#خروجي_قبل_تفاوضكم .. ومضة مع صرخة

18.أيار.2015

من قصص المعتقلات النساء :

ليل الغرباء 4 :  ومضة مع صرخة .

رنا هشام

 

اننا نفقد وجوهنا حين نفقد وطننا , اننا ندافع عن الطفل الذي يسكن فينا , ننفث التمرد على ظلم من شفاهنا فيحرقون شفاهنا بنارهم و سلاحهم , يطالبون باستئصال حناجرنا و أيدينا التي ترفع لافتات الحرية و يحاولون اعتقال نهداتنا التي تخرج منا بحرية , كنت اسمع عويل الريح و صوت فحيح المرضى و قروع طبول احتضارنا وأفق رمادي مبعثر تأكله وحشية المكان .

 لقد كنا مجموعة من الفتيات والشبان نعمل في مجال الاعلام و كنا نجتمع في كافتيريا صغيرة نتداول الأحاديث عن أعمالنا و كان لكل منا اسم حركي حتى لا يمسك أحدنا فيتحدث تحت الضغط عن الباقون , في يوم من الأيام كنت ذاهبة الى السوق لأجلب بعض الحاجيات و كان عندي موعد بعد السوق لتسليم فيديو مصور عن المظاهرات و لأستلم كاميرا حديثة (canon) ، اتصلت مكالمة هاتفية بصديقي الذي سيسلمني آلة التصوير و أخبرته أنني لن أتأخر عن الموعد المتفق عليه و أنني الآن في السوق , و للأسف كانت شريحتي مراقبة دون أن أعلم و بينما أنا أشتري من أحد المحلات وجدت سيارة جيب كبيرة وقفت أمام باب المحل لينزل منها خمس أفراد كل منهم ينقط من وجهه السم و أمسكوا بيدي و حملوني الى السيارة دون أن يستطيع البائع أو أي شخص في المحل أن ينبت بكلمة واحدة امتلكتني مدينة الرعب و شعرت أن جمجمتي لم تعد تحتوي دماغا بل أنها تحتوي ابريق ماء وصل لحد الغليان شعرت أنه يستحيل استحضار أي فكرة في ذلك الموقف

الشيء الوحيد الذي كان يدور في رأسي هو فكرة النهاية , عصبوا عيني و كبلوا يدي و وضعوا قطعة من القماش عليها مخدر على أنفي فشعرت أني بدأت أنسى كل شيء في الدنيا الا أنني احتضر و لم أعد أشعر بأي شيء بعدها , استيقظت بعد وقت لا أعلم كم هو و شعرت أني أحتضن الرعب و الغربة بدأت أتذكر ما حصل لي و شعرت بصدى رعشتي يسود المكان البارد و أن وحشة الظلمة اجتاحت أرجائي كالانتحار و هيمن الخوف في تلافيف معدتي و أمعائي الغليظة , و بينما أفكر بما حصل لي و أين أنا ؟ ما هذا هذا المكان المعدني الصدئ , و بينما اتكئ على جدار متشقق ينخر خاصرتي من البرد سمعت صوت خشن يقول لي انهضي أيتها العاهرة , شعرت بشراييني و كأنها تدق كنواقيس الخطر و شعرت بالاغتباط لسوء تلك الكلمة ولكن لم أستطع أن أقل كلمة , حينها أيقنت أني في معتقل و أنني في كابوس طويل تحول حقيقة يحتضني كالكفن .

أخرجني ذاك الشاب من ذلك المكان المظلم و نقلني بين ممرات تشبهه , انها ممرات غليظة الشكل كعتبات القلق في نفسي ثم صعد بي سلالم ضيقة تمنيت أن تكون سلالم الى السماء على أن أكون في معتقل , أوقفني عند باب حجرة و طلب من شاب شرس الملامح على الباب أن يدخل و قال له ( حضر المته أنا راجع اشربها معك لأخلص من هالحشرة ) شعرت بأني أتمنى افتراسه بسكين تنهش كرشه و أن أخرج بؤبؤ عينيه من مكانهما و أزلزل الأرض من تحته كي أراه تحت قدمي يا له من انسان حقير , فجأة سمعت صوت الشاب الذي على الباب يقول له ادخل , دفعني بقوة حتى كدت أقع أرضاً نظرت أمامي فوجدت شابا بعمر الخامسة والثلاثين تقريبا عريض الكتفين بشارب خفيف و بشرة سمراء و نظارة طبية , قال له السجان ( هي المعتقلة الجديدة سيدي ) أجابه اخرج حتى أنادي لك .

 كان هذا المحقق الذي سيحقق معي بدأ بسؤالي عن اسمي و مع من أعمل و من أين أتلقى الدعم كان هادئاً نوعاً ما و صوته جهوري , أجبته عن اسمي و أنني طالبة جامعية أدرس الماجستير في جامعة التجارة والاقتصاد و أنني لا أعمل لصالح أحد , فكرر سؤاله لصالح من تعملين ؟ فعاودت الاجابة بنفس الجواب , اقترب مني و قال لي لا تكذبي ثم نكزني على كتفي نكزة خفيفة و قال لي ان كنت صادقة ستوفرين علي وعلى نفسك الوقت هل تفهمين , أنت أجريتي مكالمة مع أحدهم و كان لديك موعد ( موعد شو ؟ ) أجبته كنت أريد الذهاب للمطعم مع صديق قديم فأجاب (و شو كمان؟) , أجبته فقط فهز رأسه ونفضه بقوة ثم قال بصوت أكثر حدة قلت لك قولي الحقيقة , صديقك سيكون معك قريبا و اسمه أحمد وبتنا نعرف كل المعلومات عنه , نحن نراقب اتصالاتك منذ أسبوع , شعرت أن رأسي تدحرج أمامي وبدأت أفكر الى أين سأصل , ها هم قد كشفوا صديقي و لعلهم يكشفون الباقين يا ربي رحمة منك , عاود المحقق ليسألني لصالح من تعملين و ماهي مخططاتكم , هل تجرؤون أن تقفوا في وجه أمن الدولة ؟ أجبته أنا فتاة جامعية و لا أدري عما تتحدث كنت أتسوق في السوق و عندي موعد عشاء هذا ما حصل , قال لي و الاتصال الذي جاءك من الشاب لتستلمي الأمانة , أجبته آه هي كاميرا لابتوب عادية كنت قد أوصيت صديقي أن يجلبها لي (كان هذا اتفاقنا على الجواب في حال مسك أحد منا) , أجابني و اجتماعاتكم ؟ أجبته نحن نشرب العصير و نأركل كباقي الناس ليس أكثر, قال لي فكري كيف ستخرجين من هنا ان أنت قلتي الحقيقة و الا سيكون هنا قبرك , ثم نادى للسجان وقال له تعال و ضعها في السرداب السفلي مع المطلوبات بتهمٍ أخلاقية , شعرت بقشعريرة تسري في جسدي ولكن ماذا عساي أفعل .

أدخلني الى الزنزانة فجلست في احدى الأماكن التي وجدتها فارغة و شعرت أن جميع الجالسات ينظرن الي و كأنهن يسألنني لماذا أنت هنا , جلست إحداهن بجانبي و كانت جميلة الملامح و قالت لي بعد فترة من جلوسها لما انت هنا ؟ أجبتها لا أدري  , سألتني هل عليك تهمة دعارة ؟ شعرت بأن أحدهم ينخز صدري بآلة الوشم و أن وجع الدنيا كلها على قلبي و أجبتها لا , عادت بعد قليل لتقول لي كم عمرك تبدين ابنة عز ؟ أجبتها عمري ست و عشرون عاماً أنا طالبة جامعية و سكت , كنت أشعر بعقارب الساعة و كأنها سلحفاة تزحف في صحراء عمري و لا تمر , مر الوقت و أنا أفكر بما سيحل بي و بأمي و أبي و أخوتي ماذا عساهم يفعلون حتى باغتني النوم بينما كنت أبكي كنجمة ذبلت في عراء الخريف .

لم اكن أعلم كم الساعة ليلاً حين شعرت بيد تلامس فخذي فاستيقظت و صرخت , ففوجئت بيد الفتاة التي جلست بجانبي على فمي و هي تقول لي اخفضي صوتك و إلا , أجبتها ماذا تفعلين أيتها الوقحة قالت لي تعالي لنلعب لعبة تنسيك أين أنت و لن يشعر أحد ماذا نفعل , أجبتها ابتعدي عني أيتها الساقطة و إلا سأنادي السجان , قالت بسخرية اندهي السجان ليعريك أمامنا و يسمح لي أن أمارس معك ما أريد ,  خرجت مني شهقة احتضار و أدركت أن هذه الفتاة مثليه ( انها سحاقية ) , يا ربي ماذا أفعل لقد عاقبوني بوضعي في زنزانة بين فتيات مطلوبين بجرائم مخلة بالأخلاق لا يخافون على عرضهم و ليس لديهم شيء يحافظون عليه , جاءني صوت من عقلي اللاواعي يحدثني ويقول لي كوني قوية و لا تسمحي لأحد أن يبتز أنوثتك لا تخافي هم يخافون من الأقوياء لا تكوني ضعيفة , شعرت بقطة شرسة تنبت داخلي وقفت فجأة و قلت لها ان اقتربتِ مني سأقتلك أيتها المنحلة أخلاقيا إياكِ أن تقتربي مني , استيقظت بعض الفتيات من نومهن و شعرت بغبطة أين أجلس فرأيت فتاة يبدو عليها أنها انسانة خلوقة كانت أكبر مني عمراً نظَرت إلي و أشارت لي تعالي و اجلسي جانبي , ترددت قليلاً ثم جلست بجانبها ربتت على كتفي و قالت لي لا تقلقي أنا هنا مثلك لا علاقة لي بالجرائم الأخلاقية فبعث صوتها الهادئ بعض الراحة في نفسي , جلست و شعرت بزلزال يزلزل وجداني و أنا أقف على عتبة الخوف الذي يجتاح لحظاتي في هذه الزنزانة , قالت لي لا تقلقي أنا هنا لنفس سببك هذه عقوبة مثيلاتنا يا صغيرتي أنا اسمي (أمل) , أحسست أنها شعاع الشمس يدفيني وسط هذا المكان القذر فأجبتها بصوت خافت أهلا بك , أجابتني نامي الآن و لا تقلقي أنا بجانبك لتستريحي وعادت لتربت على كتفي , نمت و أنا أشعر بدفئها يتخلخل أجزائي النحيلة و حين صحوت وجدت رأسي على رجل (أمل) تلك الفتاة التي زرعت فيني الأمل أنني بخير بين هؤلاء النسوة اللاتي يشبهن قحط الصحراء بأخلاقهن , تحدثت أنا و أمل وأخبرتني عن قصتها و سبب اعتقالها الذي كان منذ شهر و علمت منها أن هناك بضع فتيات معنا هن معتقلات اعتقال تعسفي مثلنا بعيداً عن قصص الدعارة و الجرائم الأخلاقية .

 تم التحقيق معي عدة مرات خلال أحدى و عشرين يوماً  لم يثبتوا علي تهمة فحُولت الى سجن عدرا حيث حكم لي براءة في أول جلسة محكمة من قبل القاضي الجزائي و عدت الى زهور داري وردة ذابلة تحتاج الكثير من السقاية لأنسى تلك الذكريات البائسة و تلك المعانات و تلك الدمعات في عيون المعتقلات البريئات وسط وباء الإنحلال الأخلاقي و ظلم المعربدين و اندثار الانسانية حتى في النسمات التي تمر في تلك السراديب و الحجر الضيقة , و بعد أن تحولت لمموياء محنطة  في أحضان الظلام عدت للحياة وأنا بحاجة  لوقت طويل كي أطوي ذكريات قاسية مرت معي .

وقد خرجت (أمل) بعدي بعشرين يوماً ليكون بيننا أقدس علاقات الصداقة انها صداقة تحت سماء الظلم في وطن .

بقلم : رنا هشام

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: رنا هشام