الزعتري: مدينة سورية مصغرة وسط صحراء قاحلة.. محال تجارية.. مطاعم.. والاسعار معقولة جدا

24.تموز.2015

تحينت الفرصة كثيرا لأذهب الى مخيم الزعتري للآجئين السوريين في محافظة المفرق شمال العاصمة الأردنية عمّان نحو 90كم، لكن لم تحن الفرصة في أوقات مضت.
اليوم عزمت على الذهاب رغم التشديد الأمني المحيط به من قبل بالشرطة الأردنية وقوات الدرك، حيث أنه من المستحيل دخول المخيم دون إذن رسمي من جهات أمنية عليا، إلا على السوريين الحاصلين على بطاقات أمنية ومكفولين من قبل أردنيين، أو موظفي الأمم المتحدة فقط، المهم ذهبت أخيرا أنا وصديق لي أردني الجنسية وآخر سوري ممن يحملون تلك الأوراق التي تخوله دخول المخيم.
لقد شارفنا على محافظة المفرق الممتدة، وهي أكبر محافظات المملكة مساحة، صحراء شاسعة ممتدة لا نهائية، قطعنا المحافظة لكن لم ندخلها، تجاه الجنوب الغربي على الطريق الصحراوي، حيث اختفت المباني نهائيا، بالصدفة كان الجو عاصفا مغبر، وكما نسميه هنا بلغتنا العامية (الطوز) وهي رياح شديدة محملة بالغبار التي تبقى معلقة في الجو بعناد شديد، فجأة بدأنا نرى الكثير من السيارات على الطريق الممتد بعد مسير استغرق حوالي الربع ساعة بسرعة 90كم/ساعة، بعد أن كنا قطعنا محافظة المفرق، كان الطريق معبد جزئيا وأحيانا نرى بعض السيارات التي تسير على نفس مسربنا، لكن عكس إتجاهنا!.
وصلنا أخيرا الى الباب الرئيسي الأول لمخيم الزعتري للاجئين السوريين، ويجب عليك أن تترك سيارتك خارج هذا الباب إذ أن دخول السيارات ممنوع نهائيا.
ذهبنا الى الباب الأول، إقترب منا شرطيّ وطلب منا هوياتنا الشخصية، فأظهرناها له، سألنا بلطف: الى أين أنتم ذاهبون؟ فأجبناه وكما لقنا من قبل صديقنا السوري “أحمد”، نحن ذاهبون مع صديقنا السوري كي نزور أهله في المخيم زيارة ودية، نظر الشرطي إلينا برهة ثم هزَّ برأسه بإيمائة تشير الى دخولنا، عند إذ سألت أحمد، يا رجل أين التشديد الأمني الذي أرعبتنا به؟.
البوابة الثانية
 
فأجابني صديقي الأردني “عامر” يا رجل ما زال أمامنا بوابة أخرى وهي المشكلة الحقيقية ومن المستحيل أن نمر من خلالها، فوافقه أحمد على ذلك ثم أردف، سنحاول سنحاول.
 
يفصل بين البوابة الأولى والبوابة الثانية قرابة الكيلومتر الواحد، ويجب عليك أن تسيرها سيرا على الأقدام، لكني تفاجأت مجددا بوجود الكم الهائل من السيارات بمختلف أنواعها تسير ذهابا وإيابا بين البوابتين، وكأن دخولها مسموح تماما، ولفت نظري أيضا وجود سيارات النقل الصغيرة (البيك آب) بشكل كبير جدا والتي يعرض عليك أصحابها التوصيل للبوابة الأخرى لقاء دينار واحد، أي ما يعادل 70 سنت من الدولار الأمريكي، وعندما سألت صديقاي عن أمر هذه السيارات أخبراني بأن هذه السيارات تحمل تصاريح تخولها دخول هذه المنطقة.
 
لقد كان وجود الأطفال لافتا أيضا، كانوا يقودون شتى أنواع العربات اليدوية وعربات تجرها الحمير ومحملة بالبضائع المغلفة بشكل يوحي بأنها مهربة، والى جانبهم عشرات المارة من النساء والرجال والأطفال والمحملين هم أيضا ببضائع شتى، سواء ذاهبون باتجاه المخيم أو قادمون منه، نجد الكثير من هؤلاء الأطفال يمرون عبر البوابة الثانية -المشددة أمنيا- بعرباتهم مع بعض الأسئلة الموجهة من أفراد الشرطة أو التفتيش، وبعضهم رأيناه يحيد عن الطريق الرسمي قبيل البوابة الثانية ليدخل بستان شاسع مزروع بأشجار الزيتون اليابسة المهملة، ليقوم بدخول المخيم ببضاعته بشكل غير رسمي من فوق جبال الأتربة الإسطناعية والخنادق العميقة بعمق المتر والنصف تقريبا، والتي تحيط بالمخيم، بعضهم رأيناه يخرج ببضاعته من المخيم لكن بذات الطريقة الغير رسمية، شاهدنا الكثير من الكرفانات (الغرف المعدنية الجاهزة للسكن) والمتواجدة خارج المخيم والذي أكد لي وقتها أحمد بأنها قد هربت من داخل المخيم وبيعت بمبالغ قد تتراوح بين 1000 و1500 دولار أمريكي، حسب حجمها وجودتها.
 
وصلنا الى البوابة الثانية بعد أن ركبنا إحدى تلك البيكابات المهترئة، وكما قال لنا أحمد، سيروا عبر البوابة دون أن تلتفتوا لأحد، فعلنا ذلك بالرغم من وجود ثلاثة أفراد من الشرطة على البوابة مباشرة بالإضافة الى غرفة صغيرة تضم مكتب وبه بعض الضباط، لكن الخطة كانت فاشلة بامتياز إذ نادانا فجأة شرطي وسألنا: هي أنتم، أين ذاهبون؟ من أنتم بحق الله؟ وكان متعجبا جدا، فقلنا له: هذا صديقنا سوري الجنسية ونحن نعرف أهله منذ زمن السلم (…) وهم الآن هنا داخل المخيم، ونريد أن نزورهم زيارة ودية ونطمئن عليهم، قطَّب حاجبيه الشرطي وقال بلهجة تعجب واستهزاء معا: ألا تعلمون أنه ممنوع منعا باتا دخول الأردنيون وتحت أي الظروف، لقد دار نقاش بيننا والشرطي وكان عقيما تماما، حتى تحلق من حولنا باقي أفراد الشرطة هناك، وبدأوا بإقناعنا بأنها مسؤولية كبيرة عليهم فيما لو سمحوا لنا بالدخول وتعرضنا لمكروه ما هناك داخل المخيم العنيف أهله (…)، وفي النهاية طلبوا منا أن ندخل الى المكتب ونطلب من الضابط المسؤول بأن يسمح لنا بالدخول، ولكن كان رفض الضابط قاطعا باتا.
 
الهروب الى الزعتري
 
فخرجنا خائبين وكنا مضطرين لدخول المخيم بشكل غير رسمي عبر بساتين الزيتون التي تحيط به، ذهبنا باتجاه معاكس نوعا ما لمخيم الزعتري كي نموه الشرطة ونغيب عن أنظارهم بنفس الوقت، ثم دخلنا بين أشجار الزيتون، لكنا اكتشفنا في النهاية أن الكثير غيرنا هم على شاكلتنا، وخاصة من السوريين وهم يفعلون ذلك كما أخبرناكم آنفا لأجل تهريب البضائع، لكنها من جهتنا كانت مخاطرة فعلية وصعبة حيث واجهنا الكثير من الصبية والفتيان واالشبان العنيفين المتهورين، من الأردنيين والذين يقومون بسلب الأطفال ما لديهم من بضائع، لكن أحدا منهم لم يقترب منا كوننا بالغون كبار، وربما أدكوا أيضا أننا من نفس البلد، ربما، شاهدنا الكثير من الأطفال السوريون وهم يحملون السكاكين، وعندما سألناهم عن الأمر أخبرونا أن ذلك من أجل أن يخيفوا أولئك العنيفين الذين يخططون لسلبهم ما لديهم من بضائع، ويدافعوا عن أنفسهم أيضا.
 
 كان المخيم محاط بسور ترابي بعلوّ المترين ومن ورائه خندق بعمق المتر ونصف المتر تقريبا، بالإضافة الى دوريات الدرك والشرطة الراجلة والمركوبة والمتواجدة على طول الطريق الإسفلتي المحيط بالمخيم من الداخل بعد الخندق، لكننا في النهاية وجدنا منفذا ودخلنا منه الى المخيم، كانت الريح عاصفة وسرعتها شديدة جدا، كانت تحرك أجسادنا وتتلاعب بها، ما إن توغلنا قليلا في المخيم حتى التقينا الشاب السوري “عبدو” والذي يقطن داخل المخيم، والذي سيرتب لنا مواعيدنا داخله -ويحمينا- مشينا مسافة طويلة جدا، كانت هناك كرفانات أكثر من الخيم، وكان يحيط بأحياء الخيم والكرفانات الشوارع المعبدة وبعض إشارات المرور، (ممنوع المرور، الطريق غير نافذ، حركة مشاة كثيفة…) مشينا كثيرا باتجاه الغرب، كان المشهد مدهشاً بامتياز، كان ذلك لكبر حجم المخيم الصعب التصور، كان مترامي الأطراف، لا يظهر أمامك إلا أفق بعيد، أفق من الخيم والكرفانات، مررنا بالمستشفى المغمربي، والمستشفى السعودي، والمنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، وشاهدنا بداخلها من خلف الأسوار الإسمنتية المنخفضة نوعا ما، وأحيانا يكون السور عبارة عن شبك معدني، شاهدنا الموظفين الأجانب والعرب، كانوا يرتدون لباسا موحدا على الأغلب، مررنا أيضا بمفرزة الأحداث وأقسام الشرطة الموجودة هي أيضا داخل تلك المنطقة العازلة، كان هناك كما يبدو مدرسة رسم على أسوارها الإسمنتية العالية بعض الشيء، الرسومات الملونة، خرج من بعض أبوابها المتعددة نسوة يحملن أطفالهن.
 
الوجه الآخر للزعتري
 
في الزعتري حياة كاملة، قد تعتقد للحظة أن المخيم مقام هنا منذ الأزل البعيد؛ وأن ساكنيه هنا سيبقوا الى الأبد؛ مررنا بشتى أنواع المتاجر، مطاعم، محلات لبيع الخضار والفواكه بأنواعها، محال للبقالة، محال للملابس، حتى أننا مررنا بمحال لفساتين العرائس والسهرة، محال للأقراص المدمجة، محال للكهربائيات بشتى أنواعها ومحال للكمبيوتر وكروت النقال وبيع الهواتف النقالة الفخمة منها والرديئة، صالونات لقص شعر الرجال وصالونات لتجميل السيدات والعرائس.
 
كان هناك شارع طويل جدا، قد يكون حسب تقديري بطول 5كم، ويضم على جانبيه كل المحال التجارية التي ذكرتها لكم، كان سوقا ضخما بحق، حتى أننا دخلنا مطعما وتناولنا به الدجاج المقلي والبطاطس المقلية الى جانب الكاتشب والمايونيز والخردل، أحضر لنا نادل المطعم المهذب خبزا ساخنا لذيذا، كان الثمن بخساً جدا فوجبة كهذه لأربعة أشخاص، قد تكلف خارج المخيم ما يعادل 30 دولارا أمريكيا، بينما كلفتنا في هذا المطعم الزعتري ما يعادل 10 دولارات تقريبا! كل شيء متوفر داخل الزعتري تقريبا.
 
بالرغم من الوفرة، والثمن البخس، إلا أن العمل قليل جدا، فالناس هناك بحاجة الى الحصول على المال، الأمم المتحدة تقدم الطعام من مؤن وخبز مجانا، فمثلا، يحصل كل فرد داخل الزعتري على أربعة خبزات في اليوم، كما أخبرنا بذلك عبدو، لكن هناك حاجيات أخرى قد يصعب الحصول عليها دون مال، وربما أن البضائع رخيصة لقلة الطلب عليها رغم الحركة النشطة جدا والهائلة داخل السوق، أخبرنا عبدو بأن النهار مخصص للرجال داخل السوق، ولكن ما إن تغرب الشمس حتى تأتي فترة النساء وتكون نسبة النساء أعلى بكثير من نسبة الرجال، حيث يتمشين ويتسوقن بشكل كثيف، لكن أكد لي عبدو أن الأمن مستتب، وأن المشاكل ربما تكون بالحد الأدنى، والسبب يعود كما يقول عبدو الى أن كل منطقة داخل المخيم تضم نفس الأقارب أو العشيرة تقريبا، أو يكون بها أصحاب نفس المنطقة هناك في سوريا، أخبرنا أيضا أن رجال الأمن الأردنيين ممنوع دخولهم المخيم منعا باتا، وذلك بأمر من رئيس المخيم، وذلك حتى لا يتسنى لبعض رجال الأمن أو أصحاب النفوس الضعيقة منهم من إستخدام سلتطهم في إبتزاز سكان المخيم، أفراد الأمن موجودون فقط على أطراف المخيم والبوابات الخارجية أو داخل المنطقة العازلة.
 
