قصة إرهابي

07.تشرين1.2015

أزقة لا تطؤها الأقدام.. أوراق شاحبة صفراء متناثرة تفوح منها رائحة الحزن .. خريف صامت شبه سرمدي تخترقه صيحات راجفة هنا .. وعيارات نارية خائنة هناك.. إنها التاسعة والنصف ليلاً .. نظر محمد إلى ساعته وهو يمشي في شارع دمشقي عتيق. " أين ولى الناس مدبرين؟" تساءل.. رغم معرفته الحقيقة .آلمه ذلك كثيرا. ولكن يتوجب الكذب أحياناً ، فبدونه لا يوجد شيء سوى الانتحار. " لماذا خُلقت هنا في هذا البلد المغتصب منذ عشرات السنين ؟ ألم يتاح لي السفر ؟! فلماذا لم أهاجر مخلفاً ورائي تَرِكَةً ثقيلة .. فأرميها، لتطأها أقدام مشوهة ممسوخة غريبة ، مستسمحاً أجدادي منكساً رأسي قائلاً : اعذروا حفيدكم الواهن العاجز .. فالصبر قد نفد .. والحزن بلغ مساعيه مخلفاً حطام إنسان . فلماذا لم أسافر إذاً ؟ أهو مرض والدي العضال .. أم أنينه الأليم الجاف الذي كان يقض مضطجعه ومضطجعنا سوية ؟ أهو الخوف من المجهول ؟ أم لعله الحب ؟!" اغتصب ابتسامةً يائسة " أهو حب وطنٍ أدمنت أفيون ترابه .. أفيون مائه .. أفيون هوائه .. فأضحيت جسداً اسفنجياً يعتصر كل برهة لينفض عنه بحراً من بقايا ذكريات دامية .. وأحلاماً متآكلة اقتات بها الزمن مشبعاً جزءاً ضئيلاً من غريزته الشرهة الأبدية

أم عله حب من نوع فريد آخر .. حب طالما تغذى على دماء شعراء وأدباء .. حب حواء .. فلكل حواءه التي يحبها وتحبه .. أما حوائي التي أعشق متخبطاً بأسوار يأس عظيمة الارتفاع .. فكانت قد فقدت إيمانها كلياً بقدسية الحب .. أو علها مجرد كذبة أخرى اقتاتها.. أفيوناً آخر أتجرعه حتى أغتال كابوساً دامياً.. وهو أنها لم تحبني قط"

لم يعد محمد يقوى على التنفس. توقف. الجو خانق. صور متزاحمة أثقلت رأسه . صداع . أفكار كئيبة مشنوقة. وفجأة سطعت أمامه صورة صديقه المعتقل منذ أكثر من عامين " أين أنت يا صديقي ؟ .. أين أنت يا أخي ؟!" نظر من حوله متنهداً " آلا لهذا الليل الخريفي الحزين أن ينتهي ؟" تجرع بعضاً من قارورته، وما أن وضعها في جيبه حتى دوت رصاصةٌ أصابت قلب عمود الإنارة الذي كان يهتدي به . تسمّر مكانه خائفاً . صمت جنائزي . نحيب مخنوق . آثار الصوت فضوله، اقترب منه ، فإذا به يأتي من عمود إنارة آخر. مدّ يده متلمسا إياه فإذا به يصرخ قائلاً :

-       أيها الإنسان .. أنت قاتلي !

ارتعدت فرائصه وبات جسده يرتجف هلعاً

-       اقترب .. لا تخف

لم ينبس ببنت شفة

-       اقترب .. لا تخف

خَطَتْ قدمه اليمنى باتجاه الأمام، فتبعتها اليسرى لا إرادياً. شعر وكأنه يخرج من إطار صورة معلقة على حائط . سار الخطوة تلو الأخرى حتى وصل إليه

-       الْمسني

تردد في بادئ الأمر . إلا أنه مد يده أخيراً لامساً عمود الإنارة " آه " صرخ محمد " ما هذا السائل الذي ألهب

يدي ؟! " فَكّر قليلاً " إنها .. إنها .. دموع .. دموع " وما وجد نفسه إلا و هو يركض باتجاه جثة العمود المُغتال . وضع يده عليه ثم نظر إليها وقد اصطبغت بلون أحمر قاتم . وقف كتمثال جليدي يقبع تحت أشعة شمس لا ترحم. سرت رعشة لذيذة قاتلة في أوصاله فاندفع يركض مرة أخرى . إلا أنه في هذه المرة لم تطأ قدماه الأرض، بل كانت تسبح فوق جزيئات الهواء الخانقة. جعل يركض. قطع العديد من الأزقة والشوارع ..

-       توقف

تابع محمد الجري

-       توقف .. توقف ..

وفجأة لم يجد نفسه إلا ممدداً على الأرض. نظر إلى يديه فإذا هما مليئتان بالدماء. وقع أقدام غليظة تطأ الأرض.

-       إنه أحد أفراد العصابة المسلحة الإرهابية سيدي !

قال أحدهم ، وهو يرتدي زي عسكري كامل و بسطار لطخت أطرافه بلون أحمر قاتم . حدق بهم لبرهة:

-       سامحوني فأنا أحبكم جميعاً ..

وجه له أحدهم إشارة بفمه وقد امتلأت عيناه بالحقد . اقترب منه . أمسك بندقيته موّجهاً أخمصها نحو رأسه ثم.. ظلام .. نور .. ربيع طالما انتظره ..

M . Z

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: الباسل تادروس