قراءة من ناحية عسكرية للاتفاق "التركي الروسي" بخصوص إدلب

05.آذار.2020

يقال عندما تتحدث المدافع تسكت السياسة ... كان واضحا اليوم أن الحرب لازالت هي المتحدثة حيث تطلب التوصل لصيغة الحل القديم الجديد( اللاحل) جلوس قادة الدول منفردين دون مشاركة العسكر  ... بينما الواقع يقول إن القرارات في سوريا للعسكر أولا وأخيرا  ..

قادة الجيش التركي (والذي يعتبر مؤسسة لها هيئتها الاعتبارية) وجدوا أنفسهم داخل الأراضي السورية محاصرين بتسعة نقاط نتيجة لتفاهمات السياسيين في محور أستانا  . هذه النقاط تضم جنودا وعربات مدرعة ووسائط اتصالات.  لكنها غير مؤمنة بغطاء جوي وغير حصينة ضد ضربات المدفعية بأقل تقدير  ... عسكريا تلك النقاط هي جزء من الجيش التركي الذي وقع في الأسر  ..

بغض النظر عن التفاهمات السياسية واختلافاتها فقد شن الحلفاء الروس والايرانيون والنظام هجومهم العسكري بطريقة قضم المناطق بسرعة لاتبدوا مطلقا إلا بطريقة الضغط على الطرف التركي مستغلين حصار نقاطه السابقة إضافة لتكرار طلب الروس من الأتراك بضرورة إخلاء تلك النقاط وهذا مارفضه وزير الدفاع التركي أكار عدة مرات مشددا على أن بلاده لن تقبل بإعادة الانتشار وإن تلك النقاط بناء على تفاهم سياسي.

الرد التركي المفاجئ كان بالبدء بإدخال كم ضخم جدا من القوات البرية إلى داخل الأراضي السورية والأكثر غرابة كان انتشار تلك القوات على خطوط وقرى التماس وليس تجمعها ضمن نقاط أو معسكرات فقط وأيضا دون غطاء جوي وهذا مازاد الأمر تعقيدا وشدد على التساؤل الذي يستدعي من قادة الجيش التركي التضحية بكم ضخم من القوات البرية دون غطاء جوي.

ان ضرب مقر تتجمع به القوات التركية كان الحل الوحيد أمام القوات الرديفة للنظام والروس وذلك لزيادة الضغط على الجيش التركي وانسحابه من خطوط التماس لتلافي الاحتكاك البري المباشر أو لإعادة انتشاره على شكل نقاط كالسابق يمكن تجنبها وحصارها لتشكل عامل قوة إضافي لقوات روسيا.

رد الفعل التركي كان عسكريا بامتياز تجاوز تصريحات الساسة الاتراك بدليل قدرة القوات الجوية التركية على فرض حظر جوي فوق الشمال السوري انطلاقا من الأراضي التركية عن طريق مناوبة منظومة الدفاع الجوي باستخدام طائرات f16     بعمق يصل حتى ١٢٠ كم وعلى كافة الارتفاعات.

تزامن الرد التركي بالقضاء على عدد هائل من المدرعات وراجمات الصواريخ للقوات الرديفة لروسيا باستخدام منظومة الطائرات المسيرة التي كانت تعمل بجو شبه مثالي وكأن روسيا قد قدمت تلك القوات صيدا سهلا لها دون أن تقوم قواتها الجوية بأي رد فعل أو حماية تلك القوات في مشهد يظهر رخص تلك القوات عندما يتعلق الأمر باحتمال نشوب احتكاك مباشر بين القوات الروسية والتركية.

التساؤل الأكثر أهمية كيف تجرأت القوات التركية على البدء بعمليتها الجوية وتدمير كم هائل لقوات الاسد والمليشيات الرديفة له دون الخوف من ردة فعل تلك القوات على النقاط التركية المحاصرة ... للإجابة على هذا السؤال يظهر للجميع قدرة القوات الروسية على ضبط قوات الاسد وأعوانه وثقة الجيش التركي أيضا بهذه القدرة ..

باختصار لقد حاولت القوات الروسية اختبار قدرة الجيش التركي على رد الفعل وإلى أي مدى يمكن أن يتقدم في حال تم تجاوز المصالح التركية أو تهميش الدور التركي  .. لكن الإجابة كانت قاسية جدا وخاصة عندما بثت تركيا شريطا يظهر تدمير عربة بانتسر س١ وهي في حالة المناوبة القتالية باستخدام طائرة مسيرة .. هذا الإجراء كان من الممكن اخفاؤه عن الإعلام والتداول به على طاولة المفاوضات ليحقق الكثير من المكاسب التي يصعب تحقيقها .. لكن القرار التركي كان عسكريا واضحا بإظهار الجدية البالغة برد الفعل وأنه من غير المسموح المساس بهيبة الجيش التركي داخل متاهات السياسة.

الجدير بالذكر أن نظام بانتسير للدفاع الجوي صمم على قاعدة التنسيق الكهرطيسي مع منظومات اس ٤٠٠ وأحد أهم مهامه هي حماية أفواج اس ٤٠٠ من الصواريخ الجوالة والطائرات المسيرة  .. هذا الأمر قد يدخل الفنيون الأتراك في حالة إعادة النظر بالشروط الفنية الخاصة باختبار وتقييم منظومة اس ٤٠٠ الموردة لتركيا والتي ستستكمل باقي مكوناتها بنهاية نيسان القادم .وهل كانت خطوة التوريد صحيحة مقابل التخلي عن برنامج الطائرات الشبحية اف٣٥  أم لا . ربما ستكون لنتيجة التقييم أهمية بالغة في إعادة رسم خارطة التوازن العسكري في الجوار الإقليمي لتركيا واستقرار البنية العسكرية التي تقوم روسيا بإعدادها شرق المتوسط.

يعتقد الساسة اليوم إنه تم إعلان وقف لإطلاق النار .. لكني أعتقد أنه مؤقت بحال القرار العسكري .. الجيش التركي في حال تطور الأعمال القتالية سيستخدم ذخائر أمريكية تم التصريح عن إمكانية تقديمها مباشرة في حال الحاجة .. هذا لا يعني عجز تركيا عن تذخير نفسها إنما يعني زيادة الإمكانات القتالية لوسائط القوى الجوية التركية بصواريخ جو – جو متطورة بعيدة المدى بالإضافة لتأمين قاعدة بيانات في الزمن الحقيقي لأرض المعركة خارج حدود التماس تؤمنها وسائط السطع والقيادة والسيطرة الأمريكية في الشرق الأوسط..

فالمهمة التالية للجيش التركي من وجهة النظر الروسية هي إزالة التنظيمات الارهابية ( الذين يقاتلون اليوم بدعم مباشر من تركيا ) والمهمة التالية للقوات الروسية من وجهة النظر التركية هي إعادة المهجرين إلى بلداتهم (الذين هجرتهم روسيا وحلفاؤها بداية ودمرت بلداتهم ) في حدود سوتشي  .. بالإضافة لمهمة مشتركة بين الدولتين على الطريق الدولي شبيهة بتلك شرق الفرات.

بالنهاية حدث اللقاء الذي كان يرفضه بوتين  . وتحدث لافروف عن جنيف والقرار ٢٢٥٤ بحيث أنه لم يسبق له أن تحدث بمسار لحل الازمة السورية خارج استانا وتثبيت الاسد في الحكم على سوريا خلف الخط الأصفر الذي رسمه الضابط  له في مطار حميميم.

  • اسم الكاتب: النقيب المهندس فاتح عبيد
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة