المركز وأمن الطائفة

07.نيسان.2014

بداية؛ من الضرورة التفريق بين كون الصراع الدائر في سوريا هو في الحقيقة الظاهرة صراع سياسي وليس صراعا طائفيا وإن كان بالمبدأ والمنتهى صراعا عقديا. فالثابت أن النظام الحاكم هو الطائفي وليس المجتمع. أما لماذا هو سياسي؟ فلأن « الطائفة العلوية»، هي امتياز دولي صممته فرنسا وبريطانيا، بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1913، ليكون أحد أقوى ثلاث مرابط للنظام الدولي الذي أقيم على أشلاء العالم الإسلامي .. هذا المربط تسلمه الاتحاد السوفياتي بعد حرب السويس سنة 1956، وهو الذي أوصل الطائفة إلى السلطة، وهو الذي غطى عدوانا « إسرائيليا» سنة 1967 على المشرق العربي، انتهي باحتلال هضبة الجولان، وحتى بيعها لـ « إسرائيل»، مع سيناء والضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة وأجزاء من الأراضي الأردنية.

إذن المشكلة سياسية كونها تتصل مباشرة بأمن النظام الدولي. فـ « المركز» لم يسبق له أن شعر بالخطر الشديد الذي يتهدد نظامه الدولي كما يشعر به اليوم مع الثورة السورية، لذا فهو يخوض حربا وحشية بأدواته الطائفية في سوريا، ولأن المهمة ثقيلة عليه، فقد لجأ إلى إدارتها عبر لعبة تقاسم الأدوار، بطريقة أقرب ما تكون إلى مسطرة تتوزع وحداتها القياسية على الدبلوماسية والإغاثة وحقوق الإنسان والمبادرات وأصدقاء سوريا والمعارضة والأمن والإرهاب و« الجيش الحر» ... وكل وحدة من هذه الوحدات وغيرها خصص لها ما يلائمها من التصريحات والاتصالات والاجتماعات والمؤتمرات. والنتيجة أنه بعد أكثر من عام ونصف من القتل والتدمير حققت مسطرة « المركز» نجاحات ملموسة سواء على مستوى تطويع الوحدات ذات الصلة لاحتياجاته، أو على مستوى عزل الشعوب العربية والعالم عن الثورة السورية .. وفي المقارنة يكفي تأمل ردود الفعل الشعبية، العربية والدولية، حين تعلق الأمر بالعدوان « الإسرائيلي» على غزة أو بتدخل الناتو في كوسوفو رغم أن المشكلة في يوغوسلافيا السابقة كانت قومية وطائفية معا !!!

كما أنها سياسية مع إيران الخميني، ذات المشروع « الصفوي»، والساعي إلى بعث « الحضارة» الفارسية، ففي الوقت الذي تتلفع فيه إيران بما تزعم أنه مذهب « حب آل البيت»، وتمتطي الشيعة، بينما تكن عداء عنصريا ضد العرب حتى لو كانوا من الشيعة، وتفسد في الدين أيما إفساد، وتتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وتؤله عليا رضي الله عنه. لذا فالتدخل الإيراني حتى لو بدا طائفيا، في الظاهر، وهو يقف في المقدمة دفاعا عن النظام الطائفي في سوريا، إلا أنه يقدم خدمات جليلة لـ « المركز»، صارت تفوق في النتائج ما كانت تقدمه « إسرائيل»، وتمارس نفس الخداع الذي سبق ومارسه الاتحاد السوفياتي بحق القضايا العربية .. الخداع التاريخي الذي قام على مسطرة الدعم السياسي والعسكري دون أن يسفر، في أية محصلة، عن إحداث أي فارق في الصراع مع « إسرائيل» .. وهو ذات الخداع الذي يمارسه النظام الطائفي في سوريا باسم « جبهة الصمود والتصدي» تارة « والتوازن الاستراتيجي» تارة ثانية ومحور « المقاومة والممانعة» تارة ثالثة.

أما ما يبدو، لدى الكثير، صراعا بين شقي « المركز»، الشرقي ( الصين وروسيا) والغربي ( أمريكا وبريطانيا وفرنسا)، في المحافل الدولية، فليس هو في الحقيقة إلا من قبيل الصراع على النفوذ. أي بين من تكون له الغلبة أو الحصة الأكبر في قيادة النظام الدولي في المرحلة القادمة: روسيا والصين؟ أم أمريكا وبريطانيا وفرنسا؟ ولعل المتابع يتذكر جيدا تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين صرح في 11/7/2012 قائلا: « إن نفوذ الغرب آخذ في الاضمحلال مع تراجع اقتصاده .. وأنه .. مشارك في دبلوماسية منفردة خارج الأمم المتحدة للحفاظ على نفوذه في السياسة العالمية».

وعليه؛ فما من فائدة ترجى على الإطلاق من « المركز»، ولا من أية محاولة لتجريم النظام السوري، أو إحراجه قيميا أو أخلاقيا على ما يرتكبه من جرائم بالغة الوحشية، وتدميره المتعمد للبلاد وكأنها بلاد أجنبية معادية. إذ أن الحقيقة الصارخة تكمن في بنيوية الصراع في سوريا، والتي تقع أصلا خارج حسابات المنظومات السياسية والعلاقات الدولية، وكافة المنظومات القانونية والأخلاقية والإنسانية، وتبعا لذلك فإن أي محاولة لإحراج النظام أو استدراج « المركز»، أو حتى استعطاف ما يسمى بـ « الرأي العام الدولي»، في أيٍّ من هذه السياقات، لا يمكن تصنيفها إلا بالوهم الذي لا قيمة له، فضلا عن أنها إضاعة للوقت، وتبديد للجهد، وخسارة في الأرواح والممتلكات.

ومن الطبيعي ألا يبقي هذا التوصيف أي خيار للثورة إلا الاعتماد على النفس في خوض صراع مسلح ضد النظام الطائفي

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: عبد الغني العريان