تجولنا كثيرا داخل المخيم، ولكن ما إن يرانا سوري نقوم بالتصوير حتى يجن جنونه، ويبدأ بالصراخ والطلب منا التوقف عن التصوير وإلا سيلقننا درسا لن ننساه، فيخبره عبدو أنني قريبه ومعه، فتهدأ الأمور قليلا، مجموعة من الأطفال هجموا علينا فجأة وأحاطونا بأجسادهم حاملين بأيديهم الحجارة الكبيرة، وهددونا بأن نوقف التصوير فورا وإلا سيكون مصيرنا تحطم وجوهنا وأضلاعنا وتكسير الكاميرا، فقام عبدو بنقاشهم وتهدئتهم، وقام صديقي عامر بإعطائهم نقودا، فتراجعوا فجأة وشكرونا أيضا! فاكتشفنا بأن ذلك لم يكن سوى خدعة للحصول على المال.
 
وصلنا أخيرا لأقرباء أحمد، بعد مسير استمر زهاء الساعة، دخلنا البيت إن صح التعبير، وكان عبارة عن كرفان، لكنا لم نكن نكاد نسمع كلام بعضنا البعض ونحن نتحدث من شدة تلاطم معدن الكرفان ببعضه وتطاير الشوادر من فوقه، فالرياح كانت شديدة كما أخبرتكم، ينامون في نفس المكان الذي جلسنا به، وهناك شيء لا يشبه أي شيء، أخبرونا بأنه المطبخ، قاموا بصناعة القهوة لنا بداخله، كانت قهوة لذيذة، ثم أحضروا لنا فيما بعد المشروبات الغازية وكانت باردة ومنعشة، شاهدت غسالة في المكان وطباخ كبير وتليفزيون ومستقبل أقمار صناعية “ساتالايت” لكن كانت الكهرباء مقطوعة كما أخبرونا، وقالوا لنا بأن الأمم المتحدة تزودهم بأنابيب الغاز.
 
قضينا وقتا ممتعا معهم، لم يخلُ من الغرابة أحيانا، كانوا دمثي الأخلاق، مضيافين رغم الظروف القاهرة الصعبة التي يمرون بها ويحيونها، هممنا عائدين لنخرج من المخيم، لكننا صدمنا بالكم الهائل لعربات الدرك والشرطة التي كانت تحيط بكل مداخل المخيم، والراجلة أيضا، كان الخروج صعبا للغاية، وكنا كلما ذهبنا لمكان كي نخرج منه تجاه بستان الزيتون وجدنا دورية شرطة أو درك تسير في المكان.
 
بساتين الخروج
 
بقينا نسير لساعتين تقريبا حول أماكن الخروج تلك، من هنا وهناك، حتى قفدنا الأمل تقريبا، الى أن أتى شرطي على البوابة وكان يعرفه أحمد، فذهب وتحدث معه عن أمرنا بصراحة، وأخبره بأننا أردنيين ودخلنا الى المخيم بالتهريب، فقال لأحمد أننا في صدد التعرض لمشكلة كبيرة جدا قد توصلنا الى السجن مباشرة، لكنه قال أيضا أنه سيغض الطرف عنا، وما علينا سوى أن نجد ثغرة ما لنخرج منها، ونصحنا بأنه ما إن نجد تلك الثغرة فما علينا إلا أن نغذي السير دون أن ننظر خلفنا، حتى لو نادانا أحدهم، وأخيرا وبتشجيع ذاك الشرطي نجحنا بالخروج الخطير.
 
في الحقيقة ورغم صعوبة الأمر، إلا أنني أنا شخصيا أشد على أيدي رجال الأمن الأردنيون في هذا التشديد والذي يرمى من ورائه الحراسة والحماية لهذا الشعب المنكوب، حقيقة لولا ذلك التشديد لكانت الأمور صعبة وخطيرة للغاية.
 
لقد كانت تجربة لا يمكن نسيانها، دخلنا عالما ًغريبا ً شرساً مستكيناً هادءً ساحراً، كان هناك أمة كاملة شُردت قصراً، ولكنها تحيا هناك وتعيش وتتزاوج وتحلم، لكن أحدهم قال لنا بحرقة:
 
هل سنتعود على هذا المخيم كما تعود الفلسطينيون من قبل؟
 
هل سننسى يوماً أن لنا أرضاً وكرامة تركناها خلفنا؟
 
هل بوجود المدارس والمراكز الصحية ونقاط الشرطة كمن يقول لنا أنتم لاجئوا القرن الواحد والعشرون بعد قرن من لجوء الفلسطينيون؟

  • المصدر: الرأي الأردنية

الأكثر قراءة