صك زواج ليلة القصف بالكيماوي ...

21.آب.2015

لم تكن الحمى التي أصابت محمود في تلك الليلة تحديدا محض مصادفة ، أو توجس من فكرة الزواج بمن أحب ، وإنما كانت إحساسا منبها سبق وقوع مجزرة مروعة ، بصواريخ تحمل رؤوس كيماوية ، خطها التاريخ باستحياء ، وتغاضى عنها العالم أجمع .

‘‘ لم أكن أتخيل يوما بأن تقصف مدينة دمشق بطائرات وصواريخ سورية ، ويرتكب جيشها مئات المجازر بحق الأبرياء من إخوتهم السوريين ’’ . صمت محمود ثم أكمل قائلا ‘‘ أما أن تقصف مناطق من ريف العاصمة دمشق بصواريخ كيماوية فهذا ، بالنسبة لي ، أشبه بالقصص الخرافية ! ولكن المصيبة أنها حقيقة حدثت لتحصد أرواح الكثير من المدنيين من أهلنا في الغوطة الشرقية ’’ .

كانت الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل عندما سمع محمود صوت هدير يشبه صوت تحليق طائرة الميغ على حد تعبيره ، هبّ من فراشه ، بعد أن أزاح عنه الحمى قليلا ، ليجد أخاه يقف مذهولا ، ناظرا من شرفة منزلهم باتجاه منطقة القابون وسط العاصمة السورية دمشق . كانت الأرض تهتز بينما يسطع نور قوي ، لتنفض الأرض عنها صاروخا شوهد بالعين المجردة . انطلق الصاروخ مسرعا باتجاه السماء ثم ما لبث أن غيّر مساره ضاربا مدينة زملكا بريف دمشق ، ليعرف محمود بعد أقل من ساعة بأن هذا الصاروخ وعشرات أخرى تبعته ، هي صواريخ تحمل رؤوسا كيماوية ، استهدفت عدة مدن وبلدات في الغوطة الشرقية في ريف دمشق .

لم تكن نور ، خطيبة محمود ، والتي تقطن في مدينة دوما ، تعلم بأن الغوطة الشرقية تتعرض للموت خنقا بأسلحة كيماوية ، بل كانت تفكر بسعادة بريئة كطفل ، بأن عدة ساعات فقط تفصلها رسميا ، لتعترف الدولة بها كزوجة شرعية لمحمود وفق صك زواج قانوني .

نسي محمود تعبه ، وجن جنونه وهو يحاول عبثا الاتصال بخطيبته ، لينجح أخيرا في إجراء مكالمة صوتية بعد عدة محاولات باءت بالفشل . يقول محمود ‘‘ كنت أرتجف وقلبي ينبض بشدة ولكن ما أن سمعت صوت نور يحدثني في الهاتف حتى شعرت براحة مؤقتة ، كان صوتها مرتاحا ، وكأنها لم تكن تعرف شيئا عن الموضوع ’’ . تنهد محمود وارتسمت في وجهه ظل ابتسامة مجنونة قائلا ‘‘ لم أعرف حينها ماذا أقول لها ، هل أخبرها بأنكم تتعرضون للقصف بأسلحة كيماوية ! ’’ .

صعدت نور وعائلتها بالكامل إلى الطابق الثاني من منزلهم المكون من طابقين كحال البيوت القديمة . أغلقوا النوافذ بإحكام . وقاموا بإحضار مناشف بللت بالماء . ثم جلسوا بصمت دون الاتيان بأي حركة ‘‘ كانت لحظات غريبة جدا ، وكأنني لم أكن أعيش في هذا العالم ، لم أفكر أبدا ولو للحظة واحدة بأنه قد يأتي صاروخ ويقتلنا جميعا ، كنت أنظر إلى أبي وأخي المتواجدين معي في الغرفة فأجدهم مثلي تماما ، حاضرين بأجسادهم فقط ! ’’ تقول نور .

في الساعة التاسعة صباحا ، بينما كان محمود يقف مضطرا أمام القاضي الشرعي في القصر العدلي بدمشق ، بعد أن دفع مبلغا من المال مقابل حصوله على موافقة زواج من شعبة التجنيد وذلك نظرا لتخلفه عن القيام بالخدمة الالزامية ، كانت نور تراقب بذهول تام جثث أكثر من ألف شهيد قضوا نتيجة القصف بالأسلحة الكيماوية ، لفوا جميعا ب ملاءات بيضاء ، بعد أن تم المجيء بهم من كافة أرجاء الغوطة الشرقية ، ووضعهم في ساحة مدرسة وسط مدينة دوما .

 


  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: الباسل تادروس