#خروجي_قبل_تفاوضكم .. "حين ينبت الشوك في حناجرنا"

16.نيسان.2015

ليل الغرباء 3  .....

"حين ينبت الشوك في حناجرنا"

غريبات نحن في هذا المعتقل اللئيم , أنا و أنت و هي و تلك يا لنا من فراشات نزعت أجنحتها و سحبت ألوانها فباتت بلا ألوان ,

جوع و برد و تلوث و أمراض و رائحة موت و أنفاس السجّان تقبع معنا , لحظات مدببة تمر علينا تغرس رؤوسها الحادة في أجسادنا و ارواحنا و أنوثتنا ,

 

صراخ مكبوت ينبت الشوك في حناجرنا و أقفاصنا الصدرية , ننظر لبعضنا البعض وهاجس الخوف يسكن كل منا ,

صوت أولئك اللئام يتناثر في صدى المكان يسكننا نغلق أفواهنا كي لا نسمع أصواتهم لكنه يعلو ويعلو يتدفق في مسامنا يتدفق من أعيينا التي أغلقناها .

تلتصق كل منا بالجدران الباردة علها تبعد أنظارهم عنها حين يدخلون ليتلصصون على أجسادنا ,

 

نخشى أن يسمعوا صوت دقات قلوبنا أو ارتجاف عظامنا ,

في الليل الطويل تسمع صوت أنفاسنا متثاقلة كفحيح صوت الحديد المحمّى في النار حين يغمس في الماء البارد ,

كل واحدة منا تخفي في جوفها قصة قهر لا تنتهي تتمنى أن تمزق جدران الحجرة بأصابعها

أنا فتاة جامعية خرجت في مظاهرات سلمية فاتهموني باني كنت وراء حملة للإرهاب في الكلية و أني أحرض الطلاب على أعمال الشغب لأنشر الفوضى بإسم الحرية و اعتبروني أني من أخطر أنواع الإناث على الاطلاق في الجامعة وبين طلاب بعمر يافع يخافون قول كلمة حق بين نظام الهمجية ,

و لفقوا لي تهمة أني أنشر منشورات تجعل البلد في بلبلة بربرية و اعتبروني أني أساهم في المؤامرة الكونية , لفقوا لي أكثر من ثلاثين تهمة كل واحدة تريد جبلا ليستطيع أن يقوم بها أو فزعة قبلية .

لم أكن أدري أن صديقي المقرب في الجامعة هو من سيرفع بي تقريرا لينال رتبة و شرفا في المخابرات و في مكتب اتحاد الطلبة ,

لقد دزّ اسمي بقلب بارد و لم يشعر بتأنيب الضمير بل قال لأصدقائنا بعنجهية هي من رمت بنفسها للهلاك و لم تبالي بالنتائج السلبية , شبيح صغير بعد ان كان صديقاً و أخاً ,

عششوا في تلافيف دماغه أن عليه سحق كل من ينادي بالحرية و إلا سيساهم بتخريب بلده و لن يحظى بالأمن في داره و في شوارع حارته القديمة في وسط الشام الأبية .

أخذوني من وسط ساحة الجامعة و كمموا فمي فهم يخافون أن أنادي بكلمة الحرية وأنا مكبلة الأيدي و بين جشاعة تصرفاتهم اللاأخلاقية و أغمضوا عيني بأربع رقع سوداء و كأنهم يخافون حتى أن أرى وجوههم التي تشبه الذئاب والثعالب البرية .

أدخلوني عند محقق ليستجوبني و يقول لي يا ابنة الكلب كيف بك أن تطالبي بالحرية و نحن نستضيفك في بلدنا بقلب حنون و بكرم حاتم الطائي أيتها الشقية فأجبته أنا ابنة كلب مخلص خير من ذئب يفترس نساء إخوته في الدين و الهوية ..

فضربني على فمي بمعصمه لينزف فمي و أقع مغمياً علي و استيقظ في زنزانة عتمة وحولي نساء مثلي يعانون اعتقال لأسباب يزعمون أنها أسباب أمنية .

وجدت الكل ينظر لي ماهي تهمتي لماذا انا هنا هل تهمتي كتهمتهم أم أني سأكون أكثر شرفا و أخرج بسرعة من باطن الأرض الى شوارع المدينة و أستعيد حياتي من جديد

لأن كل انسان يدخل الى هذا المعتقل يعتبر نفسه ميت مع وقف تنفيذ و لا يكون لديه أمل بالخروج و هو على قيد الحياة فهو سيخرج محمل أو محطم و في كلتا الحالتين يكون فقد الوجود بالحياة .

عاود المحقق استجوابي بعد يومين و قال لي سأنزع حنجرتك ان لم تلتزمِ بالحديث و تقولي ما أريد أيتها الوقحة ,

كنت من سعيدات الحظ فلم يلمسني أحدهم ، كنت قد عانيت الذل والهوان فقط , وبعض نكزات هنا و ضربات هناك و كف على خدي من هذا و كلمات سافلة من ذاك و مع هذا كنت من سعيدات الحظ في اعتقالي ,

و لكن كان كل مسام من مسامي يتفجر بالنحيب و  المرارة ,

اعتز بتراث امرأة شرقية أحاول أن أبحث عن نور في جماجم كل معتقلة فأراها تترنح برأسها تعباً و هلعاً أرى كل واحدة منهن تبكي وهي ترى أن يكون تحتها تابوت موتها أرحم من عيشتها في هذا الجحر بين صرير الصراصير و رحمة اقتراب أجساد ذئاب تنهش بلا رحمة ,

و بعد ثلاثون يوماً كنت كوردة حان موعد تفتحها فقد جاءني قرار الإفراج و تركت صديقاتي الحرائر ينحنّ على فراقي و يزلغطنّ بصمت على خروج احداهنّ و يعطوني أرقاماً و رسائل لأطمئنّ أهلهنّ عليهن .

خرجت أبكي على الفتيات و قصصهنّ أكثر مما أبكي على نفسي , أشعر بنشوة فرح ممزوجة بومضة جرح عميق على قصص فتيات عانين الإغتصاب الجسدي و النفسي في ذاك السجن الرهيب ,

خرجت و آلاف النهدات تصلبت في جسدي أتمنى أن أصرخ ملئ حنجرتي صوت الحرية لن يموت مادام في سجونكم حرائر برائحة الياسمين فعبق الياسمين لا يموت

 

"رنا هشام "

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: رنا هشام