ماذا يعني لقاء بوتين وإردوغان للأزمة السورية؟

12.آب.2016

في مذكراتها التي نشرت أواخر عام 2011، كتبت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عن العلاقات المتأرجحة بين الولايات المتحدة وروسيا، قائلة عن أحد لقاءاتها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «ذكرت نفسي ألا نقلل من قدرة الروس، سواء فيما يتعلق بالمساعدة التي يستطيعون تقديمها، أو الأذى الذي يمكن أن يسببوه».

تذكرت هذه العبارة بينما كنت أتابع تفاصيل الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هذا الأسبوع للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بهدف تحسين العلاقات وطي صفحة الأزمة التي اندلعت بين البلدين بعد إسقاط تركيا قاذفة حربية روسية قرب الحدود السورية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011. فإردوغان بمبادرته لزيارة بوتين، كان يدرك قطعًا حجم الأذى الذي يمكن أن يحدث جراء التوتر في العلاقات مع قيصر الكرملين، كما أنه ربما كان يضع إلى جانب الفوائد الاقتصادية من تحسين العلاقات، فائدة سياسية لتوجيه رسالة إلى أميركا والاتحاد الأوروبي في وقت تشهد فيه علاقاته مع الطرفين شيئا من الفتور والتوتر.

الرئيس التركي وأنصاره لم يخفوا غضبهم إزاء أميركا تحديدًا، وذهبوا إلى حد اتهامها تلميحًا وتصريحًا بالضلوع في المحاولة الانقلابية التي وقعت منتصف الشهر الماضي، وطالبوها بتسليم الداعية المناوئ فتح الله غولن، المقيم في بنسلفانيا، لمحاكمته بتهمة الخيانة، بعدما اتهموه وأنصاره بتدبير المحاولة الفاشلة. كذلك عبرت الحكومة التركية عن ضيقها من موقف الغرب الذي انتقد الاعتقالات الواسعة والإجراءات المتشددة التي شكلت أوسع عملية تصفية للخصوم في أجهزة الدولة في أعقاب إحباط المحاولة الانقلابية.

إردوغان ربما رأى في ترميم العلاقات مع روسيا فرصة لتوجيه رسالة إلى الغرب، لكن الدافع الأهم بالنسبة إليه من مد يده نحو بوتين كان بلا شك اقتصاديا. فالصادرات التركية إلى روسيا انخفضت بنسبة 61 في المائة منذ العقوبات التي فرضها بوتين على أنقرة ردًا على إسقاط القاذفة. كما أوقفت العقوبات المشاريع المشتركة بين البلدين، خصوصًا في مجال الطاقة، إضافة إلى وقف تدفق الأعداد الكبيرة من السياح الروس في وقت تعاني فيه السياحة التركية من انخفاض كبير في أعداد السياح الغربيين بسبب الهجمات الإرهابية.

بوتين من جانبه يحتاج إلى السوق التركية في مجال الطاقة، وإلى تعاون أنقرة لضمان مرور إمدادات الطاقة الروسية إلى الأسواق الأخرى، خصوصًا في أوروبا. كذلك فإنه مثل إردوغان يرى في ترميم العلاقات فرصة لتوجيه رسالة إلى الغرب الذي يفرض عليه حصارًا بسبب أزمة أوكرانيا.

إضافة إلى كل ذلك هناك ملف الأزمة السورية التي تتداخل وتتقاطع فيها العلاقات بين الطرفين، وبين أطراف إقليمية ودولية كثيرة. فأي حلول أو تسويات، أو تعقيدات لا بد أن تمر عبر تركيا، وروسيا تحتاج إلى تفاهم مع إردوغان، لكي لا يطول تدخلها العسكري ويتحول إلى ورطة مثل تدخلها في أفغانستان. فالتفاهمات التي توصل إليها وزيرا الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري تحتاج إلى ضمان تأييد أو تحييد تركيا، لكي يكون لها أي حظ من النجاح على الأرض.

وعلى الرغم من التباين الشديد في المواقف بين بوتين وإردوغان إزاء نظام بشار الأسد، فإنهما ربما يجدان فيما يصنفانه تحت عنوان «الإرهاب» مدخلاً للتعاون والتفاهم. فروسيا تتهم تركيا بدعم «الإرهابيين» في سوريا، وتقول إن أعدادًا من هؤلاء أتوا من الشيشان ومن جمهوريات سوفياتية سابقة، وبالتالي فإنهم يشكلون خطرًا على موسكو.

تركيا من ناحيتها تتهم موسكو بدعم حزب العمال الكردستاني التركي وحلفائه من أكراد سوريا، وترى أن وقف أي دعم سياسي أو عسكري من موسكو سيساعدها، خصوصًا في وقت تشتد فيه المعركة بين أنقرة والأكراد، وتواجه تركيا هجمات إرهابية متزايدة.

الموضوع السوري ذكر بشكل مقتضب في التصريحات والبيانات التي أعقبت محادثات بوتين وإردوغان، على الرغم من أنه حظي بحيز مهم، كما يبدو من انضمام مبعوث الكرملين الخاص للتسوية في سوريا إلى الاجتماع. وزير الخارجية الروسي أوضح جزءًا من المستور عندما قال: إن التطبيع الدائم للعلاقات بين موسكو وأنقرة سيعتمد على كيفية تعاونهما إزاء الأزمة السورية. وربما لهذا السبب أيضًا لم يرفع بوتين كل العقوبات عن تركيا بل قال: إنها سترفع «خطوة خطوة».

هل يعني هذا الأمر أن هناك تفاهمًا بين الطرفين، يكون امتدادًا لتفاهمات كيري - لافروف إزاء الأزمة السورية؟

بغض النظر عما تم أو لم يتم التوصل إليه في هذه المحادثات، فإن انشغال أميركا خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعركة الانتخابات الرئاسية، يجعل التوصل إلى أي تسويات في الملف السوري أمرًا مستبعدًا في الوقت الراهن مع كل ما يعنيه ذلك للشعب السوري المغلوب على أمره. لكن عندما تحين لحظة أو فرصة لتسوية في سوريا فإن أي تقارب أو تباعد بين روسيا وأنقرة ستكون له انعكاساته.. سواء بالمساعدة أو بالأذى.

  • اسم الكاتب: عثمان ميرغني
  • المصدر: الشرق الأوسط
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة