سعيد القرباطي

08.كانون1.2015

لم يكن وجهه غريباً، حاولتُ تذكّره وأنا أمرّ به في الطريق إلى عملي يومياً، بينما هو ينبشُ في حاوية القمامة البرتقالية في حي «الإيميك» في مدينة عينتاب، حتى أصبحَ من طقوس طريقي اليومي.

بدايةً كنت أبتسمُ للطفل الذي قدّرت عمره بأربع سنوات، وهو يجلس فوق كومة الكرتون التي يقوم والده بجمعها من حاويات القمامة، ويضعها في كيس كبير مصنوع من خيوط البولستر موضوع فوق عجلتين وذراعين للجر، كتلك التي تُستخدم لنقل الحقائب والأشياء الثقيلة. فإن حدث ولم أره عند هذه الحاوية، أصادفه عند الأخرى، وهكذا حفظ الصغير وجهي، وتدريجياً أخذ يبادلني الابتسام.

«هذا الوجه ليس غريباً عليّ»، كلَّ صباح أقول ذلك لنفسي، وأقصد طبعاً والد الطفل. أيامٌ كثيرة مرَّت على هذا المنوال، إلى أن قررت التعرف عليه. كان من طقسي اليومي في الطريق إلى العمل شراءُ سجائر «الغولواز الأحمر» من جاري التركي الذي يشتكي يومياً من «القجقجية» (المهربين) الذين يزودونه بالدخان، ويومياً يفرضون زيادة. كنت أعرفُ أن كلامه غير صحيح، لكنني اشتريتُ السجائر كالعادة، ومعها هذه المرة قطعة شوكولا، أعطيتها للصغير الذي أخذها دون حرج. مسحت بيدي على رأسه وقلت لوالده: «الله يخليلك ياه… بس مو بارد الجو عليه؟»، بادرني: «إنتو من الرقة أستاذ؟»، هززتُ رأسي أن نعم.

«إنت من وين؟»، سألته.

«أنا من الرقة زاد، أستاذ».

«والله؟ من وين من الرقة؟».

«أنا قرباطي من الرقة»، أجاب.

«حاشاك، بالله من وين؟».

لاحَ حزنٌ في عينيه، وهو يؤكد: «والله قرباطي من الرقة، وبيتنا شمالي السكة».1

داريتُ حيرتي بين إهانتي غير المتعمدة له، وبين تقديرِ أنه يمزح واصفاً وضعه وتشرده وعمله بتجميع الكرتون من حاويات القمامة.

«أستاذ ما تذكرتني؟ أنا شايفك كثير بالرقة، شفت كل السنون الصفر2 ونص تركيبات شياب البلد3 أنا ركبتهن». مددتُ يدي له مصافحاً وموحياً أنني تذكرته، وبدأَت الأحاديثُ عن البلد والنزوح وتركيا والمعيشة فيها. ثم نظرتُ إلى ساعتي مُستأذناً.

«طوّل بالك استاز، رح تجي مرتي بعد شوي ورح أعرفك عليها كمان، هي ماخذة حارة تلم بيها الكرتون ونلتقي عند البناية اللي عالزاوية».

«معليش أشوفها بكرا؟».

تابعتُ طريقي وأنا فعلاً خجلٌ من الرجل وابنه، هل حقَّرته عندما قلتُ له «حاشاك»!.

صباحَ اليوم التالي التقيته وزوجته وولديه، هم ما تبقى من عائلته. ومن هنا تبدأ  قصة أناسٍ يعيشون معنا وبيننا دون أن نراهم.

«استاز ليش ماترافقنا اليوم؟».

فكرةٌ بسيطة ولكنها صادمة، ولم أكن جاهزاً لها. لليوم الثاني سيطرت هذه العائلة على مجريات يومي وتفكيري طوال النهار، ذهبتُ إلى جاري التركي شرطي البلدية مساءً مستفسراً حول إمكانية حصولي على ترخيص للتجول مع «سعيد» وعائلته، ولكنه شرح لي أن وجود سعيد وعائلته في الشوارع والعمل بحاويات القمامة مخالف للقانون، ولكن البلدية تغض الطرف عنهم، ومن ثم مرافقة أي أحد لهم وتصويرهم يسيء لصورة تركيا وسياستها باحتواء اللاجئين، وقريباً سيتم قمع هذه الظاهرة، ولم ينصحني بمراجعة أي دائرة رسمية بهذا الخصوص. وإذا كنتُ مصراً ولا بد، فلألبس مثلهم وأعمل معهم: «ولكن نصيحة بلا كاميرا أحسنلك ولهم، فهمت علي؟» نعم، لقد فهمتُ تماماً.

على أطراف حي «جمهورييت» هنا في غازي عنتاب، عالمٌ آخر يختلفُ كثيراً عن حي «إيميك» وحي «الإبراهيملي»، حيث يسرح فيهما سعيد وزوجته وطفلاه بعرباتهم وأكياسهم الكبيرة. حوشٌ كبير، ربما 5000 متر مربع، فيه غرف متعددة تسكنه عائلات كثيرة، جميعها سورية كما قال لي سعيد، من حلب ومن مخيم اليرموك ومن الرقة، وأيضا من تل حميس في الحسكة، من كفر زيتا في حماة، حيٌ يشبه كثيراً عشوائيات حي شمال السكة على أطراف مدينة الرقة.

يتراكمُ في الحوش الكرتون مع قناني المياه البلاستيكية، وهناك أثاثٌ منزلي قديم، وفي كومةٍ أخرى برادات وغسالات، أنابيب مياه، كومة كبيرة ملتوية مع بعضها من حديد البناء الصدِئ، كومات كبيرة من الخبز اليابس، وتلةٌ هناك في الطرف البعيد من أجهزة التلفاز والحواسيب ومسجلات السيارات، بجانبها أيضاً كومة من بطاريات السيارات المهترئة والدواليب، مكابسُ لكبس الحديد، ورشٌ كثيرة وناس كثر يعملون هنا. وعند المدخل يوجد مكتب زجاجي أنيق لا يتناسب مع قذارة المكان.

في بيت سعيد، وهو غرفة واحدة، يوجد في العمق سرير ضخم من النحاس، كان يتمتع بأبهة واضحة لم يمحها الزمن رغم جنزرة نحاس السرير، فوقه إسفنجة كبيرة بحجم السرير ملطخة ببقع واسعة، ربما من بول أطفاله أو ممن سبقه في استعمالها.

يقول سعيد عنه مازحاً: كان لأحد السلاطين! «شبيك أستاذ أنا هين بهذه الغرفة سلطان وهذه السلطانة»، قالها وهو يضع يده على كتف زوجته التي أعجبتها المداعبة، التي افترضتُ أنها نادرة بحكم عملهما وضيق المكان.

جدران الغرفة معلق عليها عشرات الأشياء بأكياس أو بدونها. آلة عود بلا أوتار؛ صورة كبيرة ضمن إطار ذهبي مزخرف لرجل وزوجته، تنم على أنه مسؤول، تاريخها يعود للعام 1927 حسب ما هو مدون في زاويتها؛ وأيضا مجسّم نحاسي صغير لمؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك؛ عشرات الأسطوانات بأغلفة أو دونها؛ لباس دراويش متعدد القياسات؛ وفي الصدر تماما مرآة كبيرة أيضاً، بإطار مزخرف يبدو عليه القيمة لولا كسرٌ في إحدى زوايا المرآة؛ أطقمٌ رسمية وساعات حائطية عديدة مختلفة الأشكال عقاربها متوقفة عند أزمان مختلفة.

في الطرف الآخر من الغرفة، والأقرب إلى الباب تتجلى الحداثة، برادٌ كبير مربوط بابه بحبل من المطاط لأنه لا يغلق تماماً، ثم غاز كبير بستة مواقد فوقه غاز سفري صغير هو الذي يعمل، ثم غسالة عادية بحوضين وفي الزاوية المقابلة للباب كثير من السجاد فوقه تلفزيون قديم دون شاشة يستخدم كخزانة للشاي والسكر. مدّ يده إلى حقيبة جلدية ربما كان لونها بنياً فيما سبق، وتشبه حقائب الأطباء قبل قرن من الزمان: «تعرف أستاز، هاي كنزي الحقيقي». كان في داخلها عدة تركيب الأسنان، كماشات وقناني صغيرة وأسنان كثيرة: «هذه الشيء الوحيد غير أولادي وزوجتي الذي رافقني من الرقة». جلسنا على حرف سرير السلطان وقامت «بديعة» بتحضير الشاي.

«كان والدي يعمل بتركيب الاسنان وأنا ورثت المهنة منه، لم يكن لنا مكان محدد نقيم فيه، كنا نتنقل بين القرى والبلدات، نحن بطبعنا شعب يحب الحرية والمرح. خيو، نحن شعب مسالم رغم أن الجميع ينظر لنا على أننا لصوص أو مشعوذين أو سحرة. همّشنا جميع الناس وأبعدونا عنهم، وكل ما حاولنا نكون قريبين منهم كل ما ضيّعنا هويتنا، وإيمتى ما حصلت لك مشكلة مع حدا يقلك إنت قرباطي، كإهانة. نعم نحن قرباط وعندنا أصل، نحنا من عشيرة الملاحمة وأصولنا من سلسلة جبال قورباط بشمال الهند ومنها أخذنا اسمنا. بالفترة الأخيرة بلشنا نسأل عن أصلنا وفصلنا نحن من عشيرة الجبور العربية، وجساس، تعرف جساس تبع الزير سالم؟ هو زاد [أيضاً] منا».

سألته: «أنتم ملاحمة أم جبور أم قرباط؟».

«ما أعرف بالضبط، هذا الكلام سمعته من ابن عمتي اللي كان يدرس بالجامعة هو من زمان يدور عن أصولنا. الناس تفكرنا مختلفين عنهم وأننا نعيش على طرف مجتمعاتهم، لا أستاز نحن موجودين بكل الدنيا، وتفكرنا عايشين على تركيب الأسنان والبويا وصناعة الغرابيل فقط؟ قلت لك أن ابن عمتي بالجامعة بالشام والله، وأخوه عنده محل لتبييض النحاس بالسوق الشرقي. تعرف أن أقاربنا بحي بستان الجانكية في حلب لهم علاقات تجارية مع شنغهاي بالصين؟ والله العظيم جد! اليوم مطر وما رح نطلع وأبو حلب ما يخلينا نطلع».

«من هو أبو حلب؟»، سألته.

«أبو حلب وكيل صاحب الحوش، انشاء الله مفكر انو أي حدا يقدر يجي ويدور يلم كرتون وبلاستيك من الحاويات، هنا الشغل منظم، الباشا -وأشار إلى المكتب الزجاجي عند المدخل حيث تقف سيارة بيضاء جديدة- هو اللي يحدد لك المنطقة عن طريق أبو حلب. جماعة أبو حلب ماخذين أحسن مكان، غازي مختار حيث أغلب المطاعم والشركات، هناك يرمون الكثير من الكرتون وقناني الماء حسب الحركة التجارية. أنا وبديعة أعطونا شارعين بالإيمك والإبراهيملي4، هناك الناس زناكيل بس ما بي كثير من الكرتون أو الأشياء الأخرى، وهنا بالحوش يوزنون كل شي. وكل شي إلو سعر، الكرتون سعر، القناني سعر، الحديد سعر، النحاس سعر، بس عالأخير ما تأخذ من الجمل إذنو، يستغلونا عالأخير مقابل هالسكنة اللي شايفها والحماية من البلدية، إذا مسكتك البلديه هم يطالعونك مباشرة».

سألته، «عندك غير هالطفلين؟». أحسستُ أن سؤالي أصابهُ بوجع، وطفرت دمعة من عينه.

«استاز إنت جاي بكرا؟».

«أكيد سآتي»، قُلت.

«خلاص استاز مو بدك تطلع معنا، نشوفك بالحارة وأكملك بكرا السالفة من أولها».

احترمتُ رأيه، وودعته تحت وابلٍ من المطر الشديد.

«استاز، استاز، الساعة ستة نحنا نطلع، وين نلاقيك؟».

«بنفس المكان سعيد»، قلتها وأنا اضع يدي كمظلة على عيني من المطر.

الثامنة والنصف من صباح 29/11/2015، مطرٌ خفيف يغطي مساحة المكان. لا زحمة سير في الشوارع، فاليوم هو الأحد، عطلة نهاية الأسبوع. عند الحاوية الثالثة وجدته وزوجته وطفلاهما، وقد تظللا من المطر تحت شجرة توت كبيرة عند مدخل بناية يتفاهمون مع سيدة تركية بالإشارات، أحضرت من بيتها لباساً مستعملاً للطفلين، وشاياً لهما. لم تكن لغتي التركية بأحسن حالاً منهم، ولكنني فهمت أن «يازكتشوجوك فار… هافا سووك»، أي «حرام صغار والدنيا برد».

