تأثير العمارة على الحرب السورية

08.حزيران.2020

((نحن نصنع الأماكن وبعد بنائها هي تصنعنا)) بهذه العبارة لخص "وينستن تشرشل" العلاقة بين العمارة والإنسان، فالعمارة مرآة لحالة مجتمعية وسياسية وأخلاقية وعاطفية من جهة وكفلسفة للحياة وتصورات للدين من جهة أخرى وهناك نوع من التواصل بين العمارة والمجتمع فهي تلعب دور هاما في تفكيك المجتمع أو تعاضده.

بالنظر الى منطقتنا كان يسود نوع من التناغم بين الإنسان وبيئته متعلقة بشكل الأبنة والفراغات المعمارية التي تحتضن نشاطه، فكنا نلاحظ التنوع المعماري بين قرية وأخرى هذا ما انعكس على طبيعة المجتمع ونفسيته وكان ضامنا للحفاظ على قيم التسامح وتقبل الآخر.

بنى هذا التناغم بين الإنسان وبيئته شخصية المجتمع فالقارئ للتاريخ يلاحظ الصورة الجميلة التي ارتسمت عن مجتمعات الشرق الأوسط والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة فيه، وفي المقابل وبعد الحداثة وذوبان الحضارات في بوتقة العولمة جاء القبح.. ولا نعبر هنا عن حالة فقدان لمعايير الجمال البصري فقط بل فقدان الأصالة و ارتباط الإنسان بأرضه من الأساس فأصبحنا نعيش في جحيم العمارة التي تفتقد إلى الروح الإنسانية او القومية.

بحيث تبدو العمارة الحديثة وما بعدها محض مسوخ من الحجارة والرمل والأسمنت فاقدة للروح المعمارية وموسيقاها أو عمارة مستنسخة من أنماط عالمية تتفق مع مجتمعاتها وعصرها وقد لا تتفق وتتناسب مع ثقافتنا الوطنية والمحلية.

العمارة في سوريا لم تكن استثناء فقد تحولت فيها فلسفة العمارة من عمارة متخصصة بكل رقعة جغرافية فيها إلى عمارة عامة توافق توجهات الحكم الاشتراكي الذي حكم البلاد، وهذا ما خلق نوع من الخضات الاجتماعية التي عصفت بأساس الشعب فلا تخلو منطقة من صور العمارة الوحشية بكل مفرزاتها التي تدعو إلى العنصرية وتقسيم المجتمع الى فئات وخلق نوع من العداء بين هذه الفئات وتخطيط المدن على أساس يدعم حكم القطيع.

كل هذا أدى الى نشوء جو من عدم الاستقرار ساد المجتمع وكان سبب في تعزيز حكم الديكتاتورية وتسلطها على الناس، فالحكم السلطوي يهمه نمط من العمارة يستطيع من خلالها حكم الناس والتضييق عليهم فالعمارة في سوريا لم تكن صافية النوايا بل كانت بتوجيه من الفئة الحاكمة التي انتهجت نهج النازية والاشتراكية في تطويع العمارة لخدمتها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر نلاحظ في التقسيم التنظيمي للبلدات في سوريا وجود توجه حكومي نحو أفكار حزب البعث الحاكم ومزج العمارة الكلاسيكية مع العمارة الواقعية الاشتراكية الستالينية.

فكل بلدة في سوريا كان التخطيط العمراني لها أشبه بالسجن فهي تنطلق من منطقة بلدة قديمة تليها توسعات هذه البلدة يليها السكن المنفصل وآخرها السكن الأول ومحاطة بمنطقة صناعية وتجارية فتقسيم البلدات بهذا الشكل وأحاطت منطقة الاكتظاظ السكاني بكتل السكن الأول أشبه ما يكون بالسجن وأبراج الحراسة فأغلب مناطق السكن الأول التي تعبر بالفيلات والكتل المنفصلة تحولت في المناطق الثائرة الى أبراج حراسة تضمن السيطرة على السكان المتواجدين داخل المدينة حتى توزع الفراغات المعمارية والساحات العامة كان يدعم مبدأ المراقبة الشاملة والسيطرة على الحركة.

لم تكن التقسيمات التنظيمية في سوريا محض الصدفة بل كانت أسلوب متبع في قبل السلط الحاكمة لضبط واحتواء السكان ناهيك على شكل العمران والأبنية وتنظيم المرافق العامة الذي انعكس على شخصية الشعب السوري الحالية.

الآن وبعد تدمير أغلب البلدات السورية فلا بد أن نهتم بالتخطيط العمراني ووضع مخططات جديدة للمدن تساهم في بناء الشخصية العامة للمجتمع السوري وتعتمد أسلوب العدالة والمساواة وملتزمين أيضا بوضع تصورات معمارية جديدة وتطوير الكتل المعمارية ونمط عيش السكان فيها من أجل الحفاظ على ما تبقى من الهوية السورية.

  • اسم الكاتب: أمجد المالح
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة