#خروجي_قبل_تفاوضكم .. سباق الثواني

31.آذار.2015

ليل الغرباء 1

سباق ثواني

كل لحظة في ذاك السجن هي كائن موحش غريب كأنه من مادة مخاطية أو جيلاتينية لونها أخضر مضيء في عتمة الليل له أنياب طويلة حادة ، تنهش الوحدة في أرواحنا , و القشعريرة تغرس حربتها في جسد كل منا تقطع الصمت الساكن فينا بالأنين .

نتستر على بعضنا البعض في سقوطنا المفجع , أكره ذاك المشهد اليومي المعتاد و أكره شعور رفق بعضنا ببعض , ضلوع قاصرة تنوح هنا وهناك و تتنهد تنهيدات احتضار و تعيش في قلق الوجود , أنا هنا أجلس في أسفل طاقة يقال أنها نافذة لتدخل الهواء و لكنها تخنق الهواء بدل أن تسمح له بالدخول , كنت واحدة من تلك المعتقلات وقد تحولت لآلة تتحرك و تمنع نفسها حتى من العطاس حتى لا تثور وسط زنزانة تشبه القبور , كنت مسبقا أخاف الفئران والحشرات و كل شيء يتحرك بهدوء و لكني بعد شهر اعتدت مجاورتهم و صاروا من أهم الأصدقاء في عمري , كنت أخبىء بعض فتات الخبز اليابس من الغداء لأطعم الفئران في المساء و أراقبهم كيف يتلذذون و يعيشون في سعادة و هناء داخل ذاك الحائط المثقوب في جدار متشقق مربوع .

انا امرأة متزوجة أبلغ من العمر الثامنة والعشرون جميلة التكاوين و رشيقة القامة خريجة كلية الأدب العربي و معي شهادة ماجستير فيها , كنت عروسا منذ ثمانية أشهر حين تم اعتقالي و كان زوجي طبيبا في اختصاص التوليد , كان ممن أسعف الناس في مشفى خاص بعد قصف أحد المناطق و لوحق منذ شهرين فقط  لأنه طبيب عالج جرحى و كان مختبئا في احدى الأماكن من البلد و انتقلت أنا لأعيش مع أهلي ريثما أستطيع اللحاق به , كنت أكتب بعض التعليقات و البوستات على صفحتي في الفيس بوك عن الوضع و كنت ممن يقولون كلمة الحق و ممن لا يخيف قلبي الا الله 

كما كنت انشر بعض المقالات في احدى المواقع الالكترونية باسم وهمي ومن سوء حظي أنهم كانوا يراقبون زوجي عن طريق مراقبة صفحتي فما كان منهم الا أن وضعوا اسمي على لوائح المطلوبين دون أن أدري وبينما أنا أمر على أحد الحواجز في أحد الأيام طلب الضابط التأكد من اسمي فكان لي اسم واعتقلت  لما يقارب ثلاثة شهور و كل ما أعلمه أن قنديل نور أنار عمري من جديد بعد هذا الاعتقال فلم أكن أتوقع أني سأخرج ذات يوم من ذاك المكان اللعين.

أولئك الناس عاهدوا   الشيطان أن يكونوا في طوعه فهم  ينتظرون صك الثناء منه لأنهم من سلالته الوسخة , دخلت الى المعتقل بعد تكبيلي و عصب عيني بقماش سميك , أدخلوني الى غرفة المحقق و طلب منهم فك قيودي والكشف عن عيوني , كان الضابط وسيما نوعا ما و لا تبدو على ملامحه  الشراسة المعهودة فيهم , استجوبني بنبرة حادة ولكن لم يحاول أن ينعتني أو يمس كرامتي , سألني عن زوجي و عن المنشورات التي أنشرها على صفحتي في الفيس بوك فأنكرت معرفتي عن مكان زوجي و أنكرت اني أكتب شيء على الفيس و اخبرته أني أكتب عبارات عادية تتكلم عن الظلم و لكن لم أقل من الجهة الظالمة و هذا لا يدينني و لا يعتبر تهمة , فقال لي يبدو أنك ذكية , ثم أردف أنتِ تعملين في الاعلام المعارض فأنكرت أيضا , نظر الى وقال أتمنى ألا تطول زيارتك لدينا و نادى السجان ليأخذني الى الزنزانة تحت الأرض .

بعد أيام بدأت أشعر اني أصبحت ورقة جافة , جافة مقددة تكاد يد طفل صغير تفتتني فقد بت مدمرة كجثة ممددة تحت رحمة ايجاد قبر و المسامير تحتي توخزني , آه كم أكره هذا الليل المشوه هذا الليل المجهض كم أتمنى أن يعود ذاك الليل في منزلي مع أهلي مع زوجي بحضرة الضحكات .

بعد أيام من حبسي كان هناك موعد استجواب وضعوني قبل الاستجواب في غرفة فردية  , كانت تلك الغرفة جائعة لكل شيء جائعة للحياة و للطلاء و في زواياها فتات خبز و بعض الجرذان والسحالي وغطاء خشن في زاوية الغرفة يشبه كل شيء الا الدفء جلست أنتظر و في أركاني المعتمة صوت نداء صوت صلاة صوت تراتيل قران و تسبيحات مع بعض الوجفة في جميع شراييني , دخل السجان كان ضخكما و كان يربي ذقنه بكثافة و ذو شع خفيف يشبه الرجال في شاربه و لحيته أما ما تبقى فهو كالبغال اقترب مني ونظر لي نظرة حقيرة تشبه شكله الحقير و قرب وجهه مني وقال بصوت أجش سأتمتع بك هذه الليلة بعد التحقيق على انفراد يا حلوة و قد يكون معي صديق يقاسمني هذا الغزال , شعرت بتشنج و تمنيت أن أصرخ و وقف شعر بدني من الخوف وشعرت أن اليوم نهاية المطاف نهايتي , شعرت بروحي تخرج مني فماذا بي فاعلة اذا اعتدى علي فأنا لا أستطيع أن اصرخ أو اطلب النجدة أو حتى النواح , أخرجني من الغرفة اللعينة الى غرفة المحقق ليتركني داخل الغرفة مع نفس المحقق و يبدأ باستجوابي من جديد و يسألني عن زوجي و اسئلة متكررة و كأنه يريد مني أن أغير أقوالي حتى يتهمني بتهم لا مفر بعدها من الاعدام أو المؤبد أو الحكم الميداني , فعاودت لأقول  له أني لم أقل شيء خارج عن المألوف و أني تكلمت كلمات عادية عن الظلم و كل انسان يكره الظلم حتى من أبيه أو أخيه أو الحياة و الانسان بالفطرة يبحث عن العدل , قال لي يبدو أنك ستخرجين من هنا و أنا لا أحب ان أظلم و لم أعتد على أن امارس القوة على أنثى لم تمس أمن وطني و قالت بغباء بعض كلمات لتثبت أنها متعلمة و مثقفة , كان يقلل من شأني ولكنه كان يملك بعض الانسانية , فأجبته شكرا لك هل لي أن اقول شيئا و سكت , أجابني تكلمي قلت له و أنا أبلع رضابي بصعوبة وخوف و بدأت دموعي تنهمر مني قال لي قولي ماذا كنتي ترغبين أن تقولي , أجبته السجان وسكت ,عاد وقال لي ما به السجان قلت له و كلي خوف أن يقتلني أو يعطي الضوء للسجان ليفعل بي ما يريد , و لكن صوت الصلوات و الصلوات في تلك الحجرة الانفرادية جعلتني أشعر بارتياح للقدر القادم , أكلمت السجان قال لي أنه سينام معي هذه الليلة و معه صديقه و بدأت أبكي بحرقة و صوت عالي و أترجاه ان يحميني منه , قال لي اهدئي أنا سأتصرف مع السجان و أساعدك ان لم يكن عليك شيء لتخرجي من هذا المكان , أجبته و أنا لازلت أبكي شكرا لك سيدي شكرا لله أنه أرسل لي انسان مثلك , قال لي ستعودين الآن الى الزنزانة مع المعتقلات وأنا لي كلام مع السجان , ثم نادى السجان و طلب منه أن ينادي لشاب آخر فخرج وعاد معه شب أسمر نحيل , قال المحقق للشب النحيل يا علاء خذ الفتاه الى الزنزانة و ضعها مع المعتقلات حيث كانت , فقاطعه السجان ولكنك أمرت أن تبقى في زنزانة انفرادية فنظر اليه المحقق وقال له اخرس انت , خرجت مع الشاب الأسمر و قبل أن أخرج نظرت نظرة امتنان للمحقق بدموع تسكن بؤبؤ عيني و ترغرغ على رموشي و خدودي و اتوقع أنه شعر بها مع أنه حاول أن ينظر لي نظرة ثاقبة و هو يمسك سيجارته ويدخن بهدوء .

علمت بعدها ان السجان نقل من مكان عمله الى مكان آخر و كما وعدني ذاك المحقق لم يلمسني و أتممت ثلاثة شهور كان يحقق معي كل عشرة أيام , و في الاستجواب الأخير قال لي و السيجارة في فمه انت براءة انتبهي الى نفسك و لا تقولي شيء يسيء للوطن والا ستعودين الي مرة أخرى و لن أرحمك في المرة القادمة , أجبته شكرا لك أنك وفيت بوعدك و لم يلمسني السجان و ايقنت باعتقالي ان هناك أناس لديهم ضمير يعملون في الأفرع الأمنية و ليس كما كنت أتوقع لقد كنت التصق برحم الجدار الرطب كل يوم خوفا من أن يمسني أحدهم و لكن عندما وعدتني أن تمنع السجان عني شعرت في بحة صوتك بحة رجل يفي بوعوده و فعلا وفيت بوعدك شعرت حينها أنك سند لي في هذا الزقاق العتم مع أنك معتقلي و أنا المعتقَلة شكرا لك مرة ثانية و نزلت مني دمعة سعادة أني سأترك هذا المكان , قال لي بسرعة جهزي نفسك والا سأتراجع عن قراري ثم نادى للسجان و قال له براءة لتخرج من هنا .

سارعت الى الزنزانة و قبلت صديقاتي كما تفعل كل من تخرج منا و حضنتهن بحنان المحبين وقلت لهن سأشتاق لكن بالرغم من بشاعة المكان الا أني سأستفقدكن صديقاتي هناك بقعة ضوء فيها يقين و ايمان بفرج قريب و بإطلالة ربيع فلا تجعلوا عزائمكن تتهدل .

 بكينا و نحن نقبل بعض و تواعدنا أن نلتقي و لكن هذه المرة خارج المعتقل ,   ثم خرجت بسرعة ركضت كفرس أصيلة في سباق , سابقت الثواني و  خفت أن انظر للخلف فيحاولون ارجاعي الى هناك مجددا , ركضت و الدمعة في عيني تنهمر كسد ماء انفجر و لم يعد أحد يستطيع ايقافه , بعد الانتظار الموحش خرجت نعم خرجت وها أنا أنتظر صديقاتي ليخبرن مثلي و يعانقن السماء بأيديهن و يتنفسن عبق الوطن و يرين ضوء الشمس كما رأيت .

 

بقلم : رنا هشام .

 

(قصص معتقلالت نساء)

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: رنا هشام