أيمن الظواهري لم يحضر مفاوضات جنيف

30.تشرين2.2017

تهجّم أيمن الظواهري على أمير «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني، يعني انفصال الأخير نهائياً عن «القاعدة» واستعداده للاتفاق مع تركيا حول مستقبل إدلب التي يتحكّم بها، وقد مهّد لذلك باعتقال قادة في «القاعدة» غالبيتهم من الأردن: شيء من «الوطنية» يتحكّم بمتطرّف إسلامي علّمه تنظيم «القاعدة» عولمة الإسلام وأن الأمة عابرة للأوطان وحدودها.

هذا يحدث على الأرض السورية التي استسلمت ثورة سكانها سريعاً إلى المتطرفين والأمراء المحليين وشيوخ الفتاوى الحاملين أكياس المال من أغنياء اعتبروا العملة الخضراء سبيلاً إلى بناء «الدولة الإسلامية».

النظام ومعارضوه السياسيون خارج هذه الأرض التي احتلها المتطرفون وميليشيات مناهضة لهم لا تقل تطرُّفاً. إنهم في فضاء السياسة وصراعاتها بين القوى الإقليمية والدولية التي ترسم في حال اتفاقها مستقبل سورية، على رغم المتحكّمين بالأرض ومن بقي من سكان. وإلى الآن لا اتفاق بين العرب والأتراك وبينهم وبين الإيرانيين، كما لم يكتمل الاتفاق الروسي- الأميركي على رغم تقاطعات أدت إلى هدنات وتخفيف مصائب في الأرواح والعمران.

بين أرض المتطرفين وفضاء المصالح السياسية الكبرى ضاع الشعب السوري ويستمر في الضياع: وفد النظام تأخّر يوماً في الوصول إلى جنيف وقال إنه أتى ليشرح موقفه من المفاوضات لا ليشارك فيها، وبالتالي فهو يرفض الجلوس في وجه معارضة يعتبرها خارجة على القانون. أما وفد المعارضة الذي وصل في الوقت المحدّد فلم يستطع إقناع ممثلي منصة موسكو ببيان الرياض2، وعبّر عن هذا الموقف عملياً، امتناع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف عن الحضور إلى جنيف.

دعا الظواهري إلى الوحدة في الشام وأن تكون لها حكومة وأن يختار أهلها لهم إماماً. لم يسمع الظواهري بكلمة سورية وإذا سمع فهو لا يعترف بها وطناً، وربما تضم الشام، كما هي في كتب التراث، بالإضافة إلى سورية، لبنان وفلسطين: هل يريد الظواهري القضاء على إسرائيل ليكتمل تحرير الشام وينصّب «القاعدة» عليها أميراً؟

المتحكّمون على الأرض في سورية أصحاب مرجعيات دينية، أو هي تاريخية على الأقل، والسكان هم الرعايا الذين يبايعون على السمع والطاعة. ألم يكن البعثيون القوميون العرب سبّاقين في هذا المجال حين أصرّوا على تسمية الوطن السوري بأنه القطر العربي السوري، وبأن سكانه منذورون ليكونوا مواطنين في الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، وفي سبيل ذلك يعاهدون (إقرأ: يبايعون) الحاكم على السمع والطاعة؟

على الأرض السورية، مسلحون دينيون أو تاريخيون يتبعون «القاعدة» أو «داعش» أو ما يشبههما من تنظيمات ميكروسكوبية يحكمها أمراء ومفتون ميكروسكوبيون، أو يتبعون المرشد الإيراني مباشرة ومواربة، أو يوالون الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلامي الإخواني، المعتدل عند الضرورة والشرس إذا أتاحت الظروف.

تقول المعارضة السياسية السورية: النظام يتحمّل مسؤولية القتل والخراب لذا يجب أن يرحل بشار الأسد. ويقول النظام إن المعارضة تضم خارجين على القانون أو تغطيهم، فيجب أن يسلموا سلاحهم غير الشرعي: كيف يتفاوض أعداء؟ كل طرف يهدف إلى إلغاء الآخر. إنها حرب لا مفاوضات. حرب تنتهي بمعاهدة استسلام ومحاكمة على طريقة ما جرى في نورمبورغ بعد الحرب العالمية الثانية.

وإذا كانت الحرب السورية عالمية لكثرة المتدخّلين فيها مباشرة أو بالواسطة فسوف ينتظر الأبرياء السوريون إلى ما لا نهاية ندركها. أو أن مفاوضات جنيف ستبقى عقيمة حتى يجلس إلى طاولتها ممثلو تركيا وإيران وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة، لتخرج منها سورية جديدة مفروضة على مواطنين، أبرياء أو متورطين، سلّموا قيادهم إلى غيرهم: انظر إلى أداء ممثلي النظام والمعارضة المتّسم بالتسرّع والحدّة والإطلاقية لتعرف أي مدى من العزلة وصل إليه شعب عاش حياته في سجن الحاكم المطلق.

  • اسم الكاتب: محمد علي فرحات
  • المصدر: الحياة اللندنية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة