طفولة ضائعة في سوق العمل

11.تشرين2.2014

أكثر  من 16% كانت نسبة عمالة الأطفال في سوريا عام 2010 وفقا لآخر الإحصائيّات الأمميّة قبل بدء الثّورة السّوريّة ….

تلك الثّورة اللتي استعمل النظام فيها سياسة الأرض المحروقة ضدّ هذا الشعب الأعزل… من قتلٍ وقصفٍ وتعذيبٍ وحرقٍ وتهجيرٍ , ماجعل حال البلد يتراجع – وبحسب آخر دراسة لأحد المنظّمات – 35 عاما إلى الوراء

ولكن… وكما في كل ثورة أو نزاع يحصل … يكون الأطفال هم أكثر أطياف المجتمع تأثّرا

فاليوم ,في واقع الثّورة السّوريّة وعندما تنظر هنا وهناك بين الشّوارع والمدن ومخيّمات اللّجوء ترا مشاهد يدمى لها قلبك وتحترق لها مُهجتك

ترا طفلا هنا يجر عربة يبيع عليها خضاراً , وآخر يجلس على بسطةٍ يبيع ماتيسر له من غذائيات ,وآخر يبيع خبزاً وغيرها وغيرها مما يقض المضجع

أطفالٌ لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة كحد أقصى باتوا أرباب منازلهم والمسؤولون على النفقة عليه  بعد أن أفرط النظام بالقوة ضد عوائلهم ,فقتل الأب ,وأسر الإبن ,وشرّد العائلة…. أو ترى الأب مصابا إصابة تمنعه عن العمل تاركا ورائه العديد من الأفواه الجياع

هذا الأمر وغيره وضع هؤلاء الأطفال أمام مسؤوليّات جديدة طوعا أو كرها مما استدعاهم البدء بالعمل في أي مصلحة  في سبيل تأمين قوت اليوم لعوائلهم

*أحلام الدّراسة … ,العاب الطّفولة …. ,أصدقاء الصّبا ,كلهم باتو من الماضي المنسيّ والواقع الصّعب العودة على الأقل في الأمد القريب

- خالد (8 أعوام) وجابر (10أعوام ) طفلان صغيران من حيّ طريق حلب في حماة التقيتهم يوما وهم يجلسون على بسطتهم الصغيرة المتواضعة جدا …التي تحوي بعض قطع الشوكولا والبسكوت وغذائيّات أخرى

تكلمت معهما … كانا ودودان جدا محاولين التمسك ببرائة الطّفولة التي انهدرت في هذا الزمن

وبعد طول نقاش تبين أنهما يعملان على هذه البسطة لأن أبوهما مقعد الفراش جراء إصابته بشظية من أحد القذائف التي سقطت على رؤوس أهل الحي في الاقتحام الأخير له – من قبل قوات النظام – الذي يوصف بالأشرس في تاريخ الحي

وفي مكان آخر من أصقاع الأرض … في منطقة لا تمتّ لها الحياة بِصِلة …..  إنه مخيم الزّعتريّ حيث ترا هناك كمّا من المآسي لدرجة تخجل منها الإنسانيّة جمعاء

وفي حديث مع الأخ أحمد – أحد الشباب ممن يعملون في الإغاثة هناك- حدّثني بأحد مشاهداته حيث قال :

” كنت يوما أسير في أرجاء المخيم أقلّب نظري بين خيم البؤس والشقاء وإذا بي أرى طفلا صغيرا يجر عربة ذات عجلة واحدة لنقل المواد , مشيت معه وتبادلت معه أطراف الحديث فضولا مني لأعرف حاله وماعلاقته بهذه العربة

فعرفت أنه يبلغ من العمر 14 ربيعا ,نزح من مدينة درعا ويعمل على هذه العربة مقابل مبلغ 300 ليرة في نقل المواد والأغراض بين الخيم  ليصرف على أمه وأخواته ممن يسكنون أحد هذه الخيم بعد أن استشهد أبوه بأحد حملات القصف العنيف على درعا

وكانت من أكثر الجمل التي فاجئتني منه هي جملة قال فيها (( أحيانا لا آخذ ثمن نقلي للأغراض إن عرفت أن وضع هذه العائلة سيء أو أن النساء فيها طلبو مني ذلك … مراعاة لوضعهم))

جملة عجزت عن فهمها معاجم اللغة …. نبعت من طفل لم يرى من الحياة إلا البؤس لتصنع منه رجلا بجسد طفل.

هنا أنهى الأخ احمد كلامه ليتركني في حال من الاندهاش والصدمة ما وقعت بها يوما

غيض من فيض هو ما نشاهد من حالات …. وبعض من كلّ .. هي ما نعرفه عنها ,فجرح سوريا كبير ومصائبها كثيرة ولابيت فيها يخلو من حكايات تدمي القب وتدمع العين

هؤلاء هم رجال سوريا القادمة الجديدة……. هؤلاء هم من سيبني أرض سوريا الّتي نحررها اليوم

هؤلاء هم من سيحملون من يدنا مشعل الثورة ليكملوا به درب النضال في ثورة يتيمة لم يشهد التاريخ مثلها يوما

 

  • المصدر: مدونة جاسم
  • اسم الكاتب: جاسم الحموي