الدّولة .. عندما نفقدها ..!

17.تشرين1.2016

أيّام طويلة مّرت على هذه الثورة يتصارع فيها "النظام السوريّ" مع "المعارضة" : من يمثِّل الشعب ..؟
وفي حين يستميت النظام ، ويدفع بكلّ ثِقله إلى اعتبار أنّه هو فقط "الدولة" التي تمثِّل الشعب (الواقف على الحياد) يدعمه أنصاره "القسم الثاني من الشعب" ويستبيح كلَّ ما لدى القسم الثالث (الحاضن للثورة) لدرجة أنّه يعتبرهم ليسوا بشراً ليستحقّوا الحياة ..
في هذه الأثناء يقوم الثوّار ومن وراءهم بمحاولات يدفعون ثمنها أرواحهم ودماءهم ليقولوا للعالم : نحن نمثِّل الشعب ، والصامتون الخائفون ينتظرون من يزيل عنهم الطغيان ليتنفسوا الصّعداء ويعيشوا بكرامتهم وحريّتهم .
أهم مظهر من مظاهر هذا الصراع يتجلى في مناطق بسط السيطرة والنفوذ ، فالثوار عندما يحررون منطقة ، ويخرجونها من تحت سيطرة النظام يسارعون إلى المؤسسات الهامة لدى النظام فيرفعوا عليها علم الثورة ويحطموا أي أثر لطغيان هذا النظام وظلمه وبطشه .
يعجز الثوّار في لحظات التحرير الأولى أن تكون ردات فعلهم متوازنة فتكثر العفويات ومعها تكثر الأخطاء .
ويعجزون أيضاً في أيام التحرير الأولى عن رص صفوفهم ، وبسط الأمن والأمان وإعادة حياة الدولة من جديد إلى تلك المناطق ، ويأخذ ذلك وقتاً يكون فيه المواطن يتساءل عن أمنه وأمانه ومعيشته وحقوقه : متى يحصل عليها .
ومن أهمّ ما يحصل في تلك الفترة قضيّة هامّة تبرز للمواطنين الذين يبقون أنفسهم على مسافة من الثوار قبل أخذ قرارهم بالرضى أو عدم الرضى بهذا التحرير ، وهي : هل ستعود الحياة مستقرة ؟!
في الطرف الآخر يلعب النظام على هذا الوتر فيعتبر كل أرض خارجة عن سيطرته هدفاً مشروعاً لقذائفه وصواريخه وبراميله المتفجرة بمن فيها من نساء وأطفال وبنة تحتية ..!
وهو الذي كان يستميت في الدفاع عنها ويتغنى بأمان الناس فيها قبيل أيام .
ويصوّر النظام السوري بإعلامه وإعلامه الرديف الفروقات في الحياة بين المناطق التي تحت سيطرته والمناطق التي تحت سيطرة الثوار ، ويستثني نفسه من المعادلة حين يضع اللائمة على الثوار الذين أدخلوا المدن في الصراع وجعلوا المدنيين هدفاً مشروعاً لحرب لا تعرف المحاباة والرحمة..!
وتصبح كلّ المناطق المحرّرة أقلّ أمناً مما كانت عليه ، لاسيّما أن الثوّار يتورعون عن استهداف تلك المناطق ويحصرون معركتهم على الجبهات فقط تحت ضغط المبادئ والأخلاقيات والإيمانيات والشعارات التي يرفعوها ..
ورغم محاولات الثوّار بسط نفوذ الدّولة على هذه المناطق إلا أن هذا النفوذ يبدوا ضعيفاً مشتتاً ، غير مقنع للنّاس ..
فكلّ قرية هنالك فصيل عسكريّ يسيطر عليها ، وبالتالي فإنّ شؤون الحياة فيها تتعلّق بالفصيل وأجندته وسياسته في التعامل .
ويصبح القضاء والعدل محصوراً بأيديولوجيا الفصيل ، فتختلف المسألة من قرية لقرية ، أو من مدينة لمدينة ، ولربما في المدينة الواحدة تجد محكمتين ، كلّ محكمة تتبع لفصيل ، وعدّة سجون كلّ سجن له قضاءه الخاصّ به .
ورغم محاولات الثوار القيام بمحاكم مدنية ، وقضاء مشترك ، وسجن واحد ، وحصر القضايا بالمكاتب القضائية أو حتى الشرعيّة ، إلا أن هذا لم يثمر بشكل حقيقيّ ، وما تزال المحاولات هذه بحاجة جديّة أكثر وإيمان أكبر بالشعب والناس ، وتنازلات حقيقيّة من قبل القادة لتصبح واقعاً يلمس الناس أثره بأنفسهم.
بالمقابل أيضاً : نجد النظام عندما يحتل منطقة ، أو يهادن ثوّارها أو أهلها ، أوّل ما يقوم به هو تأهيل البنى التحتيّة وفتح مؤسسات ودوائر الدولة ، ويصوِّر الحياة فيها تعود بشكل تدريجيّ مستفيداً من عمق دولته ، وحفاظه -في أصعب الحالات التي مرَّ بها والهزَّات التي تعرَّض لها- على مؤسسات الدولة بكوادرها وبنيتها ، ولم يقم يوماً بقطع رواتب موظفيه في أحلك الظروف ولو كانوا يقيمون في المناطق المحررة (المعادية بالنسبة له) وبالتالي ساعده ذلك بالظهور أمام الناس بمظهر القوة ، ومظهر "الدولة" التي تقوم على شؤون الناس وترعى خدماتهم ، ويرى فيها النّاس صورة النظام المتماسك ذو الهيكليّة الإدارية المعروفة ، والمؤسسات المنظّمة ، وبالتالي يشعر بأمانه الشخصيّ ، بل ويستفيد من ذلك على الصعيد الشخصي والمادي والنفسي.
ورغم أن الثوار وحاضنتهم استفادوا كثيراً من حفاظ النظام على مؤسَّساته ، واستغلّوا ذلك في الكثير من الأحيان ، إلا أنه لم يخرق مؤسسة ولم يكسر قواعده ولم يتنازل عن "الحكومة" ، و"الدّولة" ككيانات ترعى مصالح الناس .

الخلاصة أن أربعين سنة أو أكثر من عمر النظام السوري الشموليّ ليس من السهل إسقاطه بدون التفكير بنفس المنطق الذي يفكّر فيه ..
وليس من السهل إعادة كرامة المواطن ، وحريته ، ورفع الظلم والاستبداد دون العمل جدّيَّاً بمنطق "الدولة" بمؤسساتيّة لا بثورّية ، وبمنطق خدمة الناس لا المنِّ عليهم ، وبفكر تحرير النّاس لا ُحكم الناس ، وبإعادة العدل لا بتغيير الحاكم ..
فإن عجزت المعارضة السياسيّة في الخارج الحصول على تمثيل ديبلوماسي، ولو لمسألة خدمات الناس بتجديد وإصدار الجوازات والوثائق ..
وعجزت الحكومة المؤقتة عن القيام بشؤون الناس خدمياً في الداخل، ولو مجرد إصدار الشهادات الثانوية للطلاب لدخول الجامعة ..
وعجز الثوّار عن حماية المناطق بعد تحريرها .. والاتفاق على إدارات مدنيّة موحّدة بقانون موحد ..
فكيف يمكن أن يقتنع الناس أن النتيجة لن تكون كما وعد "بشار الأسد" الناس : أنا أو الفوضى ..؟؟

  • اسم الكاتب: إبراهيم كوكي
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة