من يحاصر من ؟؟

15.تشرين1.2014

من يتابع أخبار الثورة السورية والمواجهات الكبرى على إمتداد خريطة الوطن يجد أن كلمة الحصار بحروفها الستة ومشتقاتها من أكثر الكلمات تداولا بين المراسلين و وكالات الأنباء و دوائر الإهتمام على المستويين الداخلي والخارجي .. هذه الكلمة الغائرة في قلوبنا والمتكلسة في عقولنا والمؤلمة في ذاكرة الشعوب المستضعفة أو التي ذاقت يوماً مرارة الإستضعاف .. وعلى الخصوص منها شعوبنا العربية وفي مقدمتها الشعب السوري المظلوم المكلوم صانع الحدث ومادة البحث في مسألة الحصار ليومنا هذا .. نعم لقد حوصرت بغداد فيما مضى وسقطت بأيدي المغول ثم حوصرت القدس وسقطت بأيدي الصليبيين .. ثم حوصرت عكا وعاد المحاصر الطامع الحالم بمملكة لبلاده يقيمها في بلاد المشرق عاد خائباً خاسراً يجر أذيال الهزيمة .. ثم حوصرت بيروت ولم يتمكن العدو الغادر الغاشـم من إقتحامها على مدى سبعة وثمانين يوما خرج بعدها المقاتلون الأبطال رافعي الرؤوس ومعهم أسلحتهم الخفيفة عبر وساطة دولية ضمنت لهم خروجا مشرفا على الأقل بنصف نصر وبدون هزيمة .. وفي تاريخنا الإسلامي غزوة مشهودة هي غزوة الأحزاب سميت بها سورة تتلى إلى يوم القيامة .. كان فيها حصار وفيها صمود وفيها دروس وعبر يضيق عن ذكرها المقام .. وما أردناه في هذا اليوم ليس البحث في البعد التاريخي أو العسكري أو الاقتصادي ولا حتى الإنساني لمسألة الحصار وإنما البحث في البعد الفكري والنفسي والقيمي وإلى حد ما الإعتقادي لطرفي المعادلة المحاصر بكسر الصاد والمحاصر بفتحها .. واختصاراً نقول :
إن شعبنا في سورية ممثلا بقواه الثورية المجاهدة يواجه أخطبوطاً إجرامياً ذي رؤوس ثلاثة
الأول : قوى النظام الأساسية في الداخل وتتكون من فئات أربع : الجيش والأمن وطابور المنافقين المنتفعين من بقايا حزب البعث والشبيحة ونعرفهم اختصاراً بالحرف الأول من اسم كل فئة " جاحش " يجمع هؤلاء إيديولوجيا لا دينية ذات عمق ماركسي ستاليني تحتقر المبادئ ولا تقيم وزنا للقيم بل تتشفى بإنتهاكها والتنقص ممن يحملونها .. ذات سلوك ماجن فاجر تتباهى بالرذيلة ولا تتردد في فعل أي شيء من أجل الحصول على مصالحها .. إنتهازية وصولية مغرورة متعالية تسعى للوصول إلى كرسي المسؤولية أي كرسي في أي مسؤولية حتى لو كان لهذا الكرسي خمسة أرجل .. جاهلية أنانية دموية لا تعرف معروفا ولا تنكر منكراً جمعها وألف بينها الاستبداد السياسي على حين غفلة من الزمان .. فكانت الركن الأول في مؤسسة الاستبداد والضلع الرئيسي في مثلث السيطرة والهيمنة على الشعب إلى جانب المؤسسة الدينية التقليدية وحيتان المال والأعمال .. وهي اليوم تدفع بكل ما تملك من قوة وأقصى ما تستطيع للحفاظ على مكاسبها ومناصبها ومغاصبها التي حصلت عليها عبر عقود ..
الثاني : يتألف من فئات ماضوية متخلفة ثقافيا ودينيا تحمل بقايا فكر خرافي قديم قائم على التدليس ونظرية المؤامرة ومركب من عقائد دينية مختلفة ومصاغة بمصطلحات إسلامية وتستخدم دعوى الاستضعاف والمظلومية ستاراً لما تحمله من أهداف ومبرراً لما ترتكبه من جرائم .. يقوم على هذه الفئات مؤسسة كبيرة من "سدنة هياكل الوهم" عريقة في قدمها ومتقنة لدورها .. وهي تشكل مع أتباعها ومريديها كتلة من نسيج قائم على التعالي والشعور بالفوقية مغلق على ذاته لا يرى فيما سواه إلا مجاميع من المغفلين أو مادة للاستخدام أو قطاعات للإستثمار .. ولذلك لا يتردد في إرتكاب أسوأ الفظائع من قتل ودمار وخراب ومؤامرات وجرائم كلها تعجل حسب ترهاتهم بقدوم المنتظر والدخول إلى فردوسهم المزعوم .. وقد وجدت هذه الفئة الضالة في مصيبة الشعب السوري مرتعا لأزلامها وأرضاً خصبة لتحقيق أحلامها .. زين لها ذلك شعورها بفائض القوة لديها ولدى حليفها النظام في دمشق وقناعتها أن الشعب السوري ضعيف ولا يستطيع مواجهة النظام .. فجاءت إليه عبر مجموعات انتحلت لنفسها أسماء براقة لا تمت إلى حقيقتها بأية صلة " حزب الله .. عصائب أهل الحق .. لواء أبو الفضل العباس " وكلها شيعية اثني عشرية مرتبطة بالنظام الإيراني نرمز لها بالحرف الأول من اسم كل منها ونذكرها اختصاراُ بـ " حالش "
الثالث : مكون من خليط غير متجانس من مواطن جغرافية شتى تجمعهم قواسم مشتركة من عقائد ماضوية قديمة ضالة يعود أكثرها إلى فئة الخوارج وأفكار شاذة ممزوجة بنفسيات مريضة متعالية لا ترى في غيرها إلا السفالة والدونية والضلال يقود هذا الخليط الغير متجانس شياطين مردة من أجهزة الاستخبارات العالمية جمعتهم تحت ستار من الوهم أسموه زورا وبهتانا الدولة الإسلامية في العراق والشام .. وهم بهذه النفسيات المتعالية المتعجرفة وهذا الفكر الشاذ المنحرف وبتعليمات من قياداتهم المرتبطة بدوائر الاستخبارات لا يتورعون عن ارتكاب أعظم الفظائع باسم الإسلام وتحت شعار الدولة الإسلامية والتي لا تتجاوز في ذهنهم مسألتي الإستئثار بالسلطة والتعالي على الناس عبر ما يحملونه من تصورات خاطئة عن مسألة الإمارة والتي لا يعرفون منها غير التسلط وجباية الأموال وإقصاء الآخرين وتهميشهم حتى لو كانوا من نشطاء العمل الإسلامي وقد اسموا مشروعهم الدولة الإسلامية في العراق والشام ونرمز لهم بالحرف الأول من كلمات هذا الاسم ونذكرهم اختصاراً بـ " داعش " .
هذه الفئات الباغية الثلاث تسعى جاهدة وبكل ما أوتيت من قوة لحصار ثورة الشعب السوري العادلة ومن ثم خنقها والقضاء عليها و بالرغم من كل الخلافات والتناقضات فيما بين هذه الفئات الثلاث جمعتها إرادة العمل في سبيل الباطل وكراهية الحق وغطرسة القوة والرغبة في العلو على الآخرين ودوافع الفساد والغطرسة في النفس البشرية ذات الخلفية الشيطانية المتمردة ولذلك تراها نسيت أو تناست خلافاتها وتناقضاتها وانطلقت بكل ما تملك من قوى وإمكانيات وحشـدت كل قطعانها من أشباه البشر وتآمرت علينا مع قوى الإستكبار العالمي والتي صدعت رؤوسنا فيما مضى من زمان وحتى الأمد القريب بدعوى ممانعتها ومقاومتها ومحاربتها وظنت مع أسـيادها من صانعي القرار في الغرف المظلمة وعصابات المنتفعين ومصاصي الدماء والمتاجرين بقضايا الآخرين أنهم قادرون على محاصرة ثورتنا والقضاء عليها معتمدين في ذلك على ما يملكون من قوى هائلة بشرية وعسكرية وإقتصادية ومؤسسات أمنية وإعلامية ودينية مزيفة من شتى المذاهب والأديان ربطتها خيوط التآمر ويقودها إبليس وقد نصب عرشه على الماء ووجه مردته من شياطين الإنس والجن من أجل حصار هذه الثورة وقطع كل طرق الإمداد و وسائل الحياة المدنية عنها فضلا عن الحاجات العسكرية والدعم اللوجستي في الوقت الذي يستخدم فيه النظام المجرم كل أسلحة الدمار والقتل التقليدية منها والمحرمة دولياً ويقترف أعظم الجرائم تحت نظر العالم وسمعه وسط صمت مريب وتواطؤ شبه مكشوف يغطي ذلك بكم هائل من العهر الإعلامي والدعائي والأكاذيب المفضوحة عبر جيش من عصائب الإفك والدجل الإعلامي ومجاميع من متكسبي وسائل التواصل الإجتماعي والنبـيحة والأبواق الخائنة المأجورة والطابور الخامس والتي مافتئت تفبرك الأخبار وتنشرها على قاعدة الوزير " هوبز " أكذب ثم أكذب حتى تصدق نفسك ..
لكن أتراهم وصلوا إلى مرادهم أوهم واصلون في يوم ما .. الجواب : لا.. وألف لا..
لا .. لأن قوى الثورة استطاعت بعد سنيها الثلاث و بإمكاناتها الذاتية المتواضعة من الذهاب بعيداً في تأمين حاجاتها الضرورية بشكل ذاتي والوصول إلى حالة من الاعتماد على النفس ولو جزئياً في التمويل والتسليح ..
ثم لا .. لأن قوى الثورة قطعت مراحل متقدمة جداً في توحيد صفوفها وأصبحت قضية جمعها تحت قيادة واحدة سياسية وعسكرية وإدارية قريبة وقاب قوسين أو أدنى وهو العامل الرئيسي في تحقيق الإنتصار..
ثم لا .. لأن قوى الثورة أخرجت من بين صفوفها القسم الأكبر من الإنتهازيين والوصوليين والمنحرفين والمتاجرين بالقضية وهو المرض العضال الذي عانت منه الثورة طويلا والشفاء الكامل منه من أبرز مؤشرات النصر ..
ثم لا .. لأن قوى الثورة أصبحت تملك رؤيا واضحة لما تريده وأصبحت الفضيلة وهي وسط بين رذيلتين هي السمة الأكبر لغالبية الفصائل المقاتلة بمعنى إنحسار وتراجع فئتي المتمردين و المتشددين فضلا عن الحرامية من بين عناصر فصائل الثوار ..
ثم لا .. لأن قوى الظلام والإجرام والفساد قد فقدت القسم الأكبر من زخمها ودعايتها وقوتها العسكرية والبشرية وهي اليوم تحاول استجماع كل قواها لتحقيق إنتصار هنا أو تقدم هناك ..
ثم لا .. لأن قوى الظلام والإجرام أصبحت محاصرة داخليا بتناقضاتها وهي ممزقة بين ما ترفعه من شعارات مزعومة من طرف وسلوكياتها الفاجرة العاهرة من الطرف الأخر .. ولنا هنا وقفة نتأمل من خلالها ونســـــــأل :
أين دعوى الممانعة : التي كان النظام يتشدق بها لعقود ممن انكشف أمره علناً وانكشف تعاونه بل وعمالته لمن يدعي ممانعته ومقاومته والتواطؤ المفضوح بينهما إلى حد الحرص الشديد من الطرف الآخر الذي يمانعه إفتراضيا على بقاء هذا النظام والتغطية على جرائمه والدفاع عنه في المحافل الدولية .. ولوعدنا بالذاكرة قليلا وجدنا هذا الممانع المقاوم سلم الجولان للمحتل الإسرائيلي في أقل من ست ساعات وليست ستة أيام كما أسماها مخرج فيلم حرب الأيام الستة .. ولوجدنا هذا الممانع المقاوم يدخل لبنان ليقضي على مقاومته الوطنية ويرتكب مختلف الجرائم فيه تنفيذا لأجندة غربية وإقليمية .. ولوجدنا هذا الممانع المقاوم يرتكب أعظم الفظائع في سورية عبرعقود ويقف خلف الكثير من الجرائم والأعمال الإرهابية في الدول المجاورة ولا أحد ينبس ببنت شفة إلى آخر ما هنالك من تناقضات لدى هذا الممانع المقاوم يضيق عن ذكرها المقام ..
وأين دعوى المقاومة والعمل من أجل تحرير فلسطين : عند من ترك حدود فلسطين آمنة مطمئنة واستدار حاشداً كل ما يملك من قوة ليشارك في جريمة قتل وقهر وتدمير الشعب السوري .. بل أين دعوى الإنتصار للمظلومين والسير على خط الحسين ممن خيله ورجله و سلاحه موجه لقتل أصحاب الخط الحسيني وحملة لواء جد الحسين في مقارعة الإستبداد والحكم الملكي الوراثي حيث ضحى الحسين بنفسه و أهله و مقربيه من أجل تغييره وتصحيح المسار للعودة بالحكم الإسلامي إلى خطه الرسالي وخلافته الراشدة وهو سبيل قضى عليه حتى اليوم مئات الآلاف بل الملايين من شباب الإسلام في ساحات المواجهة وفي أقبية السجون ومن المفيد هنا أن نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " وهو من دلالات النبوة وفيه إشارة لما يحدث اليوم لأن الحسين يوم قتل كان شيخا قارب الستين وقد فتح الطريق للملايين من شباب الإسلام اليوم وفي كل يوم الذين يواجهون الإستبداد بصدورهم العارية وبما يملكون من قوة قليلة لا تضاهي قوة الحاكم الظالم .. أما الطرف الآخر ممن يدعون زورا وبهتاناً أنهم أتباع الحسين فقد جمعوا أمرهم واستنفروا قواهم وجاؤوا بقضهم وقضيضهم يقاتلون دفاعا عن الظلم والاستبداد والحكم الملكي الوراثي بأبشع صوره .. فأي الفريقين أولى بالحسين .
وأين دعوى الدولة الإسلامية والعمل على إقامتها : عند من انكشف أمره وبانت عورته في معاونة النظام المجرم القاتل على إسترداد المناطق المحررة وملاحقة النشطاء من الثوار و شرفاء الثورة .. وأين دعوى الدولة الإسلامية ممن ترك الجبهات وتراجع إلى الخطوط الخلفية وجعل جل همه السيطرة على مصادر الثروة ونهبها إضافة إلى سرقة أموال الشعب خصوصا الثوار منهم تاركين مسؤولية حماية حدود هذه الدولة المزعومة على كاهل من يصفونهم بالكفر والردة وشتى الموبقات .. بل أين دعوى الدولة الإسلامية وقادة من يزعمون أنهم أهلها مختفين لا يجرؤون على مواجهة رعاياهم في الدولة المزعومة ومتى كان أمير المؤمنين في كل التاريخ الإسلامي يختفي خلف قناع أو يجهله معظم أبناء بلده أم أنها الباطنية بكل ما تحمله من بلايا ومصائب وفتن عادت إلينا بأثواب من العهر الثقافي والسياسي متجلببة بجلابيب الدين ..
إننا ونحن ننظر إلى حالة الفئات الثلاث المكونة للطرف الآخر جاحش وحالش وداعش نجدها حالة مزرية مليئة بالتناقضات الفكرية والسياسية والسلوكية ومن عجائب القدر أننا لو أخذنا الحرف الأول من اسم كل فئة ينتج لدينا الفعل الثلاثي " جحد " وفيه وصف دقيق لسلوكهم مع الثورة ونكرانهم لحقائقها .. قال تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا " وترى كل طرف منها محاصر في داخله بين ما يتستر به من شعارات وبين سلوكه الفعلي المخالف لها بشكل صارخ فضلاً عن أن جمعهم قد فقد السيطرة على ثلاثة أرباع الوطن جغرافيا ولم يعد يسيطر إلا على جزء صغير من مراكز المدن وبعض الأرياف ولم يبق لديه إلا معبر أو معبرين مع الدول المجاورة وتقلصت حدوده السياسية والجغرافية إلى رقع صغيرة مقطعه لا يستطيع الوصول والإتصال فيما بينها إلا عبر اللاسلكي أو الطيران وهو يحاول جاهداً إستعادة ما أمكن منها وفي نفس الوقت يعمل من خلال آلته الإعلامية الضخمة من أجل التسويق لفئاته الثلاث متجاهلاً أنها أفلست سياسياً وثقافياً وإعلامياً وهي تعيش تناقضاتها الداخلية ويحاول كل منها الخروج من المأزق متعلقا ولو بخيط من سراب ........... ........... فمن يحاصر من

  • المصدر: شبكة شام
  • اسم الكاتب: مراسل شبكة شام : أبو يزن الحلبي