طباعة

الاحتلال الروسي لبلادنا ..

29.أيلول.2020
عقاب يحيى
عقاب يحيى

هي الذكرى الخامسة لتدشين الاحتلال الروسي لبلادنا بتوطئة مشروخة من نظام غير شرعي استقدّم مختلف الميليشيات الطائفية العابرة للحدود، ومن خلفها إيران كي يبقى موجوداً، ويحدّ من انهياره الوشيك، ثم المجيء بروسيا المحتلة ومنحها امتيازات متصاعدة ..
ـ تطلع الروس إلى " المياه الدافئة"، وسورية بوجه الخصوص، ليس جديداً، إنه بعض حلم الذهن الإمبراطوري الروسي من قرون الذي وإن تغيّرت راياته، وشعاراته عبر المناقلات السياسية التي حدثت في روسيا، إلا أنه ظلّ موجوداً يبحث عن ثغرة للولوج منها إلى البحر الأبيض المتوسط ويبني ما يمكن من قواعد عسكرية، ووجود يتوغل في مختلف المجالات، وكان لبوتين ـ الرئيس الروسي ـ ذلك في لحظة تواطؤ، أو توافق مع جهات دولية، ومع "إسرائيل" .
ـ استقدام نظام الأسد للمحتل الروسي بصورة استدعاء (شرعي) خدعة مضللة لأن الاتفاق على دخول روسيا إلى سورية، وتفويضها بالملف السوري، ووضع اليد على بلادنا كان نتيجة اتفاق أمريكي ـ روسي، ومشاركة إسرائيلية، وصمت عديد الدول الأوربية وغيرها، من جهة، ولأنه صادر عن نظام غير شرعي، من جهة أخرى .
ـ حين قرع أوباما طبول الحرب بقوة ضد النظام السوري لاختراقه " الخطوط الحمراء" في استخدام السلاح الكيميائي في الغوطتين، خاصة الغوطة الغربية، ومقتل أكثر من 1400 ضحية جلّهم من الأطفال، تصوّر كثيرون أن نهاية النظام قريبة، وأقلها إنزال ضربة مؤثرة له جرّاء جريمته الإبادية الموصوفة، وإذ بصوت الطبول تخمد بسبب اتفاق بين أمريكا وروسيا تحت عنوان " التخلّص" من السلاح الكيميائي للنظام، والانتهاء منه في منتصف عام 2014 .
ـ الاتفاق، وكما أظهرت الوقائع لاحقاً، لم يقتصر على السلاح الكيميائي، وإنما تناول قضايا سوريّة ودولية مختلفة، وظهرت النتائج في 30 أيلول/ سبتمبر 2015 حين دخلت روسيا بقواتها العسكرية وبدء حرب الجحيم ضد الشعب السوري والفصائل المسلحة التابعة للجيش الحر، وصولاً إلى وضع اليد الروسية على الملفّ السوري، وإن شاب ذلك بعض التنافس مع المحتل الإيراني الآخر الذي يقوم بفعل أشدّ خطورة مما تقوم به روسيا عبر اختراقه للمجتمع السوري من داخله، والعمل على التشييع، والتغيير الديمغرافي والثقافي وغيرهما.
ـ روسيا المحتلة رفعت شعارات كاذبة تبريراً لوجودها، وجرائمها بأنها " تحارب الإرهاب" والقوى الإرهابية وهي التي لم تدخل معركة ضد القوى الموصوفة بأنها إرهابية فعلاً، وقد رمت بتعميم ذلك الشعار إلى خلط الأوراق، وتشويه هوية المعارضة المسلحة والحاضنة الشعبية التي كانت تساندها، في حين أن الوقائع الثابتة تفيد بأن روسيا وعبر سياسة الأرض المحروقة، وبما يشبه ما فعلته بالشيشان، مارست اٌقصى أنواع الجرائم الحربية ضد المواطنين السوريين الذين استهدفتهم بشكل منهّج، ومقصود، وبغية إجبارهم على النزوح والهجرة، والانفكاك عن الفصائل العسكرية .
ـ لم يقتصر القصف الروسي على المدنيين وحسب بل ترافق مع ضرب البنى التحتية من مستشفيات ومدارس ومخابز ومراكز صحية ومنشآت تقوم برعاية المواطنين وتأمين الحد الأدنى من وسائل المعيشة لهم، واستخدمت لتحقيق ذلك ـ كما صرّحت مراراً ـ أحدث تقنياتها العسكرية، بما فيها الجديدة التي قامت بتجربتها على رؤوس المواطنين وضدّ وسائل حياتهم .
ـ وللفارق الكبير، أو الخلل المريع في ميزان القوى تمكّن الاحتلال الروسي من إلحاق الهزائم بالفصائل العسكرية التي لم تكن تملك سوى أسلحة خفيفة ومتوسطة، وكان معظمها محاصراً وقد انقطعت به السبل والطرق للتزود بإمكانات الصمود وتعويض الخسائر، وأجبرت عشرات آلاف السكان المدنيين على الهجرة القسرية طلباً للحياة وبحثاً عن مكان آمن، بينما باتت الأنقاض مأوى الآلاف، وعبر هذه الوقائع القاسية فرضت روسيا عملية التهجير القسري لمئات آلاف المواطنين، ومغادرة عديد الفصائل لمواقعها وتسليم سلاحها، في حين استطاعت فرض ما يعرف بالمصالحات في الجنوب والتي انتهت بكوارث كبيرة كان من نتيجتها تحويل بعض الفصائل المتخاذلة إلى فيالق تابعة لها، بل للنظام بشكل رئيس ثم استهداف العديد من قادة وإطارات الفصائل العسكرية والناشطين اعتقالاً واغتيالاً وتصفيات ما تزال متواصلة حتى اليوم، خاصة في الجنوب السوري .
ـ المحتلّ الروسي مارس الكذب الصراح فيما يعرف باتفاقات خفض التصعيد حيث نقضها تباعاً والتهمها وأعادها إلى سيطرة النظام لتصبح أجزاء واسعة من سورية تحت سيطرته الفعلية، بما في ذلك النظام المجرم، وإلزامه على عقد مجموعة من التنازلات والصفقات والعقود المخلّة بسيادة واستقلال سورية وبمصالح وثروات الشعب التي رهنها النظام لعقود طويلة للمحتلّ الروسي، بما يتجاوز اتفاقات وضع اليد على منطقة قاعدة حميميم وما يجاورها، ومرفأ طرطوس، ثم منحه أراض واسعة لإقامة ما يعرف بمشاف خاصة لمعالجة جنوده، وصولاً إلى عقد نحو 45 اتفاقية استثمار في مجالات مختلفة ..
ـ لذلك كان طبيعياً أن يكون المحتلّ الروسي أحد أهم داعمي النظام في التنصّل من الالتزام بالقرارات الدولية، والقبول بدخول العملية السياسية، رغم ما يحكى عن ممارسة ضغوط روسية لحثّه على الذهاب لجنيف في إطار ما يعرف بالمفاوضات حول اللجنة الدستورية التي لم تتقدّم خطوة واحدة وما تزال تراوح مكانها .
ـ الدعم الروسي للنظام أبلغ من ذلك وأخطر في الميدان السياسي فعدا عن التسابق بينه وبين إيران عن دور كلّ منهما في حماية النظام ومنع انهياره، وتأكيد روسيا أنها السبب الرئيس في ذلك، ومن قبلها إيران، فقد مارست حق النقض (الفيتو) 12 مرة لمنع اتخاذ قرارات ضد النظام وممارساته الإجرامية، او في ميادين الإغاثة ووصولها لمختلف المناطق السورية، خاصة اللاجئين والنازحين، وأسهمت روسيا في زحلقة بيان جنيف 1 وتجويف جوهره القاضي بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي صاحبة الصلاحيات التنفيذية الكاملة واستبدال، أو اختصار العملية السياسية كلها باللجنة الدستورية ثم إقامة انتخابات رئاسية وتشريعية دون تنفيذ مستحقات ما يعرف بـ"البيئة الآمنة" ووجوب إعادة النظر بالأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية كشرط لازم لقيام انتخابات تتوفر على حدود واضحة من النزاهة، وبإشراف مباشر من الأمم المتحدة .
ـ عملياً ورغم التصريحات الغامضة، والملتبسة عن مصير رأس النظام ومستقبل النظام، فالنهج الروسي واضح المنحى باتجاه الحفاظ على النظام ـ ربما مع بعض الرتوشات الطفيفة ـ والسماح لرأس النظام بخوض الانتخابات وكأنه لم يجرم بحق الشعب السوري، وكأنه لا يتحمل المسؤولية الأولى في نكبة الوطن وإبادة أكثر من مليون شهيد، وإجبار الملايين على اللجوء والنزوح والهجرة، واعتقال وتصفية مئات آلاف المعتقلات والمعتقلين ..
ـ لقد أفسحت أمريكا في المجال لروسيا أن تضع يدها على الملف السوري، وما زالت بعيدة عن اتخاذ قرارات بمستوى إجبار النظام على الخضوع للقرارات الدولية، دون أن يعني ذلك عدم وجود شيء من التنافس على رقعة مناطق النفوذ بما يحتويه من تناقض وتناغم، وهي حالة تشبه ـ إلى حدّ ما ـ العلاقة بين الروس وإيران بما تحتويه من تناقضات وتوافقات يدفع الوطن السوري ثمنها .
ـ ورغم الإقرار بالدور الروسي المفروض في العملية السياسية، والحاجة إلى خوض مفاوضات ولقاءات مع الجانب الروسي، إلا أن كل ذلك لا يلغي حقيقة طبيعة الوجود الروسي كقوة احتلال موصوفة، ولا يُنسي الشعب السوري ما قامت به من جرائم بحقه، ومن دعم نظام قاتل يقف ضد مصالح وإرادة الشعب السوري في إقامة النظام البديل .