التكيل المصري بنا

02.كانون1.2014

وفق المطالعة القانونية التي أصدرها قاضي محكمة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الثورات العربية هي تنفيذٌ لمخطط الجيل الرابع الذي تولت فيه منظمات عالمية تدريب الشباب على "فنون" التظاهرات والاحتجاجات المدنية، من أجل شل بلادهم وتعطيلها، وربما تقسيمها. المنظمات العالمية تأتمر بمخططات "محور الشر" الذي يضم أميركا وإسرائيل وإيران وتركيا وقطر، والمؤامرة الكبرى بدأت بالغزو الأميركي للعراق، وانتهت إلى إثارة الفتن في مصر وليبيا واليمن وسوريا. إذاً، القاضي لا يتوقف فقط عند صلاحيته التي تقتصر على الحدود السيادية لدولته، ولا يتوقف عند إدانة المصريين الذين شاركوا في ثورة يناير، سواء كانوا عملاء أو مغرراً بهم وفق رأيه "القانوني"، بل إنه، فوق ذلك، يجرّم ثلاثة شعوب أخرى بالتهمة ذاتها.

استطراداً، محاكمة مبارك التي سُميت محاكمة القرن أُبقي على صفتها، لكن على أن تتحول إلى "محاكمة القرن" لتبيان جرائم الشعوب في حق أنظمتها، وهي من هذا المنظور لا تتعدى اختصاصها إذ تبرّئ قادة أنظمة ليبيا واليمن وسوريا، وتبرّر الجرائم التي ارتكبتها أو لا تزال ترتكبها ما دام الأمر يتعلق بالتصدي لمؤامرة القرن. وإذا كان القدر لم يُتح للقذافي الابتهاج بمطالعة القاضي المصري وحكمه فالأمر متاح لنظيريه اليمني والسوري. أما مَن تآمروا على الأنظمة ومَن غُرر بهم من "الغلابا" فعليهم تهيئة أنفسهم لمحاكمات لن تبرئ الأحياء منهم ولا الضحايا الأموات، وستأتي محاكماتهم مسنودة بـ"محور الخير" الذي قد يمثل في واجهته أشخاص على شاكلة وزير داخلية مبارك والمرحوم رئيس استخباراته، يداً بيد مع أقرانهما ممّا سُمّي في وقتٍ ما "دول الربيع العربي"!

ما يثير السخرية في المحكمة ومطالعتها القانونية قد يطغى على آلام ذوي الضحايا المصريين، وهذا موجود بلا شك في حسبان الذين أعدوا الحكم وأخرجوه، أي أنه مدبّر تماماً ليأتي على شاكلة السخرية من كل ما تعرّضت له شعوب المنطقة وما ستتعرض له من تنكيل لاحق. كان في وسع مهندسي براءة مبارك تدبير حكم مخفف مع وقف التنفيذ، أو كان في وسعهم مثلاً تدبير حكم لوزير داخليته فقط، وكانوا قادرين حتى على إفادة المتهمين من عفو رئاسي يصدر عنهم بعد تجريمهم، إلا أن الاحتمالات السابقة كلها لا تحقق المُراد من حكم البراءة. وإذا كان بعض التسريبات يشير إلى عدم القدرة على تجريم المتهمين، لئلا يقوموا بالكشف عن الكثير الكثير من الجرائم المسكوت عنها، وعن العديد من الشركاء الذين لا يزالون على قيد سلطاتهم الرسمية، فإن ما يُسجّل لأولئك الشركاء أنهم لم يذهبوا إلى حد تصفية أقرانهم في السجون على النحو الذي طالما حدث في ملفات مشابهة في دول أخرى.

من ذكرياتنا المريرة على هذا الصعيد، أن بعض القضاة الأحرار في عهد مبارك نفسه وقفوا ضد تسييس القضاء المصري ودافعوا عن استقلاليته، وأن بعض القضاة الأحرار اتخذوا الموقف ذاته في عهد محمد مرسي القصير، وكانت الحجة دائماً الاستقلالية التي يتمتع بها القضاء المصري، والتي لا يجوز الشك أو الطعن فيها. غير أن مطالعة القاضي في محاكمة مبارك لا تدرأ شبهة التسييس، بل على العكس تدخل من باب السياسة لتفنيد الوقائع الجنائية، وهي بذلك لا تنفي الطابع السياسي للقضية ككل، أي لا تنفي كون المحاكمة مراجعة كاملة لعهد سياسي يُفترض انقضاؤه. القاضي، بهذا المعنى، يعطي لنفسه السلطة التامة لمحاكمة عهد مبارك والنطق بحكمه الذي يجزم ببراءة عهد مبارك كاملاً، وإذا أشار إلى بعض المظالم فيه، فهي لا تعدو كونها مظالم اعتيادية وهامشية لا تطال أساس وبنية النظام نفسه.

الواقع أنه حكم فريد واستثنائي، من حيث تنكيله وتشفيه سياسياً، لا بأهالي الضحايا المصريين فحسب وإنما بضحايا الأنظمة العربية المشابهة. وهو حكم شجاع حقاً، لأنه يغمز من شرعية السلطة المصرية الحالية التي تردد المزاعم عن مجيئها إثر ثورتين شعبيتين، مثلما يسحب الشرعية من نظامي اليمن وليبيا اللذين أتيا بعد ثورتين في بلادهما، وربما بموجبه لا يكون هناك نظام يتمتع بالشرعية التامة سوى نظام الأسد الذي نادى بنظرية المؤامرة منذ بدء الثورات العربية، وإن اختلف الأخير مع مطالعة القاضي لجهة تموضع إيران وحزب الله ضمن محور الشر. علاوة على ما سبق، هو حكم تاريخي، حيث أنه الأول على الصعيد القانوني الذي يحاكم مرحلة تاريخية لم تنتهِ بعد، وفي وقت كنا نظن فيه أن هذا يقتصر فقط على الشامتين بما آل إليه الربيع العربي من قبل كتبة السلطان أو فلوله.

ومع أن قرار القاضي ينبغي ألا تُبخس فرادته وشجاعته واستثنائيته إلا أن الموضوعية تقتضي وضعه ضمن سياق عام من الانقضاض على آثار الثورات العربية، ووضعه أيضاً ضمن سياق "فكري" ينزع إلى تجريم الشعوب التي انتفضت وتجريدها من أهليتها وأحقيتها في اختيار ما تريده. من هذه الناحية فقط، يبدو قرار القاضي مقصّراً ومنقوصاً، وكان سيظهر أكثر انسجاماً مع مجمل الحملة الحالية لو قضى بإعادة مبارك إلى سدة الرئاسة وإزالة آثار العدوان الذي تعرضت له الأنظمة المشابهة، وصولاً إلى محاكمة الناشطين الذين وقفوا يوماً ضد توريث الرئاسة ومنعوا عن جمال مبارك حقه فيها.

  • المصدر: المدن
  • اسم الكاتب: عمر قدور