أبو عبدو المسحّراتي … شاهدٌ على العصر

08.تشرين2.2014

على مدى العصور وعلى امتداد الفترات الزمنية ,تشكلت لرمضان في الأذهان صورة فسيفسائية تجمع الكثير من الصور الجميلة التي تذكرنا برمضان كالفوانيس ,المساجد العامرة بمصلي التراويح ,التمر ,مدفع الإفطار ,العرقسوس وقمر الدين ,وغيرها من الامور… والتي يعتبر أهمها المسحّراتي .

فالمسحّراتي هو شخص يوقظ الناس يوميا طيلة شهر رمضان على السحور بوسائل وطرق تطورت مع الزمن لعل أبرزها الطبلة.

أبو عبدو رجل حموي عمل خلال السنوات الماضية في رمضان ك “مسحّراتي ” عاصر خلالها فترات ما قبل الثورة و أثنائها وصولا للفترة الحالية من سيطرة قوات النظام على المدينة ,التقيته بعد صلاة التراويح في أحد الأحياء ..وأحب أن يشاركني بعضا من ذكرياته الرمضانية.

يقول أبو عبدو: “جدي في الاصل كان مسحّراتي وكان يوقظ أهل الحارات القديمة في حماة بالطبلة الصغيرة الفلكلورية غير أن تهدم كثيرا من هذه الحارات بعد مجازر حماة 1982 ,وتطور المدينة واتساعها عمرانيا فرض عليّ استعمال الطبل الكبير في أحيائها الواسعة قبيل الثورة حيث كنت اخرج مع ابني نجوب بعض أحيائها إلى جانب عدد آخر من المسحّراتية وقت السحور قارعين الطبل بكل عزم ونحن نردد عبارة (يا نايم وحد الدايم ..قومو على سحوركم اجا رمضان يزوركم ) “

واكبت مدينة حماة خلال الثورة السورية 4 مواسم رمضانية لكل منها لونه وتفاصيله وصبغته الخاصة ما أثر جليا على عمل المسحّراتية وعلى آلية استيقاظ الناس على سحورهم.

فبالتزامن مع أول موسم رمضاني للمدينة خلال الثورة كانت مدينة حماة تشهد أول اقتحام لها بالأسلحة الثقيلة من قبل قوات النظام تحت وابل من القصف وموجات كبيرة من النزوح لأهالي المدينة خارجها .

يقول أبو عبدو عن هذا ” هذا ما منعنا من الخروج لإيقاظ الناس على سحورها ,غير أن قوات النظام كانت تطلق زخا من الرصاص والقنابل الصوتية قرب موعد السحور كشكل من أشكال الذل لأهالي المدينة وسخرية من عاداتهم الدينية وهو ما تم لمسه في العديد من مناطق سورية”.

يكمل: “رمضان التالي كنّا أكثر شجاعة على الرغم من احتلال المدينة غير أن تواجد عناصر الأمن فيها كان مقتصرا على الحواجز نوعا ما فكنا نجوب بعض الأحياء سريعا مع الطبلة مرديين عبارة (إصحى يا نايم …. خلص حكم البهايم… بشار الأسد مو دايم ) وكنا نقوم بذلك ملثمين خوفا من مخبري النظام المنتشرين في كل مكان ,وكان الناس يتفاعلون معنا بشكل جميل ,فيقدمون لنا مثلا بعض الطعام الخفيف خلال سيرنا تعبيرا منهم عن الرضى عمّا نفعل”

” في الرمضان التالي بات احكام الخناق على المدينة أكبر” يقول أبو عبدو ,حيث أن مدينة حماة كانت على صفيح من نار إثر أحداث حي طريق حلب وما تبعها من انتشار سياسة الاغتيالات التي كان يقوم بها الثوار ضد عساكر النظام و شبيحته وهو ما منع المسحّراتية – بحسب أبو عبدو- من الخروج ليلا تخوفا من أي اعتقال عشوائي من قبل قوات النظام التي لم توفر احد .

يشرب رشفة من كاس الشاي ثم يقول: “وها نحن ذا اليوم محتلون كليا والشبيحة تعكر الأجواء ,فلم يعد لي جلادة ولا حماس على الاستمرار بالقيام بهذا الأمر …. ولم يعد لرمضان تلك الروحانية التي كانت من قبل ,ففي ظل سيطرة الجلاد على المدينة هناك في كل أسرة وحول كل مائدةِ سحور او فطور مقعد خال إما لمعتقل أو شهيد أو مفقود أو غيرها سواء كانوا من أهالي حماة ,أ الوافدين الكثر إليها”. ويختم كلامه باللهجة العامية قائلا: “الله يفرجها لك عمي … الله يفرجها” وتنهيدات الهم تعصف من صدره.

يذكر أن أبو عبدو يعمل دهاناً وتارة أخرى في جبل الاسمنت إلى جانب عمله ك “مسحراتي” خلال شهر رمضان كي يؤمن قوت أسرته المؤلفة من 3 أطفال إلى جانب امهم وجميعهم يعيشون في قبو أحد الأبنية.

  • المصدر: موقع كلنا شركاء
  • اسم الكاتب: جاسم الحموي