مقتطفات يومية 4

28.تشرين2.2014

بروتون: ما هو المجتمع..؟

بيريه: إنه العَفَن.

I

الرابع عشر من شباط يوم هوى الآخرون إلى الشارع يحتفلون بصخبٍ في عيدهم. الورود الحمراء التي كانت تُزين محلات أزهار الزينة، كانت تنتظر منكِ إلقاء التحية. أمس الصخب، الفاجعة، والنوم المسروق من وسادة الأحلام. كنتُ انتظركِ في أحد الأماكن حين سقطت قذيفة عشوائية فوق كُرسيكِ. على الشريط العاجل لذهنية المُحرِّم كُتِبَ: ابتسم إنها نيران صديقة. هي نفسها النيران التي منعتني من أن أغني لكِ أغنيتنا المعهودة. منعتني أن أقول لكِ:”واللي يحبك من قلبو يجي عالقدم ماشي.. واللي يحبك من لسانو يقولك ماقدرناشي”. كان مرور أمس سريعاً، كفتاةٍ ارتدت أفضل ما لديها من ثياب تفوح منها رائحة الغار ونزلت إلى الطريق تتغندر أمام عشيقها السابق،بينما كان عشيقها يرسم بورتريه لنفسه على موسيقى ضجيج الشارع والأزهار الخالية من رحيق الغضب. “أيه أيها الغضب.. أين أنت..؟” أيه أيها الغضب.. تنفس.. تنفس.. أنهكنا القناص مغتصب اللحظات الجميلة، ورسومات الموزاييك و الفسيفساء السوري، أنهكنا الصراخ والعويل والندب والتفاخر بألواننا الزاهية، نحن مجرد هواة عاطلين عن كل فعلٍ، ورد فعل. مجرد عطلٍ بحاجة إلى يوم جديد. عطل في أسفل المخ يُؤكد أنه عاطلٌ عن العمل والتفكير. واكتشفنا أن الضحك في وجه الآخر مجرد ترميم لواقعنا المكسور. “أيه أيها الغضب.. أين أنت..؟” أنكهنا كل شيء، هكذا دون سبب أو لافتة تدل على الطريق أنهكنا كل شيء.. كل شيء.

II

الثورة التي أسقطت خيارات الأبد والأزل، ومراحل التشويه الاجتماعي التي كان يعيشها الفرد داخل ديمومة الانحسار والخسارة. لن ترضى أن يسرق منها شغفها بالتغيير للبنية الاجتماعية الدائراة في ديمومة الثبات والانعزال. لم تكن الثورة طريقاً لاستبدال الاستبداد باستبداد أكثر قمعاً، لم تكن يوماً ترويجاً للانسياق خلف منحدرات الماضي. هي أكثر من ثورة. هي زلزال مدمر لميثاق الماضي والرواسب الاجتماعية التي فُرِضت علينا في كراريس المدافن والمعابد ومغلفات المؤسسات البطريركية. نحن مطالبين بأكثر من ثورة: ثورة على القيم المبتورة التي ألبسنا أياها أبائنا، ثورة على المجتمع المبني على أحادية الفكر، ثورة على أعداء التحرر وحقوق المواطنة، ثورة على الأباء الذين استنسخوا في داخلهم ديكتاتوراً صغيراً، يشبه أربعين سنة خالصة. الثورة في النهاية هي مرحلة بناء وتشييد، مرحلة نقاء للذات. لا تلاعب في عقول الصادحين في فراغ الصمت والسكوت الأرعن. الثورة قبل كل شيء ثورة على الذات والأفكار التي ألبستنا أياها بيئة المؤسسة الحاكمة، المؤسسة التي أسست جغراقيا البلاد على مبدء”كانتونات” ومضائق طائفية. الثورة في النهاية اصطياد لحلم قاب قوسين أو أدنى من التحقيق. نجاح لن يتم إلا حين يرفع الأباء أيديهم عنه. نجاح لن يتم إلا حين تكون السلطة لنا.. نحن جيل الثورة الحق.

III

الصرخة لا تشبه الماضي، الصرخة ولادة حية للقادم. القادم الذي سيعري المجتمع من فساتينه الزائفة. وصمته على عفته المشوهة، العفة الحقيقية، يوم تكون متصالحاً مع أنك طالباً للحرية في كافة أشكالها، لا أن تطلب تفصيلاً جاهزاً للحرية على مقاسك النحيل. الحرية صفة لاحقة لفعل تحرر. من يطلب حرية مفصلة على مقاسه عليه أن يرضى بالأفعال الدموية التي تقوم بها الطائرات، والمدافع. فهو في السابق كان يتمتع بقليل من الحرية، كان يمكنه فعل أي شيء إلا الحديث عن الواجبات المدنية، وحق المواطنة. الحرية مساحة شاسعة من البياض. حين تدرك أن لك ما لأخيكَ من حق في الحياة. يمكنك أن تخرج لتطالب بحرية المجتمع. المجتمع الذي خرجت في وجهه رافضاً لكل أشكال الانحناء، والعبودية. ليس المطلوب مدينة فاضلة.. ولكن أقل ما يمكن مدينة ننتمي إليها. مدينة تكفل لنا العيش بأنسياتنا المشوهة والتي نحاول الحفاظ على ما بقي في داخلها من نقاء.

  • المصدر: دحنون
  • اسم الكاتب: وائل قيس