كيف يمكن للثورات العربية أن تنتهي بتحقيق غاياتها؟

10.حزيران.2014

الثورات العربية ما بين التحرر والحرية

هل إنتهت الثورة في تونس بهروب ابن علي, وهل انتصرت في ليبيا بمقتل القذافي؟ ألم يعتقد الكثيرون أن الثورة في مصر نجحت وحققت غاياتها عندما تم إعلان تنحي الرئيس السابق حسني مبارك؟ وكيف يمكن توصيف حالة الثورة في اليمن بعد تنحية الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح؟ وماهي مآلاتها في سوريا بعد أن تحولت إلى حرب حقيقية؟

يروي هنري كيسينجر في مذكراته أنه سعى إلى تلطيف الأجواء لدى لقائه الأول مع الرئيس الصيني ماو تسي فسأله مداعبا: "هل تعلم متى انتهت الثورة الفرنسية؟" فأجابه ماو تسي بذكاء: "وهل إنتهت الثورة الفرنسية حقا؟". إذ أنه من النادر أن نجد إختلافا بين المؤرخين على تحديد بداية الثورات والأحداث الكبرى في القرون الأخيرة, ولكن من النادر أيضا أن نجد بينهم توافقا حول تحديد نهايات الثورات أو حول تقييم آثارها وتحقيقها لأغراضها. فالثورات  عادة ما تطلق مسارات للتغيير, بدايتها واضحة, إلا أنه من الصعب التكهن بمآلاتها.

الثورات العربية ما بين التحرر والحرية

طرحت الثورات الشعبية مطالب التحرر من الإستبداد ونادت بالحرية، فحازت على التحرر بعد أن حطمت العديد من الحواجز النفسية والإجتماعية. إلا أن الحصول على الحرية عادة ما يكون في آخر محطات مشوار التغيير الطويل الذي تصنعه الثورات. فأول ما تنجزه الثورات هو التحرر وآخر جوائز مشوار التغيير هي الحرية. حيث أن الحرية والتحرر معنيان مختلفان لألفاظ متقاربة. التحرر شرط للحرية ولكنه لا يصنعها آليا, إذ لا بد من العمل الحثيث والمنظم في مشوار قد يطول كي يصل بنا إلى الحرية.

- يمكن تعريف التحرر على أنه كسر القيود الداخلية والخارجية للإنسان التي تكبل فكره وفعله. قد تصنعها ظروف الإستبداد, كما قد تراكمها عقود التخلف والتبعية، وكذلك بعض المفاهيم السلبية المتوارثة.

- أما الحرية فهي ممارسات فردية أو جماعية, يتيحها نظام سياسي وإجتماعي منبثق عن ثقافة المجتمع ويتطور في سياقه الحضاري, حيث تتوفر في إطاره الخيارات المتعددة بما يحقق لأفراده التكافؤ في الفرص ويمنحهم الشعور بالعدالة والإستقرار.

إن إنجاز صناعة الحرية هو الإختبار الحقيقي لنجاح الثورات وتحقيقها لغاياتها, حيث لا زال هذا الهدف يتطلب كسر العديد من القيود الفكرية والمجتمعية التي تعمل على إعادة إنتاج الأنظمة الفاسدة في الخلايا الناشئة للدولة الجديدة بما يحول دون إنطلاق المجتمعات العربية نحو نهضة شاملة تعيد القيمة للإنسان والأوطان. هذه الإنطلاقة ستتطلب بدورها بناء العديد من المؤسسات التي تأخذ على عاتقها إنجاز هذا التغيير ورعايته حتى يصبح قادرا على النمو والإثمار.

الثورات العربية وعملية التحرر

الثورات العربية كسرت حواجز الخوف لدى الشعوب التي صنعتها, وحطمت الكثير من قييم الإستكانة والخضوع السلبي لدى كل من شارك فيه, إلا أن ذلك لم يكن بدون مقابل, حيث كان فقدان الأمن والإستقرار الهش وكذلك إنتشار الفوضى كان أولى الأثمان الواجب دفعها, عدا عن ضريبة الدم.

سقطت الأنظمة المستبدة في بعض هذه الدول ومنها من لا يزال يسعى لإيقاف حركة الزمن والتاريخ. قد يتوهم البعض أن الثورات قد نجحت وانتهت في شهورها الأولى عبر إخراجها للمستبد من المشهد السياسي, كما شاهدنا في ليبيا ومصر. إلا أن السقوط السريع لزمرة الإستبداد كان مرده حصول الثورات في أنظمة حكم متأكلة البنى وآيلة للسقوط, فكانت الثورة هي نتاج هذا التآكل قبيل السقوط وليست سببه. وبالتالي فإن الإمتحان الحقيقي لجدوى الثورات وقدرتها على إحداث التغيير نحو الأفضل يبدأ بعد ذلك. يبدأ الإمتحان عندما يفقد صناع الثورة القدرة على صناعة الحدث وتنخفض قدرتهم على التأثير, كي يصبحوا هم أنفسهم موضوعه. الفوضى وكسر التوازنات المستقرة هي إحدى المتلازمات التي تخلقها ديناميكيات التغيير, حيث تؤدي الفوضى إلى إنتاج ظواهر سلبية جديدة لا تمت إلى جوهر الثورة بصلة. إلا أن هذه الظواهر في حقيقتها ليست إلا نتيجة للفراغ الناجم عن إنهيار الدولة. كما يمكن فهمها أيضا على أنها إنعكاسا لثقافة المجتمع الذي أنتجه الإستبداد الزائل. فالمستبد وشعبه يتشاركان إلى درجة ما في الثقافة العامة, بما يؤدي بالضرورة لظهور محاولات مستمرة تعمل على إستعادة إنتاج الإستبداد في ثوب التحرر وبشعارات الثورة. كل هذه الظواهر هي في الحقيقة جزء ثابت من الثورات ولا تتخلف عنها. فالتحرر من الإستبداد قد يكون سهلا إذ ينتهي بإسقاط المستبد, أما صناعة الحرية فستتطلب صناعة التغيير في المجتمع وقيمه، كي تغير الإنسان قبل أن تغير القوانين أو الدساتير أو تغير شكل الحكومة. وبالتالي فإن صناعة الحرية تحتاج أنواعا مختلقة من العقليات والمهارات عن تلك التي أسقطت المستبد وصنعت التحرر منه. هذه العقليات والمهارات لا يمكن إستيرادها بل تصنعها التجربة وتنتجها ظروفها. فالحرية لا تنجزها إلا تلك العقول المتحررة, التي تضبطها المبادئ والأخلاق ولكن لا تأسرها إيديولوجيا ولا تتعصب لمجموعة أو جماعة. الحرية والتعصب ضدان لا يجتمعان. المتعصبون يسعون لبناء نظام يحفظ لمجموعتهم أو جماعاتهم السيطرة والسلطة, فيعملون على إنتاج دكتاتوريات جديدة يكونون هم أنفسهم أولى ضحاياها.

الثورات العربية وصناعة الحرية

الثورة لا تنتهي مع وصول شخص أو حزب أو جماعة إلى السلطة أو خروجهم منها. فالإنقلابات وثورات القصور حيث تنتقل السلطة من شخص إلى آخر أو ربما من عائلة أو مجموعة لأخرى لا تصنع إلا تغييرات محدودة, غالبا ما تكون محصورة في أفراد الحكومة وربما في شكلها, ولكنها لن تؤدي إلى تغيير جوهري في النظام الذي أنتج الإستبداد وأشعل الثورات, بل ستعمل على إعادة إنتاجه بأشكال أكثر قبولا.

المعيار الحقيقي لنجاح الثورات, وكذلك الضمان الوحيد لمستقبل أفضل لأولادنا او أحفادنا هو أن يعيشوا في ظل نظام سياسي وإجتماعي يحفظ لهم حريتهم وكرامتهم ويؤمن لهم تكافؤ الفرص في بلدهم.

غير ذلك من الضمانات لا قيمة لها في عالمنا اليوم, حيث يذوب الأفراد في المؤسسات, وتتحول المجتمعات إلى خلايا منظمة تعمل وفق آليات وديناميكيات معقدة تسمح بتأطير كفاءاتها بما يوجه تدافعها وتنافسها كي يصب في خدمة المجتمع.

فالدول الحديثة تقوم على تنظيم الممارسات من خلال صناعة بنيات, أي أنها تفرض نوعاً من النظام الديناميكي المبني على مؤسسات أو بنيات تختلف من حيث صلابتها من مجتمع لآخر. إلا أن هذه المؤسسات إما أن تعمل على إحترام الإنسان وإتاحة الخيارات له بما يؤمن تكافؤ الفرص بين أفراده, ويحقق الشعور بالعدالة في المجتمع, أو أنها ستعمل على إعادة إنتاج الديكتاتورية مرة أخرى.

فالحرية لا تتحقق ولا يمكن صيانتها إلا من خلال مجتمعات منظمة تعمل في إطار نظام سياسي يجعل من حياة الناس ومصالحهم ملكا لهم, ويحفظ حرية الإنسان وكرامته كقييم ثابتة مقدسة لا تتغير بتغير الحكام.

بناء هذه المؤسسات بالشكل الصحيح الذي يحمل القييم التي أطلقتها الثورات في جوهرها, سيكون هو التحدي الذي يواجه جيل الثورة وربما الأجيال التي تليه, حيث أن عملية بناء هذه النظام وتطويره هي عملية مستمرة من غير توقف, وستعترضها العديد من التحديات الذاتية وأخرى خارجية.

ستحتاج عملية البناء هذه إلى العديد من المتطلبات وإلى العديد من المتخصصين المؤهلين, كما أنها تحتاج للكثير من الإرادة والوعي كي تنتج نظاما يحفظ للثورات روحها التي أطلقتها، ويزرع في جوهره قييمها التي أخرجت الجموع من سباتها للتظاهر في الطرقات, مطالبة بمستقبل أفضل لها ولأولادها. عندها فقط تكون الثورات قد إنتهت بتحقيقها لغاياتها, وأعطت الراحة والخلود لأرواح من إستشهدوا في الطريق إلى الحرية.

  • اسم الكاتب: غياث بلال
  • المصدر: مدونة الكاتب
  • رابط المصدر: اضغط هنا