حدث مرّة في دارفور، ويحدث في كل مكان

01.كانون1.2014

هناك في حرب دارفور.. كانت الصبيّة الريفيّة الفلاّحة تلفّ على رأسها شالها الأصفر، ويلتفّ ثوبها الأرجوانيّ طياتٍ حول جسدها الفتيّ المعافى، وتتراقص يداها وهما تتسابقان إلى قطف أكواز الذرة… كانت تقطف وتغني.. كانت بكلتي يديها تقطف، وبكامل روحها تغني، وتصغي إلى هسيس الأخضر والأصفر، ومن حينٍ لحينٍ ترمق كومة الأكواز التي قاربت تملأ قفة القش، ولا تنتبه إلى جوقة الجنود تقترب، وتصغي إلى رخام صوتها، وتقترب.,, جنودٌ؛ فتيانٌ من أبناء ضيعتها صيّرتهم الحرب جنوداً، وكبّرتهم على عجل، وألهبت مخازن التستسترون في أجوافهم التي شبّ فيها الحريق مع رجع صوت البنيّة الرخيم. وتقدموا.. الحرب تبيح لهم أن يتقدّموا، أن يدوسوا على قفة القش، ويكتموا صوت الصبية، ويمزّقوا شالها الأصفر، وثوبها الأرجواني، ويصير للشال وللثوب لون التراب ولون الدم ورائحة افتراس الصبايا في الحروب… تقاسمها الجنود الستة فرادى ومجتمعين ومرة واثنتين.. وحين ارتووا وأُنهكوا من فرط ارتوائهم، واستراحوا؛ فطنوا إلى أنها قد تشكوهم إلى أحدٍ ما، وقد يحلّ بهم العقاب!. هي لا تعرف أسماءهم، إنما قد تستدلّ على وجوههم واحداً واحداً. وبسبب خوفهم من انكشاف فعلتهم، خزّقوا عينيها بحراب بنادقهم. خزّقوا شاهدَيها اليتيمين على مَن تعاقبت أجسادهم فوقها، وأفرغت فيها كلّ ما عندها. من لزوجةٍ ومن خوفٍ ومن عنف، وخلّفتها مطروحةً على أرض الحقل، موصومةً، عمياء، نصف ميتة، يسيل من عينيها ومن وسطها خيط دمٍ رفيع، وتتحشرج أنفاسها في أنينٍ خافتٍ يحاول العلوّ ولا يستطيع.. ولكنّ أحداً، أيّ أحد؛ لم يسأل الصبية العمياء عمّن خزّق روحها وعينيها، فلا أحد يسأل أحداً عما طالت يداه من غنائم الحروب.. ومرّت شهور، وصار عداد رفيقاتها المغتصبات بالمئات، وحضرت (طواقم الإنقاذ) من الهيئات الإنسانية الغربية، صديقة الشعوب المغتصَبة، وتوزعت على مراكز إيواء النازحين، تحاول ترميم ما أتلفت الحرب من أرواح وأجساد. واستطاعت أن تجمع النساء اللواتي أقررن أنهنّ تعرّضن للاغتصاب، وبدأت معهن رحلة العلاج والدعم النفسي، ثم إعادة التأهيل بتعليم هؤلاء النساء مهنة أو صنعة تشغل العقل والوقت وتؤمّن مصروف الجيب.. ولأنّ الصبية قاطفة الذرة صارت عمياء، فلن يكون بمقدورها تعلم الحياكة أو التطريز أو صناعة الصابون أو خياطة الثياب مثل رفيقاتها، ولأن صوتها رخيمٌ كالعافية، بدؤوا بتدريبها على مهنة الغناء. تغني للقادمات إلى المركز كي يصير حزنهن أقلّ، وللخارجات من الإيواء إلى الحياة، تزوّدهنّ بتميمة الأمل.. هي لن تبصرهنّ، ولن ترى ما ينسجن، ولن تنسج مثلهن، لكن غناءها خياطةٌ وتطريزٌ وصابونٌ برغوةٍ عطِرة تكشط قسطاً من صنوف الألم العالق بأرواحهنّ.. … حدث في دارفور، ويحدث في كل مكان بعيدٍ أو قريب كل النساء اللواتي افترستهنّ الحروب، واللواتي يرغبن بالعودة إلى الحياة؛ كلّهن يصرخن من غير صوت، على أمل أن تسمع صراخهنّ الصامت إحدى طواقم الإنقاذ…

  • المصدر: دحنون
  • اسم الكاتب: نجاة عبد الصمد