كنتُ خجلاً وأنا أخطو معهما خطواتي الأولى، لابساً معطفي المطري ودافناً نصف وجهي بلفحة وطاقية. لاحظوا خجلي: «استاز ارفع راسك، والله شغل شريف شايف الحاوية اللي قدامنا رح تفتحها انت تا يروح الخجل». وهكذا كان، فتحتُ الحاوية التي زكمتني رائحتها النفاذة وسطَ ضحكات سعيد وبديعة. «استاز والله أول مرة بس»، قالها وهو يعطيني سيخاً حديداً بقبضة بلاستيكية من طرف، ومعقوفٌ ومدببٌ من الطرف الثاني كالخطاف لأتناول به ما يوجد في قعر الحاوية من أكياس، ليتم تفتيشها هنا. كانت إنسانيتي تجاههم تسقطُ في قعر تلك الحاوية، وأنا أتقيأُ ما في معدتي. فكرتُ أنه بإمكان أي أحد أن يضع في كيس قمامته بعضاً من إنسانيته في صرّة، كمفاجأةٍ لأمثال هؤلاء.

تتابعت الحاويات وبدأت الأكياس تمتلئ، «وجهك خير علينا يا استاز، على هل الحكي عشر حاويات اليوم وكفاها المولى»، بعدها بحاويتين كان هناك كدسٌ كبير من الكرتون، أخذنا أنا وسعيد نفتح أطرافه بحيث يصبح مسطحاً، وتقوم بديعة بترتيبه ضمن الأكياس التي امتلأت على آخرها، أما الكيسُ خاصتي فنصفهُ امتلأَ بقناني الماء وعلب الكولا المعدنية، التي لكلٍ منهما كيسٌ خاصٌ أيضاً.

عند مطعم «رجب أسطة» في شارع الترام، وعند الحادية عشرة كان هناك كنزٌ آخر من قناني الماء وعلب الكولا والبيرة المعدنية، بدأنا ننهل منه أنا وسعيد، ندوسها حتى لا تأخذ حجما زائداً في الأكياس، ووقتها عرفتُ لماذا يلبس سعيد حذاء ضخماً بأرضية كأنها دولاب «تراكتور».

امتلأت الأكياس جميعها، وكان سعيد وزوجته راضين جداً عن غلة اليوم، لدرجة أنه دعاني إلى فنجان نسكافيه في حديقة الماسال بارك القريبة، ولكن صاحب الكافتيريا لم يسمح لنا بالجلوس فيها، رغم أننا دفعنا ثمن القهوة وعصير الأطفال التي أصر سعيد حالفاً بالطلاق على دفع قيمتها.

جلسنا على مقاعد الحديقة، حاولت خلق جوٍ من المرح، وأنا يقتلني الفضول في معرفة سر دمعته أمس. قلت غامزاً من يمينه بالطلاق، «بديعة مو غالية عليك؟». كان مرحاً ومزوحاً: «شوف استاز يمكن إذا أحكيلك ما تصدق، احنا القرباط الزواج عندنا مقدس، أي والله، يجوز احنا ما نصلي بس نحنا إسلام ونعرف الله. تعرف كمان عندنا طقوس للزواج إنتم ما تعرفونها، أو ما تريدون تعرفونها. عندنا الخطبة أول شي من البنت نفسها تعطيها الشال الذي تلف به رقبتك، إذا أخذته ولفته على رقبتها فوراً فهي تحبك كما تحبها، وإذا أخذته ولفته على يدها فهي تريد أن تفكر، وإذا لم تأخذه أبداً فهي مرتبطة بشخص آخر. وكل هذا أمام الجميع فنحن لا نخجل من الحب والبحث عنه. أي والله، وإنتم تقولون قربااط. شفت إنا نعرف نحب وعندنا طقوس».

«طيب، والزواج؟»، سألته.

تنهدَ وهو يخرج سيجارة من جيبه: «الزواج من غير القرباطي ممنوع ومحرم، وممكن يؤدي إلى الطرد من العشيرة، ولكل عشيرة أو جماعة من القرباط شيخها أو رئيسها. وإشهار أي زواج يكون عن طريق هذا الشيخ أو الرئيس اللي يقوم بقسم رغيف الخبز إلى قسمين، ويرش الملح داخلهما ويعطي كل واحد من العريسين قطعة، ويقول: عندما تملان هذا الخبز والملح يمل أحدكما الآخر. وبذلك نكون رسمياً عند العشيرة زوجاً وزوجة. نحن لسنا (نَوَر) استاز، ناموسنا (شرفنا) غالي علينا، ونسواننا ما يشتغلن إلا بالشغل الشريف».

«سعيد، البارحة سألتك إذا كان عندك غير هذين الطفلين».

صمتَ، بينما دمعت عينا زوجته.

كان عندي غير هالولدين هذول ولدين أيضاً، كنت ناوي أدرسهم وأخليهم يشوفون حياة غير اللي شفتها أني وأبوي، ولكن الناس بلشت تروح عدكاترة الأسنان، الناس يحبون ينجعصون على كرسي الدكتور ويتبنجون. ما عاد حدا يستحمل شوية ألم، كلو بدو بنج وآخر شي يتبنج عند الممرضة، وهيك أنا صفيت عاطل عن العمل وكمثل العديد من أولاد القرباط بلشوا الأولاد يتعلموا كار البويا. كنتُ أذهب معهم وأجلس على الرصيف المقابل لمبنى البلدية، وأمام المجمع الحكومي كنوعٍ من الحماية والتشجيع، كان قلبي يعصرني عليهم، هم صغار وصناديقهم ليست مزخرفة كما أبناء عمومتهم وأصدقائهم المنتشرين على نفس الرصيف، فالناس يجذبهم المنظر. بدايةً كان يمر زبون أو اثنين في اليوم في أحسن الأحوال، ويكون من أهالي الريف، حذاء الواحد منهم يحمل كيلو وحل ويحتاج علبة بويا كاملة ليعود كحذاء جديد، وشوي شوي تعلموا وكبرت صناديقهم وصار عندهم ألوان كثيرة من البويا وفراشي متعددة.

تعلموا حركات الخفة ونقل الفرشاة من يد إلى يد بسرعة، ونقف حذاء الزبون من الأسفل للتبديل بين فردتي الحذاء فوق الصندوق، وحتى الكبير منهما ذهب إلى حلب واشترى صندوق بويا مزخرف بالنحاس كان شكله كجناحي طير.

وفي يوم 17/3/2012 تأخروا بالعودة إلى البيت، كانت المدينة تغلي إثر استشهاد علي البابنسي الذي قتلته المخابرات الجوية مقابل باب المجمع الحكومي، وإثر مجزرة الساعة بيوم خرجتُ أبحث عنهما فعلمت أن المساعد في الأمن العسكري محمد الأحمد المعروف بأبي جاسم قد لمّ كل البويجية وباعة الدخان وأخذهم إلى الفرع.

    هم أطفال يا أبو جاسم، وإذا مسويين شي أنا أربيهم.
    ما بدنا منهم شي بدي هالعفاريت ينقلون لي (نبض الشارع)، ومين عم ينسق للمظاهرات، أو أحرمهم الشغل عالرصيف!
    ياعمي أبو جاسم، هذول ما يعرفون شي، بعدين إنت عندك عسكر يسدون عين الشمس، تريد تحارب هالزغار بلقمة العيش؟
    بدك ياهم؟ هيك لازم يصير!

شوف استاز، والله قلتلو ما بدي ياهم ورجعت عالبيت، ولدي مو أحسن من وِلد الناس. شي ساعتين إجوا عالبيت ورجليهم مورمة وأبو جاسم ماخذلهم صناديق البويا.

اشترينا صناديق جدد، وهيك مشت الأمور وراحت الرقة من النظام وظل الأولاد على رصيف البلدية والمجمع الحكومي ينظفوا ويلمعوا أحذية الناس. وبيوم 3/5/2013 قصف طيران بشار بالبراميل منطقة المجمع، سمعنا ونزلنا إلى البلد ولما وصلت ساحة المجمع كان بقايا مخ وشعر وفتات عظام ابني الأصغر مرسومة على حائط البلدية من الجهة الجنوبية مخلوطة بألوان متعددة من البويا، لم أسأل ابني الأكبر الذي يغطيه الغبار والدم. كان كل شيء واضحاً لا لبس فيه، كان مذهولاً ومصدوماً، ومظهره كالأبله، شفته السفلى تتدلى كبعير. تأتأ: رح ح رحت أج أجيب لف لف لفات فل فل فلافل، ما م مات بط بطبالطيارة. أشارَ إلى السماء، حضنتُه وبكينا.

