنيف لا يزال الهدف المنشود تحقيقه ولكن انطلاقا من محادثات فيينا هذه المرة.

كشف الاجتماع عن تشكّل ثلاثة فرق اتجاه موقفها من الأزمة، فريق تترأسه روسيا وفيه إيران ومصر وتؤيد الخلوص إلى نتائج تصب لصالح النظام السوري، وفريق تترأسه السعودية وفيه تركيا وقطر وفرنسا وتعترض بشكل واضح على سياسة موسكو وطهران في سورية، وفريق ثالث وعلى رأسه الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتتنطع للعب دور الوساطة بين الفريقين الأولين. وأوضح ما ترّشح عن الاجتماع نشوء توجه جديد للفصل في آليات التعامل مع المعارضة على معيار الاعتدال والإرهاب يحدده انصياع الكتائب لرغبة الروس والأمريكان في المشاركة في وقف إطلاق نار شامل وعدمه. وإذ تشير المعطيات الأولية لعدم رضوخ الفريق المناوئ للتدخل الروسي والإيراني في سورية لهذا التوجه حالياً، فإن موقفه سيزداد ضعفاً في حال أصرّت الولايات المتحدة على تبني هذا المعيار في تصنيف المعارضة السورية، خصوصاً إن فشل مجموع القوى الوطنية في اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة للتعامل معه.

لم يعد خفياً كما وصفنا في هذه الورقة سابقاً أن عملية تصنيف المعارضة إلى معتدلة وإرهابية تريح موسكو وتطلق لها العنان في تدخلها العسكري في سورية، وأن الولايات المتحدة راضية عما قد يسفر عنه من نتائج ما دامت تصب في "أولوية محاربة تنظيم الدولة والقاعدة" في سورية والعراق، إلّا أن الخطر الأعظم يكمن في اشتراك دي مستورا في هذه العملية وما ينتج عن حضوره هذه الاجتماعات من التزامه في مخرجاتها أيّاً تكن، وإن جاءت عكس قرارات مجلس الأمن 2169 و2170 والتي حددت تنظيم الدولة وجبهة النصرة فقط كمجموعات إرهابية. وإذ يعتبر هذا التوجه الناشئ خرقاً عما تم الاتفاق عليه سابقاً فإنه بالإضافة إلى ذلك يقيض دي مستورا في أداء مهامه في الوساطة، حيث تكشف المعطيات المتوفرة حالياً إلى سعي روسيا لضم كل من حركة أحرار الشام وجيش الإسلام إلى قوائم الإرهاب الدولية. وفي حين لا يشكل الفصيلان الأخيران جل من تصدى لمهمة مقاومة النظام وقوى الاحتلال الأجنبية في سورية، فإنهما يثملان عمادين ومحركين رئيسيين للمعارضة السورية في شمال وجنوب البلاد. لذا يمكن الخلوص: أن نجاح المساعي الروسية في تصنيف المعارضة سينتج عنه بضرورة الحال إلى تفكك قوى المعارضة ومقاومة النظام والاحتلال، وبالنتيجة استقرار الأمر لموسكو وحلفائها في سورية.

مسعى موسكو في سورية

لتحقيق ما سلف تسعى موسكو لخلق مناخ يشبه إلى حد كبير المناخ الذي أتاح لها التحكم في صيغة الحل النهائي في الشيشان، وذلك من خلال الإجراءات التالية:

1.      تصدير نفسها أمام المجتمع الدولي كمفتاحٍ وراعٍ للحل، ويتجلى ذلك من خلال دعوتها إلى اجتماعات فيينا وتهدف فيها للوصول إلى صيغة توافق يلزم الحاضرين بقرارات تُمليها بشكل رئيسي المصالح الروسية، أو تتفق على أقل تقدير مع أهدافها العامة. وفي هذا السياق نجد أن دور أمريكا الوسيط في نقاشات فيينا يشير إلى قبول الإدارة الأمريكية المبدئي لهذه الصيغة.

2.      إعادة بث الروح في مؤسسات الجيش العسكرية وترميمها بغية الاعتماد عليها بشكل كلي في حكم البلاد وضبط مظاهر التسلح، فالجيش كمؤسسة يُسيطر عليها ضباط متعاونون معها يضمن استمرارية مصالحها. ولذا تسعى روسيا اليوم إلى حل أجهزة الدفاع الوطني واللجان الشعبية للتحكم أولاً في عسكرة المجتمع الموالي. علماً أن الميليشيات غير التابعة لوزارة الدفاع والأجهزة الأمنية الرسمية للنظام يُسيطر عليها حالياً الحرس الثوري الإيراني.

