مقتطفات يومية 7

01.كانون1.2014

ثلاث مشاهد غير قابلة للتعديل، وملاحقة التاريخ. المشاهد العصماء التي تُنذر بالكارثة. شطحات الإسفلت، والحجارة المحشوة برائحة الرصاص. على الهامش أحدهم يلتحفُ خلفَ متراسه خوفاً من رصاصة طائشة. إنه الليل الكارثة. ليل الرصاص الذي يُسكت صخبَ الملاهي، وبائعي أوراق الحظ العاثر على عتباتهم. إنها دمشق عنجهية المشتهي. عزاء الهارب من رحيق خوفه. المدينة العصماء التي تُنذر بالكارثة. تهوي بأبوابها على رؤوس من خذلوها. مهدٌ لا يشبه كاتبه. هي مشاهدٌ تشبه دمشق التي نحن..

 

I

لا تأريخ للقِدم. التأريخ يكون لمرحلة الاسترسال العمراني في رفع الأحجار وتتويج الحضارة. كانت في البداية أرضاً جرداء يلفها السديم. يبحثُ المتأمل لشوارعها عن ماضيها، يهوى الاكتشاف فيها. تُرى كيف كان المكان قبل أن يبدأ التدوين عنها..؟ ومن كان يَسكنها..؟ هل توارى عاشقان خلفَ حجارتها القديمة طلباً لقبلةٍ عاجلة..؟ يتساءل المرءُ الشارد في صمتها عن تاريخ اسمها من ابتكر لها هذا الاسم الرباعي الأحرف..! يُقال في كتب التأريخ عن اسمها بكلامٍ منسوبٍ إلى أحد رجالات الروم أنها: «سميت دمشق بالرومية وإن أصل اسمها دوومسكس أي مسك مضاعف لطيبها لأن دوو للتضعيف ومسكس هو المسك، ثم عربت، فقيل: دمشق» وقيلَ أيضاً من طرفِ مؤرخٍ ثانٍ هي: «البلدة المشهورة قصبة الشام وهي جنة الأرض بلا خلاف لحسن عمارة ونضارة بقعة وكثرة فاكهة ونزاهة رفعة وكثرة مياه ووجود مآرب قيل سميت بذلك لأنهم دمشَقوا في بنائها أي أسرعوا وناقة دمشق بفتح الدال وسكون الميم سريعة وناقة دمشقة اللحم خفيفة» فصلان من معنى اسمها ولكلِّ مؤرخٍ من شرح اسمها فيض من الذكريات والأوصاف، عن الأنهار التي كانت تجري في أراضيها، والغوطة التي تسبح فيها أشجار الفاكهة، بساتين تواصل الرحم العائلي، حتى من تسول في أزقتها مع دماء الطغاة تم إدراجه في صفحات التأريخ.. كل شيء ذكره المؤرخون عنها.. ولم يتجاهلوا شيئاً من خفتها، ورحابة يومها حتى دسوهُ كدليلٍ إليها. تُرى كيف يستطيع من يقرأ التاريخ المؤرخ منذ عهودٍ سالفة.. أن يكتب عنها في هذه اللحظة المليئة بقطرات الدم المتناثرة..؟

II

ذات فترةٍ سابقة يفصلنا عنها خمسة أعوام، انهمر الزوار على دمشق. قصدوا متاحفها، وتراثها الأدبي والعمراني، يومها لبست ثوباً جديداً يفيضُها أنوثةً، وشهوةً، كانت عاصمةً للثقافة، وطلب التَعرفِ عليها أكثر. لم تخجل يومها من إظهار شبقها للقادمين إليها. كان حنانها يطوف في أنحاء تضاريسها، وحدودها الموزعة بين الكنائس والجوامع.. كانت يومها عروساً متعجرفة. لا تهتم لمن خذلَها مشاركة العرس. في مدى تجاوز السنة ونيف لم تنم دمشق، ولم تترك لأحدٍ من سكانها ان ينام، كان السهر صفتها الأشهى. يومها لم يعل ُصوتٌ فوق صوت ضجيجها. وكأنها قررت أن تُعيد كتابة تاريخها. كانت تحتفل متجاهلة أنفاق الاعتقال وقصص الموت التي ولِدت تحت أرضها. كانت تحتفل دون أن تسمع صرخات المنسيين مع سياط الألم. يومها أرادت أن تتجاهل البؤس الذي أصابها. هي كانت تتألم معهم.. وربما أكثر منهم. لكنها حاولت أن تَعَضَ على وجعها لسنةٍ واحدة. كانت تُريد أن تكون أنثى يغمرها الفرح في يوم عيدها. حتى لو لسنةٍ واحدة لا أكثر. ونحنُ كنا نبحثُ عن شرفةٍ صغيرة تدخل منها الحياة.

III

دمشق اللحظة الآن، تختلف عن اللحظات السابقة. أنينُ مكتوم في صدر الزوار. دمعةٌ ترفض مفارقة العين الصلة الواصلة للنظر. صدمة الوافد إليها. طرق مقطعة بالاسمنت. فواصل من مصفحات تسكن زواياها. نقاط تفتيش. لعلعة رصاص. وعدةُ ثقوب:واحدٌ في القلب من شدة الأصوات الخارقة لجدار الإنسانية، آخر ُفي الكلام الخارج من الحنجرة، ثقب في الإحساس المفرط بالشوق لمن نزح، ثقب في لفظ أسماء الشهداء، ثقب في أنها صارت أكثر شحوباً، وبحثاً عن السلام الذي كانت ترعاه بصورته المشوهة. هي لم تُكسَر، لكن المشهد كسرها. مؤلمة الطعنة الموجهة لها من قِبل أبنائها. جرحها صوت الموت القادم من قاسيون لبعثرتهم. شعرت بأنها خذلتهم لحظة بحثهم عنها. لم تستطع أن تُدافع عنهم، أو تحميهم من لهب النيران، وويلات الحسرة والصراخ لحظة الاعتقال. في دمشق الآن كل شيء تغير، حتى منظر الأرصفة، ورائحة الهواء. في دمشق الآن كل شيء اختلف حتى أصوات الأطفال الهاربين من مقاعد دراستهم. في دمشق الآن كل فرسخ يبحث عن ترميم. وتُدرك أنها تعيش لحظات المخاض الأخيرة.. مخاض الحرية القادمة.

  • المصدر: دحنون
  • اسم الكاتب: وائل قيس