ديلي بيست: هكذا تمهد روسيا للأسد والنهاية الوحشية في سوريا

18.تشرين1.2019
بوتين والأسد
بوتين والأسد

متعلقات

نشر موقع "ديلي بيست" تقريرا للصحافي الاستقصائي جيريمي هوج، يقول فيه إنه بعد ثماني سنوات من الحرب الأهلية السورية، وموت مئات الآلاف من الناس، ونزوح نصف الشعب السوري، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليوفر الظروف الملائمة لنظام بشار الأسد لإعادة سيطرته على ثلث مساحة البلد، التي خرجت من تحت سيطرته منذ عام 2012.

ويقول هوج إنه "بدلا من إيقاف خصوم أمريكا عند حدهم، ستذكر رئاسة ترامب على أنها الرئاسة التي استطاع الأسد، أكبر قاتل في القرن، أن يستعيد من خلالها موقعه بصفته صاحب السلطة دون منازع، وهذا ما يتم حصوله فعلا على الأرض في وضع معقد بكل تأكيد".

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن الأخبار بدأت يوم الثلاثاء عندما قام الصحفي الروسي المؤيد للكرملين، أوليغ بلوخين، بنشر مقاطع الفيديو من قاعدة عسكرية أمريكية على أطراف ريف منبج انسحبت منها القوات الأمريكية، وخاطب مشاهديه قائلا: "صباح الخير لكم جميعا من منبج.. أنا الآن في القاعدة العسكرية الأمريكية التي كانوا فيها حتى صباح الأمس، ونحن أصبحنا الآن هنا (في مكانهم)، وسنقوم الآن بتفحص كيف كانوا يعيشون هنا، وبماذا كانوا يشتغلون، وما الذي كان يحصل هنا".

ويذكر الموقع أن بلوخين، الذي يعمل مع شبكة أخبار ANNA الموالية للكرملين، غطى في السابق عمل شركة التعاقد العسكرية الأمنية "واغنر"، في الوقت الذي كانت تدرب فيه المليشيات الموالية للأسد في شهر كانون الثاني/ يناير، ثم رافق الجيش الروسي والقوات الموالية للأسد في حملتهم الناجحة في آب/ أغسطس لاستعادة بلدة خان شيخون، والآن يقف متبجحا في قاعدة عسكرية أمريكية سابقة.

ويفيد الكاتب بأن وسائل إعلام أخرى موالية للأسد قامت بعدها بجولات شبيهة في قواعد أخرى تركها الجنود الأمريكيون، وكانت التقارير خلال يوم الثلاثاء تقول إن القوات الأمريكية انسحبت من موقعين آخرين شرق بلدة تل بيدر وقاعدة خراب عشق غرب عين عيسى، فيما هناك تقارير تشير إلى أن عائلات تنظيم الدولة المحتجزة في معسكر في عين عيسى قامت بإشعال حرائق في أنحاء المخيم كله في محاولة جديدة للفرار.

ويلفت التقرير إلى أن تغطية بلوخين كانت تحمل أهمية خاصة لسكان منبج، حيث كان يخبرهم بأن روسيا، الحليف الرئيسي للأسد، حلت محل أمريكا في شمال سوريا وأنها قادرة على التواصل مع الأطراف جميعها.

وينوه الموقع إلى أنه على مدى الأسبوع الماضي، بما في ذلك عدة أيام بعد إعلان ترامب الصادم بأن القوات الأمريكية ستنسحب من سوريا، بقي الجنود الأمريكيون من قاعدة السعيدية يسيرون في دوريات يومية في غرب وشمال ريف منبج، ما ساعد على منع قوات النظام من اتخاذ مواقع لها في المنطقة.

ويبين هوج أن ذلك أعطى أملا لأهالي منبج المعارضين للنظام -بأن تستطيع المؤسسة العسكرية الأمريكية إجبار الرئيس التركي على تبني حل وسط يسمح ببقاء القوات الأمريكية في المنطقة، حتى تستطيع القوات المدعومة من تركيا السيطرة- إلا أن تلك الآمال تبخرت يوم الثلاثاء، عندما انسحبت القوات الأمريكية، تاركة المجال أمام جيش النظام السوري والروسي لدخول المنطقة دون معارضة.

ويشير التقرير إلى أن قوات النظام والقوات الروسية قامتا في عين عيسى وتل تمر، الواقعتين على الطريق السريع M4، وهو الشريان الرئيسي في شمال سوريا، بإقامة نقاط تفتيش دائمة لضمان السيطرة على الطريق، خاصة في وجه الهجوم التركي القادم، لافتا إلى أن هذه التعزيزات ساعدت قوات سوريا الديمقراطية في السيطرة على ثلاث قرى من القوات الموالية لتركيا في المنطقة المجاورة مباشرة لتل تمر في وقت لاحق من تلك الليلة.

ويستدرك الموقع بأنه بالرغم من أن وصول قوات النظام أسعف قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن هناك ثمنا لذلك، فهذه الحركة ستفقد أي ضغط مستقبلي لها في أداء دور في مؤسسات الحكم المدنية لشمال شرق سوريا، مشيرا إلى أن الجناح المدني لقوات سوريا الديمقراطية أصدر بيانا توجيهيا للمجالس المحلية بالاستمرار بالقيام بواجباتها "كالسابق"، مؤكدا أن الاتفاق مع النظام لم يتعد كونه تحالفا عسكريا مؤقتا لحماية الحدود السورية.

ويرجح هوج ألا يبقى لقوات سوريا الديمقراطية، أو المجلس المدني الذي يمثلها، أو أي مؤسسة من مؤسسات "الحكم الذاتي" التي تدعمها، مستوى من الاستقلالية في وقت تزداد فيه حاجتها للاعتماد على النظام، مشيرا إلى أنه مع فشل المفاوضات الروسية التركية يوم الثلاثاء للتوصل إلى وقف إطلاق نار بين الفصائل، فإن ذلك الاعتماد سيزيد.

ويلفت التقرير إلى أن المفاوضات بين موسكو وأنقرة بدأت يوم الثلاثاء، بعد شجب الحملة التركية من مبعوث الكرملين الخاص لسوريا، أليكساندر لافرينتيف.

وينقل الموقع عن مصدر رفيع في الجيش السوري الحر في منبج، قوله لـ"ديلي بيست"، إن تركيا أمرت وكلاءها صباح الثلاثاء بوقف هجمومهم مؤقتا، في الوقت الذي يحاول فيه الطرفان التوصل إلى حل، وخلال هذا الوقت كان هناك العديد من المظاهرات المؤيدة للنظام في منبج، في الوقت الذي بعثت فيه قوات النظام عدة مدرعات إلى المدينة.

ويفيد الكاتب بأن المحادثات الروسية التركية جاءت بعد يوم واحد من تحذير صفحة "فيسبوك" لقاعدة حميميم الروسية لتركيا وحلفائها من "التصرف بتهور بدخول حرب مفتوحة مع القوات الحكومية"، الذي يزعم أنه نشر بعد أن توصل الروس إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية للسماح لقوات النظام والقوات الروسية بدخول كوباني ومنبج.

وبحسب التقرير، فإنه مع ذلك، وبالرغم من التحذيرات المتكررة، ومحاولة إجراء مفاوضات، فإن القوات المدعومة من تركيا قامت مع مساء يوم الثلاثاء بإعادة الهجوم، ما تسبب بفرار آلاف المدنيين من مدينة كوباني الحدودية؛ بسبب الهجوم التركي المتجدد على المدينة، في محاولة من القوات التركية لتسلم القاعدة التي غادرتها القوات الأمريكية بالقرب من المدينة، مشيرا إلى أنه بعد ذلك "قالت لنا مصادرنا العسكرية بأن هناك أوامر جديدة من أنقرة للعودة للعمليات في منبج مع الفجر".

ويجد الموقع أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بدا عندما تحدث إلى "رويترز" في العاصمة الأذربيجانية، باكو، غير آبه بالعقوبات التي فرضتها أمريكا على أنقرة، ولا بوصول تعزيزات لقوات النظام في المنطقة، ولا بالشجب الدولي للهجوم التركي، وقال أردوغان: "يقولون أعلن وقف إطلاق نار.. لن نعلن وقف إطلاق نار.. إنهم يضغطون علينا لوقف العملية، ويعلنون عن عقوبات، لكن هدفنا واضح ولا تقلقنا أي عقوبات".

وينوه هوج إلى أن الإعلام المحلي والناشطين قاموا بعد ذلك بوقت قصير بالإخبار عن غارات جوية تركية على البلدة الاستراتيجية "عون الدادات"، وهي موقع قاعدة عسكرية أمريكية شمال ريف منبج على شاطئ نهر الساجور، التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية.

ويذكر التقرير أن أحمد قالقالي، وهو ناشط ضد النظام، نشر تحذيرات لعائلات مقاتلي الجيش السوري الحر على عدة مجموعات "واتساب" بأن يتابعوا الأخبار، وقال: "أنصح أي شخص له أخ يقاتل إلى جانب الجيش السوري الحر بألا يبيت في منزله الليلة"، ملمحا إلى احتمال قيام قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية بمداهمات للبيوت، كرد فعل على الهجمات.

ويقول الموقع إنه بالرغم من الإصرار التركي على الاستمرار في القتال، فإن الأمور لا تسير في الواقع لصالح أنقرة ووكلائها، فبالرغم من التمكن من السيطرة على بلدة تل أبيض، إلا أن القوات المدعومة من تركيا لم تستطع دخول رأس العين بعد أسبوع من القتال تقريبا، حيث تمكنت هذه المدينة، التي عدد سكانها 30 ألف شخص، أن تقاوم بشدة وتمنع الاجتياح التركي، مشيرا إلى أن مدينة منبج، ذات المئة ألف نسمة، ستحتاج إلى جهد أكبر وإرادة سياسية أكبر لاحتلالها.

ويذهب الكاتب إلى أنه مع أن العقوبات الأمريكية ستعيق أنقرة في شن حرب على قوات سوريا الديمقراطية، إلا أنه من غير المتوقع أن تدفع هذه العوامل إلى إنهاء أردوغان حملته، فهناك ضغط محلي لإقامة منطقة آمنة لإعادة توطين اللاجئين السوريين، الذين أصبحوا يشكلون عبئا على الاقتصاد التركي، يهدد بزعزعة استقرار حكومته.

ويرجح التقرير أن يترتب على ذلك حملة بطيئة ستطول مدتها لنحت منطقة آمنة في منبج، وعلى امتداد الحدود التركية مع سوريا، مستدركا بأن النظام السوري سيستغل هذا التأخير لتحقيق مكاسب بصمت، وينشر قواته في المنطقة، ويستغل خوف قوات سوريا الديمقراطية من تهديد القوات التركية للحصول على المزيد من السلطة في شمال شرق سوريا.

ويقول الموقع إن تمدد قوات النظام السوري لا يبدو أنه يقلق الرئيس التركي، ما دامت لا تختلط بقوات سوريا الديمقراطية والعناصر الكردية، وقال متحدثا للمراسلين في باكو: "دخول النظام إلى منبج ليس سلبيا بالنسبة لي، لماذا؟ إنها بلدهم.. لكن المهم ألا تبقى المنظمات الإرهابية هناك.. أنا قلت هذا للسيد بوتين أيضا، فإن كنت ستقوم بتطهير منبج من المنظمات الإرهابية فتفضل.. لكن إن لم تكن ستفعل ذلك، فالناس هناك يقولون لنا أنقذونا".

ويعلق هوج قائلا إن "مثل هذه التصريحات من رئيس دولة كان لمدة ثماني سنوات مؤيدا متحمسا للثورة السورية للإطاحة بالأسد، تشير إلى مدى التغير في الحسابات الدولية بخصوص القضية السورية، وهذا قد يشجع نظام الأسد على القضاء على قوات سوريا الديمقراطية إن كان فعل ذلك سينهي تدخلات الجارة تركيا، وقد يتم هذا في اتفاق أوسع، إن وافقت تركيا على مغادرة إدلب، حيث هيئة تحرير الشام والجيش السوري الحر".

ويختم "ديلي بيست" تقريره بالإشارة إلى أن تصريحات أردوغان جعلت من الواضح أنه بعد قرار ترامب سحب القوات الأمريكية، فإن الأوراق أصبحت في يد نظام الأسد وحليفه الروسي.

  • المصدر: عربي 21

الأكثر قراءة