الشهيد طارق الأسود

12.أيلول.2014

بلبل حيّ المعلب الَّذي استيقظ على تغريده العذب حماس الآلاف من أهل حمص معلنًا بزوغ فجر الحريَّة. وتبعث ابتسامته المشرقة شعورًا منعشًا ببرودة الصَّباح فتزيد من العزم والإصرار على متابعة المسير رغم وعورة الدَّرب.

محمَّد طارق الأسود من مواليد حمص الغوطة في الأوَّل من آب 1989، انتقل بعدها مع عائلته للعيش في حيّ الإنشاءات، مُحبًّا للرياضة وذا شخصيَّة لطيفة وجذَّابة، اتَّخذت لنفسها في الثَّورة دورًا يُناسبها، رفرف بلبلنا مع بداية شعاع الحريَّة الأوَّل متنقّلًا بين أحياء الملعب، وبابا عمرو، والإنشاءات، والحميديَّة،هناك حيث اختطفته يد الجلَّاد بعد أسابيع قليلة من بداية الثَّورة، وأودعته الأسر.
استشهاده :
أربعة أيام من التَّعذيب أشبع خلالها الجلَّاد من حقده ما يشاء، وصبَّه على جسدٍ مفعمٍ بالحياة الحرَّة ليحاول أن يُطفئ شعلتها. فُكَّ قيد البلبل الجريح وخرج من الأسر إلى المستشفى يعاني من جراحٍ بليغة شوَّهت جسمه بشكل مرعب وتركت آثارها لشهور، لكنَّ سرعان ما حملته أجنحته على أغصان الحريَّة من جديد.
لم يترك طارق مجالًا من مجالات الثَّورة إلَّا وشارك فيه: من مساعدات وإسعاف، وتنسيق، وقيادة للمظاهرات، وكثيرًا ما كان يشارك في حمل الشّهداء وزفّهم إلى أن صار واحدًا منهم.
في يوم الجمعة 24.2.2012 انتفض مع رفاقه لأجل بابا عمرو، خرج مع رفيق ثورته أنس الطَّرشة ليتابعا كفاحهما ، أنشد طارق وصوَّر أنس ، سجَّلا لنا آخر لحظات حياتهما لنتذَّكرها أبدًا.


أرادا لنا ألَّا ننسى جرائم النّظام، فخرجا ليوثّقا الأحداث المشتعلة في حيّ القرابيص. دخلا في زحمة القصف ولكنَّهما لم يخرجا، قذيفة هاون سقطت فأصابتهما، استُشهد أنس، وأصيب طارق إصابةً بالغة ، تمكَّن بعضهم من سحبه إلى مدخل بناءٍ ليحاولوا إسعافه بينما هو يقرأ آياتٍ من القرآن ، حاولت إحدى الأمهات أن تسقيه، لكنَّه آثر شربة من يد الحور العين، نطق طارق الشَّهادة، ثمَّ حلَّق عاليًا حيث لم نعد نراه.
زُفَّ الشَّهيدان في اليوم التّالي من مسجد عمر بن الخطّاب الَّذي طالما صلَّيا فيه وأنشدا وصوَّرا في ساحاته، وقرأ الشَّيخ حوري عثمان آيات من سورة الرَّحمن كما أراد طارق وأنس لزفافهما أن يكون قبل أن يغادرا إلى بيتهما الجديد في تل النَّصر.

نال طارق ما تمنَّى ، أليس هو من أنشد حلم الشَّهادة؟ أليس هو من قال: "قرّبت يا أمّي والله قرّبت .. والله لأرفع راسك"؟ لقد رفع رأس أمّه وأسرته عاليًا، ولم يترك لنا مجالًا أن نرثيه. وكيف لنا أن نرثيه وما زال حاضرًا بيننا؟!
أهازيج طارق ما زالت تتردَّد غضّة طريَّة كما لو أنَّنا سمعناها بالأمس ، فتارَّة تُشعرنا بالأمل، وتارَّة نحسّ فيها بالمصاب الجلل، ما زلنا ننادي: "يا الله تنصرنا يا جبَّار!"وما زلنا نستنهض الشّعوب: "حرقوا المصحف وين الإسلام يا للعار؟!".

  • المصدر: قصص شهداء الثورة السورية
  • اسم الكاتب: قصص شهداء الثورة السورية