خان الشيح.. مخيم البراميل المتفجرة

23.تشرين1.2014

يمر اسم خان الشيح في وسائل الإعلام، في معرض الحديث عن المناطق التي يستهدفها الجيش السوري في ريف دمشق، من دون إيضاحات عن هويته، وما حدث فيه ويحدث. وقلما يشار إلى أنه مخيم للاجئين الفلسطينيين، وفيما ينال مخيم اليرموك حظاً وافياً من التغطية الإعلامية والاهتمام السياسي، يُذكر خان الشيح على أنه مجرد بلدة في الغوطة الغربية.

وإذا كان إعلام "الممانعة" حريصاً على عدم الإشارة إلى خان الشيح مخيماً فلسطينياً، وهو الإعلام الذي يتلطّى دوماً خلف يافطات تبنّي القضية الفلسطينية ودعم المقاومة، فإن الإعلام المعارض لا يزيد عن التعامل معه كمنطقة جغرافية. ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينيتان لا تذكرانه، بتاتاً، في بياناتها، ولا حتى التنظيمات الفلسطينية غير المنضوية في المنظمة، أو المشاركة في السلطة، على اختلاف توجهاتها.

وتسليط الضوء على ما يحدث في خان الشيح مهمة ضرورية، لأهميته على خارطة المخيمات الفلسطينية في سورية، ولجسامة ما حدث ويحدث فيه. هو أحد أقدم المخيمات الفلسطينية في سورية، ومن أكبرها. أقيم عام 1948، غالبية سكانه من عشائر الجليل الأعلى، (25 كيلومتراً جنوب غرب دمشق)، ويبعد عن فلسطين المحتلة 60 كيلومتراً، يزيد عدد سكانه على 22 ألفاً، جلهم من الفلسطينيين، خلافاً لمخيمات يكاد يشكل السوريون نصف سكانها.

يعمل أهالي خان الشيح في الزراعة والتجارة والأعمال الحرة، مع نسبة تعليم وازنة، وقد انتسب أبناؤه إلى الفصائل الفلسطينية منذ نشأتها، وكان لحركة فتح نصيب الأسد من المناصرين، في حين شهدت السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً لحركة حماس. واستشهد كثيرون من أبناء المخيم في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، من أبرزهم الضابط في جيش التحرير الفلسطيني، العميد عطية عوض، أحد أبطال التصدي للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والذي اعتقله نظام الأسد الأب، في خضم الصراع مع قيادة منظمة التحرير في تلك المرحلة، من دون أن يكشف عن مصيره حتى الآن.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 ، بقي المخيم بعيداً عن الأحداث، فيما شهدت مناطق قريبة منه تظاهرات مناوئة للنظام، مثل جديدة عرطوز وعرطوز وقطنا وكناكر، إلا أن خان الشيح فقد سبعة من شبابه، استشهدوا برصاص الجيش الإسرائيلي، في مسيرتي العودة في ذكرى النكبة وذكرى النكسة في العام نفسه على الشريط الحدودي مع الجولان السوري المحتل. ومع انتقال الثورة إلى الطور المسلح، استقبل المخيم نازحين من المناطق المجاورة، ليشهد في صيف 2012 موجة نزوح كبيرة، تكاد تعادل نصف سكانه، إثر عمليات عسكرية في منطقة جنوب دمشق، ليستقبل في المدارس والبيوت والمزارع عائلات من اليرموك والحجر الأسود وسبينة والسيدة زينب. تلا ذلك أول وجود للجيش النظامي في المخيم، عبر نصب حاجز وتمركز دبابات وجنود وسط شارعه الرئيسي، وكانت مناطق قريبة قد بدأت تشهد نشاطاً عسكرياً، اعتمد على نازحي الجولان السوري المحتل، كما دخلت فصائل إسلامية في العمليات العسكرية التي كانت ترتكز على مهاجمة حواجز الجيش ونقاطه الثابتة.
" لم يمض وقت طويل، حتى بدأ المخيم يتعرض للقصف العشوائي الذي أسفر عن سقوط ضحايا ودمار وحركة نزوح متدرجة من داخله "

مطلع عام 2013، وبعد عمليات مباغتة للمعارضة المسلحة، انسحب الجيش السوري من المخيم، وشهدت المواقع العسكرية المجاورة هجمات للمعارضة، ما أدى إلى إغلاق طريق خان الشيح، واعتماد السكان على أوتوستراد السلام الموازي في تنقلاتهم. لم يمض وقت طويل، حتى بدأ المخيم يتعرض للقصف العشوائي الذي أسفر عن سقوط ضحايا ودمار وحركة نزوح متدرجة من داخله. وبعد أشهر قليلة، كان ثلاثة أرباع سكان خان الشيح قد غادروه، مع تطور قصف النظام، ليعتمد على إلقاء البراميل المتفجرة من الطائرات بصورة رئيسية، وقد طال هذا القصف الأموات بعد الأحياء، حين استهدفت المقبرة الغربية للمخيم، ما أدى إلى تحطم الشواهد ونبش القبور.

ربما كان خان الشيح من أكثر المواقع التي تتعرض للقصف بالبراميل المتفجرة في الأراضي السورية، وتبدو هذه الوحشية مستغربة، مع بقعة هي ليست من معاقل المعارضة المسلحة المهمة، ولا تملك أهمية استراتيجية. أدى هذا القصف العشوائي البربري إلى سقوط عشرات القتلى من المدنيين، وإلحاق دمار كبير في العمران، وخفف من وقع هذا القصف الطبيعة المنبسطة غير المكتظة للمخيم، وخلو أبنية كثيرة من السكان.

لم يتعرض خان الشيح لحصار فعلي، لكن النظام أغلق طريق أوتوستراد السلام في وجه أبناء المخيم، وهم الذين كانوا يعانون الأمرين من حواجز هذا الطريق، بدءاً من الإذلال إلى الاعتقال والموت تحت التعذيب (بلغ عدد القتلى تحت التعذيب من أبناء المخيم عشرات) إلى إطلاق النار العشوائي على السيارات العامة والخاصة، وما يسفر عنه ذلك من سقوط قتلى، أحياناً. وحين لجأ أهالي المخيم، أو من بقي منهم، إلى استخدام طريق بلدة زاكية الأطول، صارت حافلات نقل الركاب تتعرض لإطلاق النار والقصف من حواجز النظام التي واصلت عمليات الاعتقال التي لم توفر النساء وكبار السن.

لم يعرف خان الشيح تشكيل ميليشيات مسلحة موالية للنظام، كما حصل في مخيم اليرموك، كما لم ينخرط أبناؤه في كتائب المعارضة، وحافظ على حياد إيجابي، إلا أنه لم يسلم، أيضاً، من ممارسات عناصر غير منضبطة من الجيش السوري الحر، بدءاً بأعمال السلب والنهب، وانتهاءً بالمضايقات، وصولاً إلى تصفيات جسدية.

ليس لمخيم خان الشيح أهمية استراتيجية في العمليات العسكرية، فهو بعيد عن العاصمة، وما من مواقع عسكرية رئيسية فيه. ولم يكن يشكل تهديداً لأحد، كما أنه ليس طريق عبور لمقاتلي القنيطرة ودرعا نحو الغوطة الغربية، ولم تأت السيطرة عليه، في سياق خطةٍ عسكرية مدروسة، فبلدة دروشا المجاورة له بيد النظام، تليها بلدات أخرى جميعها بيد النظام، ولا تشكل حالياً بيئة حاضنة للمعارضة المسلحة، وصولاً إلى دمشق، وما من تواصل جغرافي مع المعقلين الأساسيين للمعارضة في داريا والمعضمية التي وقعت اتفاق مصالحة أخيراً، مع الإشارة إلى أن إمكانية التوصل إلى هدنة مع النظام، في خان الشيح، ضعيفة، كون المقاتلين المنتشرين فيه لا ينتمون إليه.

مخيم كان قائماً في خان الشيح في سبيله إلى الاندثار، معظم سكانه غادروه، لا إلى مناطق أكثر أمناً في دمشق ومحيطها فحسب، فهذه مجرد محطة، هناك من توجه إلى لبنان مؤقتاً، لكن النسبة الأكبر، وخصوصاً الشباب، تسلك طرق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بمراكب الموت أو على دروب الاعتقال، وفيما يتحطم مجتمع بكامله، لا نسمع صوتاً يدين، أو يوجه نداء استغاثة، لا من المنظمات الدولية والإنسانية، ولا من المعارضة السورية، ولا من "الممثل الشرعي الوحيد".

  • اسم الكاتب: عادل حسن
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة