السوريون ومصير سوريا

29.تشرين1.2014

لم يعد محط جدل الآن لدى مختلف فئات الشعب السوري أن نسبة مشاركة السوريين في تقرير مصير وطنهم تقارب الصفر، لم تعد عائلة الأسد ولا المافيا الأمنية الاقتصادية المحيطة بها ( هذا إذا صح اعتبارهم جزء من الشعب السوري بعد كل الجرائم التي ارتكبوها بحقه و التي يندى لها جبين الإنسانية ) ولا مؤسسات المعارضة التي فُرضت على الشعب السوري كممثلاً له، ولا مئات الفصائل المسلحة التي انتشرت كالفطر على أرض سوريا ، جزءا من آلية صنع القرار فيما يتعلق بسوريا ومصير ثلاثة وعشرين  مليون سوري.
 فالنظام وتحت ضغط الخسارات المتتالية والتي وصلت حد عجزه عن استعادة السيطرة على حي من أحياء دمشق كجوبر رغم تدميره تماماً وتسويته بالأرض، أصبح قراره مرهوناً بإرادة حماته من مليشيات لبنانية وعراقية وإيرانية ترتبط جميعها بقرار الولي الفقيه في طهران،  الذي يقدم له مستلزمات بقائه  من مال وسلاح من خزينة الشعب الإيراني المنكوب بملاليه، و مقاتلين من مرتزقته العرب اللبنانيين والعراقيين الذين تقدم لهم ايران كل شيء بدءا من ملابسهم العسكرية والخبز الذي تقتات به عائلاتهم وانتهاءً بسلاحهم الذي يوجهونه إلى الجهة التي يريدها وليهم الفقيه. بينما تنقسم المعارضة السياسية بين ائتلاف تم فرضه من قبل صانعيه كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري بالرغم من تبعيته وفساده، عاملان (التبعية والفساد)  أدَٰيا الى إفقاده أي تأييد شعبي أو تأثير فعلي على الأرض، ليتحول إلى أداةً طيعة في أيدي غير سورية ولخدمة مصالح غير سورية.  وهيئات وتجمعات سياسية صغيرة متناثرة لاحول لها ولا قوة إما لضعفها الناجم عن شعاراتها الجوفاء المتجاهلة لآلام الشعب السوري، و الناجمة في جزء منها عن اتقاء بطش النظام،  وفي الجزء الآخر عن تراثها القومي اليساري الذي يعتبر ان معارضة الغرب والإمبريالية هدف يفوق في أهميته التضامن مع الام السوريين الناجمة في جزء كبير منها عن الدعم اللامحدود التي تقدمه للنظام القوى تحمل نفس شعاراتها ( إيران وحزب نصر الله).  وأخرى أصغر حجماً كل منها لا يتجاوز عدد أعضائه عدد لجنته التنفيذية. في حين تشتت القوى العسكرية (ماعدا داعش والنصرة) وعلى ضعفها وضعف سيطرتها على الأرض الى عشرات الألوية والكتائب التي يتبع كل منها للداعم الذي يقدم له المال والسلاح ويتغير ولاءه بتغيُٰر داعمه، بينما بقيت الكلمة الفصل في المعارضة لتنظيمي داعش والنصرة اللذان يحملان فكراً وبرنامجاً يتجاوز الشعب السوري والأهداف التي دفعته للثورة على آل الأسد ونظامهم.
من كل ما سبق نستنتج أن مصير سوريا وشعبها والى أجل غير مسمى هو في أيدي قوى إقليمية ودولية متناقضة المصالح، ففي جهة تقف إيران وملحقاتها الطائفية في المنطقة والتي تعتقد أنها تخوض حرباً دينية مذهبية انتقاما للحسين بن علي (رضي الله عنهما) ومن خلفها روسيا التي تأمل بالعودة الى الساحة الدولية كقوة عظمى على اجساد السوريين ودمائهم، وفي الجهة الأخرى تقف الولايات المتحدة التي وجدت ما يجري في سوريا فرصة لاستنزاف خصومها الإيرانيين وحلفائهم عبر جرهم الى حرب دينية باهظة التكاليف ضد الخصم الآخر للولايات المتحدة المتمثل بالفكر القاعدي الداعشي (حرب دينية مذهبية بين أصوليتين تود الولايات المتحدة إضعافهما ما أمكن ليسهل القضاء عليهما). إضافة لدول الخليج العربي وتركيا الذين وبسبب مصالحهم المتناقضة ساهموا في تعميق المأساة السورية وإفساد مؤسسات المعارضة وتقزيمها عبر التنافس على شراء ولاءها ومحاولة السيطرة على قرارها.
لم يتوقف هذا التنافس حتى بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من جر بعضهم الى تحالف ضد الإرهاب سيسهم في حده الأقصى في تقليم أظافر داعش التي انفلتت من عقالها بعد أن استطاعت السيطرة على الكثير من المال والسلاح من ترسانة  الجيش العراقي الكرتوني الذي انشأته الولايات المتحدة وسلحته ودربته، لكنه بالتأكيد لايهدف الى إنهاء المأساة السورية والحفاظ على سلامة سوريا ووحدة الشعب السوري، فقد تكون الإدارة الأمريكية مطمئنة أن ترك سوريا تتدمر وتتفسخ الى إمارات متنازعة ومتناثرة على أسس قومية ومذهبية لن يهدد أمن اسرائيل، بل قد يجعلها اكثر أمناً عبر تدمير الشعب السوري وطاقاته وإشغاله في حرب أهلية قد تمتد عقوداً، و في نفس الوقت لا يهدد أمنها القومي. لكن هل شركائها العرب في التحالف الذي أنشأته لديهم نفس الشعور وهم مطمئنين تجاه الأمن القومي للعرب والأمن الوطني لدولهم وشعوبهم !!! ؟؟؟. انا شخصياً وبمحدودية معلوماتي وقدراتي العقلية أنصحهم أن لا يناموا في العسل فقد يكون دورهم بعدنا مباشرة.
من هنا لم يبق امام السوريين ومحبي سوريا وشعبها إلا إحدى وسيلتين، إما الإستكانة والدعاء الى الله دعاء العاجز؛ أن يجعل مصلحة إحدى القوى العظمى تتوافق وإيقاف مأساتهم (وليس ذلك على الله بعزيز).  أو أن يبادروا وبشكل واعي لتشكيل مؤسسات قادرة على إقناع معظم السوريين انها تمثل مصالحهم وتسعى لإيقاف مأساتهم، مؤسسات يقوم على تمويلها وبالحد الأدنى رجال أعمال وطنيين بعيداً عن بيع الولاءات لهذه الدولة أو تلك مقابل أموال تؤدي الى المزيد من الفساد والتبعية. مؤسسات قادرة على جمع السوريين، جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو السياسية حولها، بحيث تكتسب شرعية تمثيلها لهم من خلال ثقتهم بها، وليس من خلال فرضها عليهم من قبل الآخرين.

  • اسم الكاتب: د.وليد البني
  • المصدر: كلنا شركاء
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة