أخي في الإنسانية

05.أيلول.2018

أخي الإنسان، لا أدري كم تعرف عن قصتي؛ أنا السوري، أخيك في الإنسانية. على أي حال، أشعر أن من واجبي أن أخاطبك، لسببين: كي تعلم بحالي علم اليقين، وكي أبرئ ذمتي أمامك وأمام رب العالمين، آمنت به أم لم تؤمن.

بداية، أنا مثلك تماما فيزيولوجياً، وإن اختلفت بعض ملامحنا. لم أختر اسمي، ولا ديني، ولا والدي، ولا البلد الذي أعيش فيه. ولم تكن لي يوماً علاقة بنمط الحياة التي أعيشها ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. في تاريخها الحديث، رزحت بلادي تحت الاحتلال العثماني أربعة قرون، وقرابة ربع قرن تحت الاحتلال الفرنسي. تَبِع ذلك ربع قرن، كنّا فيه ننام على انقلابٍ، لنصحو على آخر؛ إلى أن جاء مَن قرّر ألا تكون هناك انقلابات في بلدنا؛ وأن يحكمنا إلى الأبد. رضينا بذلك، وردّدنا شعار الأبدية عنوةً أكثر من الفاتحة.

بعد عقدٍ على حكمنا المؤبد، دمّر من يحكمنا جزءاً من أحد مدننا، وقَتَل عشرات الآلاف؛ وصمتنا كالخراف؛ حيث قال لنا إن من قتلهم إرهابيون، ويريدون تخريب البلد. كانت يدُه على كتف السوفييت وقلبه مع أميركا؛ فقلنا: لا بأس بالتوازن. قَتَل الحياة السياسية، وامتطى ما كان موجودا من أحزاب؛ صمتنا على مضض، وبحثنا عن السلامة؛ فالعين لا تقابل المخرز.

احتل الصهاينة فلسطين فلسطين، فكانت قضيتها أكلنا وشربنا وثقافتنا واقتصادنا. جعنا وعرينا وأشحنا النظر عن الفساد والإفساد والعبث في مصير الوطن تحت شعار "المقاومة والممانعة"؛ فكنا نتلقّى الضرب من إسرائيل؛ ونسمع: "سنرد في الزمان والمكان المناسبين". عبث الإيرانيون في بلدنا تحت يافطة إعلانهم "تحرير القدس"؛ وما كان علينا إلا الترحيب بهم، رغما عن أنوفنا. خضنا كل حروب حزب الله التحريكية، كما كنا قد خضنا حرب تشرين التمثيلية، وخرسنا أمام "صوت المقاومة" الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

استمرت العائلة في حكمنا؛ فقلنا إن هذا جزء من شعار الأبدية؛ ولا بد أن يتم استكمال المسيرة؛ وحَدانا الأمل في أن يكون في التغيير خير. صبرْنا وكتمْنا وبدأنا من جديد. أكلت العائلة ومحيطها وزبانيتها اقتصاد البلد؛ وكان علينا أن نشدّ الأحزمة. حوّطت مدننا أحزمة الفقر، وقلنا لا بد من أن الإصلاحات آتية، وأن كل ما نراه من أوبئة زائل.

هبّت رياح الربيع العربي؛ فقلنا لابد أن ساعة التغيير قد أزفت؛ استبشرنا بالخير. قيل لنا لن يحدث في سورية ما يحدث في دول عربية أخرى؛ لكنه حدث؛ وصدح صوت وجعنا، وطلبنا شيئاً من أوكسجين الحرية؛ فتم وصفنا بأقذع الصفات، وفي مقدمتها أننا إرهابيون وخونة. ولكن، أخي الإنسان، إليك جردة مختصرة لما حدث لأخيك الإنسان السوري خلال أعوام بدأت بشعارٍ لم يفهمه أو يصدّقه السوري عندما أُطلق، وهو "الأسد أو نحرق البلد". والنتائج: نصف سورية مدمر، نصف مليون سوري قضوا، نصف مليون سوري معاق، نصف سكان سورية خارج بلداتهم نازحون داخل البلد أو خارجه، أكثر من نصف جيل سوري كامل لم يعرف تعليما، ربع مليون سوري في معتقلات النظام تحت التعذيب، سورية تعود ربع قرن إلى الوراء، استخدم نظامها السلاح الكيميائي على السكان ولا يزال، البلد تحت حماية إيران وروسيا. والآن، أخي الإنسان: ماذا تتوقع من السوري، وقد شاهد بأم عينيه من استضافهم في بيته يقتلونه؛ شَهِدَ طائرات بلده التي دفع ثمنها دماً ودموعاً ترميه ببراميل متفجرة. سمع 134 دولة تسمّي نفسها أصدقاء سورية، وما قدّمت له إلا الكلام المعسول الذي لا يوقف نزيف دمه، أو دمار بلده؛ شاهد وسمع إعلامه يتحدّث عن مؤامرةٍ كونية، ليجد نفسه وحيدا يدفع ثمنها؛ رأى يد المندوب الروسي يمنع قراراتٍ تدعو إلى وقف قتله، ودمار بلده، أو حتى إدخال الطعام لأهله المحاصرين في الجوع؛ رأى قيادته مرتهنةً لإرادة إيران ومليشياتها التي تمنع سقوط قاتله؛ شهد جثث آلاف من إخوانه تخرج من زنازين التعذيب؛ تيقن أن من يحتل أرضه حريصٌ على بقاء من يفعل به ذلك كله؛ شَهِدَ أن الآخر لم يعد يرى فيه إلا ما يثير الشفقة أو الاحتقار.

من هنا، وبناءً عليه، لا يحمّل الإنسان السوري فقط من فعل به ما فعل كامل المسؤولية، بل الذين كانوا شهودا على مأساته؛ فهم يتحمّلونها بالتكافل والتخاذل والتناذل والصمت. فهل يلومنّ أحد السوري إنْ قتل، حيث قتله الجميع من دون رادع أو واعز ضمير؛ وما عنى قتله شيئاً لأحد؟ أو إن سرق، لأن كل شيءٍ بحيلته قد سُرِق؟ أو إنْ عكّر أمان العالم وسلامه، لأن أحداً لم يلتفت إلى أمانه وسلامه أو سلامته؟ أو إنْ سعى إلى تدمير أي مناقبية، لأن الجميع لم يلتفتوا إلى أخلاقياته أو مناقبياته؟ أو إن دعس كل قانون للبشرية، لأن أحداً لم يحترم أي قانونٍ في التعامل معه أو في إنصافه؟ أو إنْ طارت أي رحمة أو إنسانية من قلبه، لأن العالم تعامل معه بلا رحمة أو إنسانية؟ وللأسف، إنْ هو كفر بكل القيم، لأنه تيقّن أن هذا العالم بلا قيم؟

لم يعد لحسابات هذا العالم ومصالحه ودبلوماسيته مكان في ساحة ذهن السوري. حوّلتموه إلى مخلوقٍ لا يخضع لحساباتكم وتكتيكاتكم الكمبيوترية. أنتم لا تحاصرون معدة السوري، أو سلامة رأسه؛ أنتم تحاصرون وجوده وكينونته الروحية والأخلاقية. ولا أتكلم هنا عن ألف أو مائة ألف؛ وإنما عن ملايين من كرماء البشر، بعقولهم وأرواحهم وإبداعاتهم ومساهماتهم في التاريخ والحضارة الإنسانية.. أتكلم عن السوري الكريم، فاحذروا غضبة الكريم إذا أُهين أو أُذل. ومع ذلك كله، السوري لن يسيء، إن هو أُنصِف. فلا تحسبوا أن دماء السوريين لم تصل إليكم؛ إنها تسيل في بيوتكم، تغطّي أسرّتكم، وتغطي عيون أطفالكم وغيوم سمواتكم التي قد تمطر وابلاً لا يصدّه صاد.

أخيرا، ما زال أمامك أخي الإنسان فرصة، لا لتنقذ أخاك السوري فقط، بل لتنقذ نفسك. عليك بصانعي سياسة بلدك؛ فالمجال لا يزال مفتوحاً لتدارك العيب واللعنة. لقد تفلّت نظام الأسد من العقاب، عندما استخدم السلاح الكيميائي؛ واستمر شلال الدم السوري؛ وكان بالإمكان وقفه عندها. والآن، مع استنفار رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، لإعلان انتصاره على الدم السوري، وسعيه الإجرامي إلى إعادة الاستبداد إلى سورية؛ لن يُعفى هذا العالم من أخطائه بحق السوريين، ولن يُنصف السوري إلا هزّ بوتين كي يواجه حقيقة تقول: لم ولن تحقق شيئاً، إن لم يتم الخلاص من منظومة الاستبداد.

  • اسم الكاتب: يحيى العريضي
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة