"القرداحة مدينة الغموض المتشحة بالسواد"

11.نيسان.2015

خمسة وعشرون كيلومتراً تفصل اللاذقية عن القرداحة، المدينة الأكثر غموضاً ورعباً في سوريا، ومسقط رأس آل الأسد، ومعقل "الشبيحة". طريق جبلي أخضر يزداد تأهيله تقانة كلما اقتربت القرداحة؛ الفيلات المنتشرة على سفوح الجبال تصلح لأن تكون منتجعات سياحية، لكن أصحابها اكتفوا بتحويلها إلى نماذج هندسية محصنة متشابهة. والحرص على تعبيد الطرقات وزيادة عدد المنصفات الإسمنتية خوفاً من الحوادث، ينبئ بالاقتراب من مدينة ساهمت في صناعة تاريخ سوريا المعاصر، الدموي، وربما مستقبلها.

لا يوجد الكثير من حواجز قوات "الدفاع الوطني"، فالمدينة ليست بالقلعة المسورة كما يشاع عنها، بل اكتفت بحاجز واحد يضم عدداً من المسلحين، يكتفون بالنظر إلى البطاقات الشخصية، وتفتيش السيارت، بطريقة روتينية.

بعد الحاجز، لافتات وصور لشباب بالزي العسكري الكامل، مع أسلحة تفوق حجمهم، وهم من أبناء المدينة الذين قتلوا في المواجهات الدائرة مع المعارضة المسلحة، منذ الأيام الأولى للثورة السورية. صور قتلى المدينة ملأت لوحات الإعلانات الطرقية التي تحيط بالساحات الرئيسية وأعمدة الإنارة. ولعل هذا الأمر ينفي عزوف أبناء القرداحة عن القتال، لا بل يُظهر المنافسة بين ذوي القتلى، على تكبير صور ضحاياهم، وتضخيم أحجامها. منافسة بين أبناء عائلات البلدة، على عدد ضحاياهم الذين "سقطوا على محراب الوطن"؛ فقتيل واحد من العائلة، بات أمراً معيباً، لأن مسابقة التنافس تبدأ من اثنين لتصل إلى أربعة، كما حال عائلة كنعان.

عند الثانية عشرة ظهراً، موعد انصراف الطلاب من مدارسهم، لا جلبة ترافق خروج الأولاد والبنات مع معلماتهم المتشحات بالسواد، كحال معظم نساء المدينة. هدوء رتيب يعمُّ المكان وحالة صمت تسود الأحياء الخالية تقريباً، رغم أن الوقت هو منتصف النهار. في السوق يختلف الوضع قليلاً إذ يمكن مشاهدة حركة شبه طبيعية، من الكبار والأطفال والنساء، إلى جانب بعض الرجال، أما الشباب فغائبون تماماً عن المشهد؛ فإن لم يكونوا مجندين، فمن المؤكد أنهم يعملون ضمن المؤسسات المنتشرة في اللاذقية أو العاصمة دمشق، وهو أمر اعتاد عليه السكان. فالقرداحة اتخذها أقرباء آل الأسد كمقر صيفي لهم، الأمر الذي تترجمه المنازل الفخمة المنتشرة ضمن أحيائها الرئيسية، والخالية إلا من حراسها المناوبين على حماية أبوابها.

عُرفت القرداحة سابقاً كمدينة ينشط فيها المهربون، بشكل كبير، وخاصة خلال فترة الحصار الإقتصادي في الثمانينيات، بتسهيل من نظام حافظ الأسد الذي فتح الباب لأبناء قريته، كي يؤمنوا مصدر رزق لهم، بعد منع مختلف السلع عن السوريين. لجأ سكان اللاذقية إلى تلك المدينة الصغيرة، لتأمين حاجاتهم، من أدوات كهربائية ومعلبات ومستلزمات طبية وصحية، كانت مفقودة آنذاك، وبقيت المدينة مشهورة بتجارة "السوق السوداء" رغم أن غالبية مهربيها تركوا البلاد الآن، أو التحقوا بقوات "الدفاع الوطني" أو امتهنوا تجنيد شباب القرى المجاورة لزجهم ضمن قوات "الدفاع". ولعل انتشار ظاهرة "التعفيش" لدى أبناء القرى الساحلية، وسرقتهم للمدن والبلدات السورية الثائرة، بعد اقتحامها، تسبب بشكل أو بآخر، في إضعاف تجارة التهريب، بعد توفر كل شيء، وبأرخص الأسعار.

القرداحة حافظت على كونها مصدراً لتسليح أبناء القرى المجاورة، الذين انكبوا على شراء السلاح بزخم عال، لحماية أنفسهم وقراهم، من خطر المقاتلين الذين يرمونهم بالقذائف بين حين وآخر. ولا يعتقد أهل هذه القرى، أن اليوم الذي سيتعرضون به لهجوم مباشر، هو بيوم بعيد، خاصة وأن معظم شبابهم التحقوا بالقتال، ولم يبقَ أحد لحمايتهم.

يقال إن بشار الأسد، بعد أن تولى رئاسة الجمهورية، قام بزيارة القرداحة مرات عديدة، ولشدة اعجابه بطبيعتها، استثمر منتجعاً خاصاً في ربوعها حمل اسم "نسمة جبل". لم يكن المنتجع شعبياً، بل يمكن اعتباره مكاناً مخصصا لنخبة المجتمع، ومعارف الرئيس. وبعد قيام الثورة استمر "نسمة جبل" بتقديم خدماته، إلا أن مرتاديه باتوا قلائل، لانشغال الجميع برد "المؤامرة الكونية التي تعصف بالبلاد". وبعد التضحيات الجسام وتنظيم المسيرات والاحتفاليات التي تؤيد رئيس البلاد والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل بقاءه، انتظر كثر من أهالي القرداحة زيارة بشار الأسد لهم، وانتظر كثر من أبناء القرى المجاورة هذه الزيارة، كرسالة تقدير منه للمواقف الوطنية التي سجلها أبناؤهم، وخاصة الفقراء منهم، لكن عيونهم لما تكحل برؤيته بعد.

لم تتعرض القرداحة لحوادث أمنية تذكر، ولم تصبها القذائف والصواريخ المباشرة، التي يعلن مقاتلو المعارضة المتمترسون بجبل الأكراد استهدافها المحقق للمدينة، في بياناتهم. ولعل القرداحة هي المكان الأكثر تعرضاً للأقاويل والإشاعات حول وجود انشقاقات وقتال بين العائلات الكبيرة فيها، ما يترجمه مراقبو الثورة بأنه اختلاف على موقف وطني. لكن جميع المؤشرات تؤكد أن سكان المدينة كتلة واحدة، يختلفون على مسائل تتعلق بالتهريب أو مقالع الحجارة أو ثأر شخصي يسقط نتيجته ضحايا كثر، ثم يلملم الموضوع، وتستمر الحياة بعدها بشكل طبيعي. وتعتبر حادثة مقتل محمد الأسد المعروف بشيخ الجبل، برهاناً على الطبيعة الغريبة لسكان هذه المدينة، فالقصة الحقيقية وراء مقتله، تعود لانتقام أحد أعضاء عائلة سلهب، كان قد أقام في السجن بديلاً عن شيخ الجبل، دون أن يحصل على تعويضه المالي، الذي وعد به.

التفجير الانتحاري الأخير الذي حدث ضمن "مشفى الباسل" منذ بضعة شهور، غيّر قليلاً جو المدينة، التي أصبحت تترقب حدوث شيئ ما. ازدادت وتيرة التدقيق على المارة عند مدخل المدينة، لكن الوضع بداخلها بقي على حاله، فقاصدو المدينة، بشكل عام، من أبنائها المحليين، أو من أبناء القرى المجاورة، الطامحين لخدمات صحية مجانية ضمن مشافيها ونقاطها الصحية، أو من الوفود الرسمية التي تحمل تصاريح الدخول إلى ضريح حافظ الأسد، الذي ما زال يستقبل بين حين وآخر، بعض الزوار القلائل. والحاجز الخاص بالضريح هو نقطة التفتيش الثانية الموجودة ضمن المدينة، ويمنع عناصره السيارات من الدخول إلا تلك العائدة لشخصيات مهمة، تأتي لتبييض صفحاتها أمام الاجهزة الأمنية. ومن الممكن العثور داخل المبنى الخاص بالضريح، على رجل أو امرأة من أبناء المدينة، يقرؤون الفاتحة ويبكون بصمت، وعيونهم موجهة للضريح، في استجداء، وكأنها تقول: "لمن تركتنا ورحلت؟".

  • المصدر: المدن
  • اسم الكاتب: أسعد أحمد العلي