كان عندي شهيد، وأقسم بالله أني شعرت بالفخر أن دمنا مثل دم كل هالناس بأرض هالبلد. ومضت بنا الأيام وبقي الولد الآخر الذي أصبح نصف مجنون. أي والله كل ما يسمع صوت الطيارة يحضن أول شخص بجنبو حتى إذا كان زبون. بعدها ترك ساحة المجمع، وصار يجلس على رصيف ساحة النعيم أمام مطعم الفاخر، حيث أكثرية الرواد من عناصر الدولة الإسلامية، ولكنهم بأكثريتهم كانوا ينتعلون الأحذية الرياضية التي لا تحتاج بويا. كان عمره وقتها 15 ونصف، وشاف اللي محدا شافوا غير أهل الرقة، كل الروس اللي تعلقت عالدوار شافها وكان يحكيلنا عنها.

والله العظيم والله العظيم والله العظيم، بيوم تأخر وما إجا لنص الليل، وكان تقريباً يمكن آخر أيام صيف 2014، قال إنو عناصر الدولة الإسلامية أخذوه هو وبياعين الخضار على العربات وبياعين المازوت، وطلبوا منهم ما طلب منهم المساعد أبو جاسم، وبعدين تركوهم.

بعدها بعدة أيام قال لي أن أبو الصدّيق التونسي، أكثر جماعة الدولة استهلاكاً للأكل من المطاعم بدوار النعيم، يريد أن يراني الساعة 3 عند مطعم الفاخر. سبقَ أن سمعت عنه من ابني وعرفت عنه ما ذكرت، وكان دائماً يشتري لإبني أكل جاهز وفطائر، يقول ابني عنه شخص طيب، ولكنته بالحديث مضحكة.

في الموعد قابلتهُ، طلب مني أن يلتحق ابني بالتنظيم، وأن هذه شغلة حقيرة لا تليق بمسلم (يقصد البويا)، وأن ابني سيأخذ 200 دولار شهرياً، وسيعطوني 350 دولار مباشرة، وسيعلمونه أمور دينه، وسيكون مسلماً حقاً.

شيخي ما عندي غيرو، أخوه استشهد وما بدي أخسر هذا أيضاً. نشر عرضي5 وجمع عليّ بصياحه كل الشارع على أننا قليلين دين، وأننا نعيش من وراء نسائنا ووو… تركني على الرصيف وأخذ ابني وغادر. راجعتُ كلَّ المقرَّات، سافرت إلى بلدة  الكرامة شرقي الرقة إلى بيت فواز العلي (أبو علي الشرعي) وإلى بيت توباد البَرْيَجْ يلي بمكتب العشاير، سافرت إلى قرية الجايف عند بيت أهل علي السهو، أبو عبد الرحمن. أنا وزوجتي بكينا، ولكن الجميع صدونا: إنتم القرباط دينكم قليل، على الأقل هذا يصير شفيع لكم يوم القيامة. كانوا يضحكون عندما أقول لهم أعطوني ياه، وأنا وربي نتفاهم على الشفاعة. لم يكونوا يعتبرون ابني الأول شهيداً، فهم لا يعتبرون أحداً شهيداً، إلا من استشهد منهم أو على دورهم فقط.

أكثر من شهرين وعاد لي ابني، ولكنه لم يكن ابني، كان (أبو جسّاس). حاربني ووالدته من أجل الدخان، أنكرَ على أمه لباسها. ثلاثة أيام قضاها وهو ينتقدنا بكل تصرف، وقبل أن يسافر بلحظات أحرق صندوق البويا خاصته، وقال لي أني كافر ومرتد وأقسم: والله وبالله وتاالله، عندما أعود بالمرة القادمة إذا كانت هذه حالك فسوف أتقربُ بك إلى الله، وسأذبحك بيدي.

لم تكن هناك مرةٌ أخرى، فبعد ما يقارب الشهر، وتحديداً في 2/1/2015، قالوا لي بعد أن استدعوني إلى مكتب التنظيم أن أبو جساس قد فجر سيارة دكمة بالروافض الصفويين في العراق، وباركوا لي بأول شهيدٍ من عائلتي.

لا يا شيخ، شهيدي قتله طيران بشار، قلتُ لنفسي.

على فكرة أستاذ… شو معنى «نبض الشارع»؟.

  • المصدر: الجمهورية
  • اسم الكاتب: أحمد ابراهيم