3.      تقديم تصور عن إطلاق المرحلة السياسية وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ينطلق من إجراء إصلاحات دستورية تضمن التوازن بين الحقوق والالتزامات المترتبة على جميع الجماعات العرقية والطائفية من حيث هيكلة القوة والمؤسسات الحكومية، ثم عرض الدستور للاستفتاء الشعبي وبعدها يتم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق الدستور الموافق شعبياً، ويلاحظ غياب الحديث عن الأسد وموقعه في هذا التصور وتركه مسألةً للتفاوض.

4.      استمالة معارضة سياسية وعسكرية حقيقية للنظام، وخلق خرق حقيقي في جبهة المقاومة الوطنية لقوى الاحتلال والاستبداد في سورية، حيث يدرك الروس جيداً أن استراتيجيتهم السابقة في الاتكّاء على هيئة التنسيق الوطنية وتيار بناء الدولة وبعض شخصيات المعارضة الداخلية وما شابهها لن تُحقق شرعية شعبية كافية من شأنها إرضاء قطاعات هامة من المجتمع السوري المعارض، وبالتالي تسعى موسكو إلى تكوين كتلة حرجة في أوساط المعارضة التقليدية تخلق حالة الشك في أوساط المعارضة وتشرعن تدخلها بالحد الأدنى.

سياسات المواجهة والتعامل مع الاستراتيجية الروسية

تعمل روسيا على استخدام قوى محلية معارضة بهدف إضعاف الدور الفعّال للدول الرافضة لتدخلها في سورية، ويبدو أن الحلقة المستهدفة وفق الرؤية الروسية كل ما يقع على يسار حركة الأحرار وجيش الإسلام. وتسعى موسكو في هذا الصدد لفتح قنوات تواصل مع هذه القوى من خلال وسطاء محليين وآخرين دوليين. وبناءً عليه يتوجب على مجموع القوى الوطنية خلق مظلة سياسية موحدة، تُفوَض بشكل كامل لقيادة العملية التفاوضية مع روسيا والمجتمع الدولي، ويلتزم فيها الطيف الأوسع من قوى الجيش الحر والقوى الإسلامية. كما ينبغي على هذه الهيئة السياسية الموحدة أن تتمتع بالمتانة الداخلية والتنظيمية الكافية لدرء أي تصدُّع يُمكِّن الفريق الذي يترأسه الروس من استثماره مستقبلاً، ويُشكل مانعاً قوياً يحول دون الوقوع ضحيةً لأجندات أجنبية لا تتقاطع مع المصلحة الوطنية العليا.

وعليه يتوجب على الهيئة السياسية الموحدة الخروج بنقاط عملية وسياسات واضحة للتعامل مع هذه التحديات:

1.      التصور حول هيئة الحكم الانتقالي وبلورة رؤية ومشروع المعارضة السورية لتشكيلها وآليات عملها.

2.      تحديد تعريف السوريين للإرهاب والموقف تجاه المجموعات الإرهابية، وتأكيد إدراج الميليشيات العابرة للحدود المناصرة للنظام على لوائح الإرهاب مثل حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس وغيرها.

3.      التصور من وقف إطلاق النار على المستوى الوطني وآليات تطبيقه.

4.      حدود وآليات التعامل مع دي مستورا.

لقد أثبتت التجربة الحديثة في الثورة السورية أن الطريق الأمثل لتحقيق القدر الأكبر من التماسك يتحقق من خلال الإنجازات العسكرية، وعليه لابد من تحريك جبهة دمشق وريفها إضافة إلى جبهة الساحل وتمكين جبهة حلب الجنوبية.

يجب العمل على إيصال روسيا إلى نفس نتائج التدخل الإيراني السابق وذلك خلال الثلاثة أشهر القادمة، حيث ستُواجه في النهاية طريقاً مسدوداً لتجد نفسها حبيسة هوامش تحرك بسيطة. إن الوصول إلى تسوية مع الروس من خلال التفاوض قبل أن تصل لهذه المرحلة خطأ استراتيجي ويُمكّنها من الخروج من المأزق التي وقعت فيه دون تحقيق أهداف الثورة السورية. إن الرد والسياسة المثلى للتعامل معها حتى ذاك الحين يقتضي بالضرورة خلق جبهة داخلية متينة ومنفتحة للجميع تمكن مجموع القوة الوطنية من التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة وتساهم في استمرار الدول الداعمة في موقفها الرافض للتدخل الروسي.

 

  • المصدر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية