" الذئب والوعل في الاتجاه المعاكس "

02.نيسان.2015

جلس فيصل القاسم بين الذئب الأغبر والوعل مكسور القرنين، وراح يسأل: ألم يدافع الذئب عن الغابة، بأنيابه ومخالبه ودماء الغزلان ودموعها وابتسامتها؟ ألم يجعل من الغابة رقماً صعباً في اللعبة الدولية؟ أليس الذئب هو أخطر حيوانات الغابة، وأشرسها وأظلمها، وأجدر بحكمها من الوعول التافهة الحقيرة؟ ألا يرتعب العدو والصديق من الذئب الأغبر! لكن، في المقابل، ألم تعش الوعول حياتها محرومة من قرونها ووبرها ومسكها وعنبرها؟ أليس لها الحق في الاجتماع والتظاهر وانتخاب وعلٍ يقودها والاحتفاظ بقرونها؟ أليس الغزال من أجمل حيوانات الغابة وأملحها، بل إنه قادر، بجماله وقرونه، على الدفاع عن نفسه ومواجهة الأعداء؟.. الكلمة، الآن، مع الذئب الأغبر. تفضل يا.. أبو جعدة.
صرخ الذئب الأغبر: هذه مؤامرة كونية على الوطن، والأمن والاستقرار المتحقق بفضل جيشها الذئبي البطل. لن نسمح لكم بتدمير وطننا الجميل، أيها الخنازير المتنكرة في جلود الغزلان. المطالبة بالاحتفاظ بالقرون دعوة للحرب الأهلية، فنحن نقصّها منعاً للخصومات القبلية والعشائرية. السلاح هو للجيش الذي يحفظ أمنكم وسهراتكم، وعطر مسككم، وهو في أيد أمينة. ونحن نقصّ القرون، ونحتفظ بها ذخراً للحرب القادمة، بعد تحقيق التوازن الاستراتيجي، نعم.. حتى النطح بالرأس من غير قرون ممنوع، نريد وطناً يتبادل فيه الشعب الأحضان والقبلات.
ثم ينهض ليعانق الوعل، فامتنع الوعل.
الوعل: أقول لضيفك إنّ الغزلان قامت في أول مظاهرة إصلاحية، بعد نصف قرن من الصمت، ليس للسماح لأبنائنا بالاحتفاظ بقرونها، وإنما لمنع قص الذيول، حتى تطرد عن نفسها الذباب. قوانين الطوارئ تمنعنا من الاحتفاظ حتى بالذيول والأذناب التي تستر المؤخرة، بزعم أن الغابة علمانية، والذيل نوع من الحجاب، وأنّ (...) – تصفير للتشفير- هي العلمانية.. نصف قرن ونحن ممنوعون من التمتع بعطرنا، بالمسك .. مو حرام، يا دكتور فيصل، ينحرم المرء من عطر تاريخه.
الذئب: اخرس أيها المتآمر، فعطر المسك الذي تعصره السلطات كل شهر من غدد الغزلان ثورة قومية، وهو في يد أمينة.
الغزال وهو يتلمس رأس قرنه المكسور: يد أمينة أم يد هيفا ويد رغدا؟ ثم متلمساً قرنه المكسور: أية حرب والجبهة خرساء من نصف قرن. في أوروبا، تحتفظ الحيوانات، بأنواعها، بما حباه الله بها، فالزرافة تحتفظ برقبتها، والغراب بنعيقه، والحمام يطير في السماء متى شاء.
الذئب مقاطعاً: تلك أوروبا، والغرب والشرق لا يلتقيان، ولنا خصوصيتنا المشرقية.
الوعل: اتركوا لنا بعض جذور القرون في رؤوسنا، حتى نحكّ الأشجار بها، و..
الذئب: تريدون قروناً للمناكحة .."جهاد القرون"، كناطح صخرة يوماً ليوهنها... لن نسمح لكم بتحطيم قرونكم على صخور الوطن المقدسة...
الوعل: حولتم عاج قروننا إلى أصنام للذئب الأكبر و...
الذئب واقفاً: لا أسمح لك بالحديث عن الذئب الأكبر، محبوب الجماهير، والشعب هو الذي بنى هذه الأنصاب، تكريماً للذئب الأكبر الذي وقف سداً منيعاً في وجه المؤامرات.
الوعل: في السنوات الأخيرة بدأتم بحلاقة وبر الغزلان، التي صارت تعاني من برد الشتاء.
الذئب: إنما نصنع من وبركم كسوة للمراقد الشريفة، ومقامات الأولياء يا كفرة. من لا يقدس ماضيه ليس له مستقبل، هذه الطلبات مؤامرة على مجد الأمة. أنتم لستم غزلاناً، وإنما خنازير؟
الوعل: وبلغ بكم الاستبداد أن ربطتم أقدامنا بقيود، وصار جواز السفر حسرة، ولم نعد نقدر على السفر والقفز والنط.
- قررررد.. النط للسعادين والقرود.. تريدون أن تهربوا من المعركة، أيها المتآمرون.
ثم وثب على الوعل، فاضطر المخرج إلى تحويل الكاميرا، وظهر فيصل القاسم ملوحاً للكاميرا الهاربة، مثل طفلٍ في حديقة الحيوان.

أحمد عمر

  • المصدر: العربي الجديد
  • اسم الكاتب: أحمد عمر