"فؤاد وأولاده الخمسة بين الأسر والقبر "

18.نيسان.2015

إختفى صوت فؤاد في ردهة المقهى. وحدها شهقات البكاء تغسل الكرسي، ويتهدج الصدى الى خط التماس بين ساحة العباسيين في دمشق والغوطة الشرقية. لا توقفه المتاريس، ولا أكياس الرمل الممزقة. يتسرّب، كما لو كان دمعة، عبر الأحياء الى أشواق الفقد. يتسرب، الى مدفن نجله المجهول على أطراف حي جوبر، والى ثلاثة معتقلات مجهولة حول العاصمة، يقيم فيها ثلاثة من أبنائه، والى زنزانة مجهولة أيضاً، تُظلم نور عيني ابنه الخامس، لدى "جيش الإسلام".

"الله يجازي اللي كان السبب". وحدها العبارة المفهومة من حديث فؤاد (اسم مستعار) لصديقه. وتتكرر على وقع خبطة "بوط" عسكري في الشارع المحاذي. لا يحصر فؤاد دعوته بطرف واحد. "كلهم مذنبون"، يقول لصديقه. فما يعاني منه، "مسؤولية الجميع الذي حرموني من حياتي". ويختفي الصوت مع مرور الغرباء. يخجل من البوح، أو يخافه.. لا فرق. فالساحة التي يسرّ فيها لأصدقائه معاناته، وأحوال عائلته بعد 4 سنوات من الأزمة، باتت خط التماس الأول باتجاه العاصمة السورية، وتستدعي إجراءات أمنية استثنائية.

حياة فؤاد، كانت عبارة عن مجموعة آمال خطها في عيون خمسة شبان، يتوزعون اليوم بين الأسر والإعتقال والقبر. لا يجد أياً منهم الى جانبه. لا يحتفل بعيد أي منهم، ولا يعيد ترتيب الغطاء الصوفي على ابن يحاصره ليل دمشق البارد. يتفقد أسرّتهم الباردة، ويضفي عليها بعض اللمسات بالدموع الصامتة، خوفاً من أن تتحسس زوجته هذه الحرقة.

وحيداً يتنقل بين غرف منزله. بدأت تفرغ من الحياة، منذ الأشهر الأولى للأزمة. إعتقل شابان من أبنائه، بـ"دزّة" انتقامية. "أسباب واهية وراء الاعتقال"، يقول لصديقه. وتدحرجت الوحدة رويداً، مع ذهاب ابنه الثالث الى الخدمة الالزامية. وسرعان ما وصل نبأ "أسره" لدى "جيش الاسلام" في الغوطة الشرقية. لم يعرف عنه أي شيء، منذ ذلك الوقت. عزاؤه انحصر برؤية ابنه الرابع، الذي كان يملأ على والديه حياتهما، تعويضاً عما فُقِد.

لكن هذه الابتسامة تلاشت، وانقلبت لحظة السؤال عن الوالدين، وبرّهما، وصِلَة الرحم، الى مختبر حزن آخر، لا أمل فيه، سوى بالدعاء. فقد استهدفت رصاصة قناص ابنه الذي كان في زيارة عائلية، على أطراف حي جوبر. سقط من الطابق الرابع، وسط المعركة. اقتيد الجسد، بدوره، الى حفرة مجهولة. دُفن في الغوطة الشرقية، وتوارى الجسد وراء تراب بارد.

"لا أعرف مكان قبره"، يقول، "ولم أتمكن من ملامسة جسده قبل أن يلتحق بالتراب". الظلم هنا مضاعف. لم ير ابتسامة الوداع على محيّا الشهيد. ولم يغمض عينيّ الشهيد براحة يده. عاد فؤاد الى الصورة، ورفع مقامها الى أعلى صور أشقائه. هو أعلى مرتبة منهم في مساحة الرحيل. لا أمل في عودته، بينما يسكن الآخرون الأمل، ويسكن بدوره قلب فؤاد.

بقي الوالدان على الشوق، يرجوان الحب في الإبن الصغير. كان يدخل المنزل، منكسراً أمام هالة حزن والديه، لكنه يخفف عنهما صقيع الصدر، بغمرة. غير أن الأمل الأخير، اختفى، باعتقاله. ابن الـ18 عاماً، أقتيد من الحي الى سجن مجهول، فيما التزم فؤاد وزوجته، سكة الانتظار والأمل.

يقول فؤاد إن وجه دمشق أسود بعينيه. "خدمت المدينة 38 عاماً في موقعي الوظيفي، ولم ترد لي جميلاً، بالحب". لم تحمِه العاصمة من دمعة. لم تمنحه فرصة لرمي وردة على مدفن ابنه، ولم تقده الى حمل طبق من "المحشي" لمظلوم في الأسر أو الاعتقال.

تتدحرج دمعة أخرى، لتعبر المسافات الى سائر المدن السورية. كل البيوت تتشارك الغصة نفسها. الحرقة نفسها. الألم نفسه، بدرجات متفاوتة. المتاريس تحجز الدمعة، والعسس، والمقاتلون على اختلاف ولاءاتهم، يتباهون بانتزاع الضحكة من بيوت السوريين. ويبقى فؤاد، وجه سوريا الباكي، الذي يختصر كل المعاناة في حرب عبثية، ستندمل جمراً تحت رماد التسويات.

  • المصدر: المدن
  • اسم الكاتب: نذير رضا