لم يكن للأسد أن يتقدم في داريا لولا طول أمد الهجمة العسكرية ... وتخاذل القريب والبعيد

12.تموز.2016

لم يكن لنظام الأسد أن يحقق ما حققه من تقدم في مدينة داريا المحاصرة بغوطة دمشق الغربية لولا طول أمد الهجمة العسكرية التي شنها على المدينة ولولا القصف العنيف الذي طال جبهاتها وأحياءها السكنية على مدار أكثر من أربعة أعوام.

الآن وصلت مدينة داريا إلى مرحلة حرجة من الحصار والوضع العسكري صعب، وكثر الحديث عن سيناريوهات وخيارات كارثية تتربص بالمدينة ... وصلت داريا إلى ما هي عليه الآن نتيجة ثمانية أشهر من الاستنزاف البشري والمادي والتخاذل المحلي والدولي.

ونشر المجلس المحلي في داريا ملخصا للأبرز المراحل التي مرّت بها المدينة، حيث أشار إلى أن نظام الأسد بدأ في تشرين الثاني 2015 حملة عسكرية جديدة على المدينة مستخدما تكتيكا جديدا أسماه "قضم الجسد"، والذي يعتمد على التقدم التدريجي، حيث يحشد الأسد كل إمكانياته في منطقة محددة فيقصفها بالبراميل المتفجرة والمدفعية، بغية تدمير وتسوية كل شيء منشأ على سطح الأرض، ثم يرسل آلياته وعناصره للتقدم على الأرض، واعتمد النظام بشكل كبير على طيران الاستطلاع بإشراف روسي لتحديد الأهداف بدقة وتعديل خطط التقدم.

استخدم نظام الأسد في هجماته الكاسحات، وهي عبارة عن آليات ثقيلة مجنزرة ومدرعة، مجهزة خصيصا لتدمير التحصينات الأرضية، إضافة إلى الدبابات المتطورة والعربات المدرعة وغيرها، وركزت قوات الأسد هجومها على الجبهة الغربية بهدف الفصل بين داريا ومعضمية الشام لإضعاف المدينتين وتضييق الخناق على داريا.

ولفت المجلس المحلي في داريا إلى أن المعارك استمرت على هذا المنوال بشكل يومي، وتمكن الثوار في داريا من التصدي للتقدم رغم الغياب التام للتكافؤ في الإمكانيات، فالثوار المحاصرون يستخدمون الأسلحة الفردية ويواجهون الدبابات والكاسحات بقذائف الـ "آر بي جي" إن وجدت وبالعبوات البسيطة محلية الصنع، وكان القتال يستمر أحيانا عدة أيام على نقطة واحدة على الجبهة، يعجز النظام عن السيطرة عليها فيغير محور الاقتحام رغم حشده للقوات النظامية لا سيما الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري إضافة إلى مجموعات من حزب الله وعصابات طائفية عراقية.

سجل الثوار في تلك المعارك بطولات نادرة، ولكن التفوق الكبير في الإمكانيات لصالح الأسد غير ميزان المعركة مع مرور الوقت، وتمكن النظام بعد ثلاثة اشهر من القصف الشامل والاقتحام والمعارك الحامية من السيطرة على المنطقة الواصلة بين داريا ومعضمية الشام وفصل بشكل كامل بين المدينتين في نهاية شهر كانون الثاني 2016، فدخلت داريا إثر ذلك في مرحلة جديدة من الحصار والاختناق.

تابعت قوات الأسد نفس التكتيك السابق في الجبهة الجنوبية للمدينة واستغلت حالة الاستنزاف الكبير في الموارد البشرية والمادية، فقد استشهد في تلك الفترة أكثر من 150 مقاتلا من بينهم عشرات من القادة العسكريين والميدانيين، وهذا من أبرز الأسباب التي مكنت قوات الأسد من التقدم في تلك الجبهة بالتدريج، إلى أن تم تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية في نهاية شباط 2016 فتوقفت المعارك والقصف مؤقتا، فعادت الحياة المدنية نسبيا إلى المدينة بعد غيابها شهورا طويلة، وعادت النشاطات الثورية والمدنية التي اشتهرت بها المدينة منذ بداية الثورة.

بقيت داريا في حالة حصار خانق والتزم الفصيلان المقاتلان فيها (لواء شهداء الإسلام والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام) بالتهدئة التي استمرت حوالي شهرين مع حدوث خروقات متكررة من طرف الأسد، ثم خرق الأسد الاتفاقية بالكامل وتابع الاقتحام من الجبهة الجنوبية والجنوبية الغربية في شهر أيار، وعادت المعارك والقصف إلى سابق عهدها، وتابع الأسد تقدمه التدريجي في الجبهة الغربية والجنوبية الغربية حيث تتركز المناطق الزراعية في المدينة، وتعمد إحراق المحاصيل وتخريبها بالقصف.

في بداية شهر حزيران عاود النظام استخدام البراميل المتفجرة في قصف المدينة، وكانت المحصلة استمرار تقدم الأسد ببطء مستفيدا من تفوق إمكانياته العسكرية والطبيعة الجغرافية للأراضي المكشوفة التي يصعب التثبيت فيها.

وبعد ذلك رد الثوار بعملية عسكرية في المنطقة الفاصلة بين داريا والمعضمية وتمكنوا من فتح ثغرة مؤقتة بين المدينتين لكنهم لم يستطيعوا المحافظة عليها لأسباب متعددة ليعود الوضع إلى ما كان عليه، ومن ثم وصلت قوات الأسد بالتدريج إلى أطراف المناطق السكنية داخل المدينة مما اضطر كثيرا من الأهالي إلى ترك أماكن سكنهم والانتقال إلى المناطق الداخلية.

ونظرا لصعوبة الوضع آثر ثوار المدينة في الفترة الماضية التواصل مع الجهات العسكرية والسياسية الفاعلة لإيجاد حلول تخفف عن المدينة بعيدا عن ضجيج الإعلام، إذ أصدر عدد كبير من الفصائل العسكرية في شهر أيار بياناً تضامنيا مع داريا يهدد بإنهاء الهدنة في حال استمرار الاعتداءات عليها، لكن الاعتداءات استمرت دون أي تحرك من الفصائل، وتم التواصل المكثف مع معظم الفصائل في جنوب سوريا وشمالها للمطالبة بأعمال تخفف الضغط العسكري على المدينة، لكن دون جدوى، وتم التواصل مع الدول الراعية لاتفاق وقف الأعمال العدائية وتقديم تقارير مفصلة عن الخروقات والاعتداءات، لكن دون جدوى أيضا.

وعلى الصعيد الإنساني يعاني أكثر من 8000 محاصر في المدينة من ظروف معيشية بالغة الصعوبة، فالخدمات الأساسية من كهرباء وماء واتصالات مقطوعة بالكامل منذ عام 2012، والوضع الغذائي يزداد تدهورا خاصة بعد الفصل عن معضمية الشام. وزاد في المعاناة الغذائية القصف المتعمد للمناطق الزراعية ثم سيطرة قوات الأسد على معظم تلك الأراضي، ما اضطر كثير من الأسر إلى النزوح الداخلي ضمن المدينة نتيجة تقدم قوات النظام أو تكثيف القصف على بعض القطاعات.

وأخيرا أكد المجلس المحلي في داريا على أن الجيش الحر في المدينة لا يزال يدافع عنها ويبذل جهده في منع تقدم قوات الأسد، في ظل خذلان محلي ودولي للمدينة وأهلها الذين يعانون من استمرار القصف والمعارك وتردي الوضع الإنساني لا سيما بعد خسارة المناطق الزراعية. ويُخشى أن تركز المحاصرين في منطقة محدودة من الأبنية السكنية المدمرة سيؤدي إلى زيادة حجم الضحايا نتيجة تركيز القصف عليها، إضافة إلى تدهور الظروف المعيشية المتسارع فيها.

وقال المجلس "لن تسقط داريا بإذن الله لكنها تعيش منذ أشهر ظروفا معيشية وعسكرية مأساوية وتُدفع دفعاً إلى خيارات صعبة تُفرض عليها.. ويحاول النظام جاهدا استكمال السيطرة عليها مستغلا حالة الشلل السياسي وغياب المؤازرة العسكرية".

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: فريق التحرير

الأكثر قراءة