مقتطفات يومية 2

26.تشرين2.2014

I

تنام، تصحو، تَسيرُ على خطٍ شبه مستقيم. وما شاهدته في الحلم لم يكن مناماً..! تتعجب قليلاً من الدمار الذي يحيطكَ, تشتم أشهر الديكتاتوريات أفولاً، تنهض إلى النافذة سماء تُحاصرها الغيوم، سماء أعلنت حظراً جوي. المذيع يروي تفاصيل المجزرة في اليوم السابق، تتنفس رئتيكَ القذائف قليلاً، على قميصكَ نقطة دمٍ سقطت حين جذبتَ لحيتكَ في اليوم السابق. تتحسس حرارتك دون المعدل، أكثر بدرجتين إلى ثلاث درجات. تنظر إلى الطاولة حيث أهملت كأس الشاي، فترى ذبابة فجعة تطفو على سطحه، ذبابة تهوى الغرق. تبلع لعابك لتمرنه على العمل. منبه الساعة ينبئكَ باقتراب موعدكَ الأول. صوت المذيع يقطع عليكَ لهفتك: «ميدانياً أفادت لجان التنسيق بسقوط 160 قتيلاً يوم أمس بينهم عشرة أشخاص أعدموا ميدانياً في بلدة…»

II

التفاصيل تُحاصرك. تنهش بالذاكرة. تحفر في ثنايا الماضي. تُعيدكَ إلى توقيت تم استدراجه بعبوة أوكسجين بقي يومان على انتهاء صلاحيتها. التفاصيل تخرجُ من حياتك: المحطات الأرضية، السلك المعدنيّ المستخدم في النشرة الجوية، الوقوف في رتل طويل على أبواب المؤسسة الاستهلاكية، دفاتر المؤسسة الاستهلاكية، دروس الطلائع، شعارات المدرسة الصباحية وأهدافنا الزائفة، الأغاني شبه الوطنية في الرحل المدرسية، دروس الفتوة، دروس الشبيبة عن الحركة التصحيحية، باصات النقل الداخلي القديمة، موظف الكهرباء ومصباحه السحري، هزائم المنتخب الدائمة، لاقط التلفاز وصحونه الطائرة، الأعياد الوطنية والقومية، الخطابات التي كانت تنتهي بجملة: المجد والخلود لرسالتنا. تلكَ التفاصيل المشوهة كيف استطاع أجدادنا الإبقاء عليها كل تلك السنين..؟

III

مجهولُ الهوية. لاسمه صيغة الإصرار. أو حِرَفيةُ المنتشي بتراقصِ الأجساد على صوت طبول الاحتجاج. لا ينام. صاحياً يتربصُ بأي عبارةٍ، أو مقالٍ، أو قصيدةٍ، أو حتى إشارةُ ترقيمٍ لغوية لينقلها على صفحتهِ. كلُّ شيءٍ يتعلق بالثورة تراه موجوداً لديه. وأظنه يؤرخ لقصص الحب التي ولدت من رحم هذا الدمار. يعملُ دون أن يثيرَ أي ضجةٍ. بين الموسيقى، والغضب، والأمل ينقل لكَ نبضَ الأمكنة. يؤرخُ بطريقةٍ أو أخرى لمرحلةٍ شبه مفصلية تحدد تاريخنا الجديد. ربما هناك قلةٌ من الأصحاب تعرفه. كثرٌ هم من يريدون إظهار فصاحة معرفتهم، وصداقتهم له. تلقائياً تتقاذف بكَ الظنون، الدجالون في زمن الثورات أكثر من بائعي اليانصيب الجوالين. لا تثق بمن يقول لك أنه صديقه. هو يعمل بالخفاء في زمن التسلق، والانتهازية. مكان تواجده أوسلو. هكذا يُعرف إقامته. لا يهم. ليكن أينما يريد..! يكفي أنه يعيش ما نعيش من أحوال ومهالك موجعة. إن لم يكن بالمكان. يكفي الشعور الذي ندركه من خلال ما يَنقل لنا. يكفي أنه فسحة تعارف لكتابات أشخاص لن نلتقي بهم حتى مصادفة. ما سبق من أوصافٍ لا يُخصُ بها إلا مؤرخ اسمه: أكاد الجبل. ليصبح اسمه الكامل: أكاد الجبل مؤرخ الثورة السورية على صفحة موقع التواصل الاجتماعي« فيسبوك».

V

لا أحد يعلم، وربما يريد أن يعلم لماذا كتب «حكم البابا» على صفحته الشخصية: «المغول.. التتار.. الصليبيون.. العلويون: مرّوا من هنا» ثم يتابع تشجنه الغير مُصادف ويضيف فجأة: « لا يربح الأقليات مع ديمقراطية صندوق الانتخاب، ولذلك يفضلون عليها الانقلاب العسكري». قد يقول قائل صفحته وله حريةُ أن يكتب ما يشاء عليها. نعم. ولكن ماذا عن الحروب التي يخوضها كل يوم آلاف البشر لأجل نفي ما يُنسب إليهم من إشاراتٍ طائفية..؟ وهل كُتبَ علينا تلقي الخوازيق الطائفية واحد إثر واحد. ليس في أي طائفة كانت أو مذهب أي حكمة. الحكمة تكون في توريث المستقبل تاريخاً يليقُ بنا. التَصنع والانهماك في الدفاع عما يسمى«الأكثرية» هو عبارة عن تضييعٍ للحياة وكتابة على الهواء. فـ «الأكثرية» الحقيقية هي «أكثرية» دولة المواطنة؛ لا «أكثرية» دولة «ملوك الطوائف». ثم هل يُدرك أحدكم أن الطائفية هي: خراءٌ منتهي الصلاحية.

  • المصدر: دحنون
  • اسم الكاتب: وائل قيس