الأسد لروسيا: "إلحقوني"!

02.نيسان.2015

تأتي دعوة بشار الاسد لروسيا من أجل توسيع دائرة إنتشارها العسكري إلى السواحل السورية، ضمن سياق التغيرات التي بدأ يتلمسها الأسد في المنطقة؛ وخاصة على وقع (عاصفة الحزم) التي أطلقتها عشر دول عربية وإقليمية ضد واحدة من حلقات نفوذ إيران وأذرعها.
ومن مكر التاريخ أن تتزامن هذه العاصفة مع تطورات ميدانية في سورية على أكثر من جبهة، بعضها انتهى بحصائل دامية في جسد الأسد الممزق، كما في بصرى وإدلب، وبعضها الأخر ينذر بتطورات دراماتيكية خطيرة، كما في القلمون وريف حمص الشرقي وحلب، في مؤشر واضح على مدى انهيار بنية الأسد وحلفائه العسكرية، ونفاذ قدرتها على المواجهة جراء اهتراء مفاصلها واستنزافها المديد.

لكن دعوة الأسد لروسيا تنطوي على تقديرات بخصوص الدور الإيراني والتوجهات الجديدة في المنطقة، إذ ليس بخافيا نشوء توجه إقليمي لتعديل ميزان القوى في المنطقة، وهذا التوجه تقوده بعض المراكز الإقليمية الوازنة في مواجهة صريحة للنفوذ الإيراني، ومن المقدر ان تكون له ترجمات على الأرض، في محاولة استباقية من هذه القوى لتجريد التفاهم الإيراني الأمريكي من أية مضامين سياسية قد تنعكس على المنطقة، وهو ما فسره المراقبون على أنه مسعى لفرض معطيات إستراتيجية جديدة تعيد صياغة المشهد الإقليمي من جديد وتخلط الأوراق بشكل لا يمكن لإيران وأميركا توظيفه لصالحهما والاستفادة منه.

لقد أظهر هذا الحراك الإقليمي هشاشة النفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة عبر محاصرة أحد أذرعها وقطع أي إمكانية لتواصل لوجستي معه وعزل كل تأثير إيراني محتمل في اليمن، غير أنه أظهر بشكل أكبر أن إيران نفسها تنطوي على ضعف إستراتيجي خطير يتمثل بجغرافيتها الهشة والقابلة للحصار من ثلاثة إتجاهات، االشرق الباكستاني والغرب التركي والجنوب الخليجي، بما يلغي كل أوراق قوتها ويقيدها من الوصول إلى الميادين والبحار التي طالما ادعت وصول نفوذها اليها، حيث بلحظة تبخّر وجودها في (باب المندب) ولم تعد تملك غير مضيق هرمز الذي يقع بين كماشتي (عربستان) و(بلوشستان) اللتان بدأتا تشهدان نذر إنتفاضات أهلية.

لا شك أن الأسد الذي راقب كل هذه الوقائع، وكان قبلها يلمس حرارة النيران الأتية من جبهات الثوار وعجز قوة إيران عن وقف إندفاعة الثوار، لا شك أنه أيقن أن القوة الإيرانية لم تعد مضمونة وأن الإعتماد عليها وحدها في ظل هذه المتغيرات المتسارعة هو نوع من المقامرة، وعليه فقد سارع الاسد إلى دعوة الإعلام الروسي ليفجر هذه المفاجأة.

اعتمد الأسد في طرح دعوته تلك على تكنيك يقوم على تحميس الرأي العام الروسي عبر إغراء روسيا والتأكيد على حقها بأن يكون لها نفوذ على البحر المتوسط، وطرح نفسه كقائد له توجهات إستقلالية في محاكاة واضحة للبروبوغندا الرسمية الروسية عن توجهات قيادة الكرملين وشخصية فلاديمير بوتين، بل ذهب أبعد من ذلك عبر تصوير نفسه على أنه جزء من الثقافة الروسية والنزعة الوطنية التي تدعو لمواجهة الغرب والتعامل معه بشكل ندي، وفي كل ذلك كان يرمي الأسد إلى تحويل أزمته إلى جزء من المشكلة الروسية مع العالم والإندماج تاليا ضمن منظومة الأمن الروسية، وتحديدا في دائرة الأمن الحيوي منها، غير أن الهدف الأبعد كان إحراج الكرملين وتلزيمه أمن النظام فيما يبدو أنه إستشعار لمخاطر صفقة ربما تفكر روسيا في إنجازها على حسابه.

ليست خافية أهداف الأسد من وراء هذا الجهد، إذ بحساباته، فإن النفوذ الروسي واستدعاء حضوره العسكري، من شأنه أن يؤمن له مظلة حماية تقيه من أي تحالف إقليمي، ذلك أن الوجود الروسي سيزيد تعقيدات الحرب في سورية ويهدد بتحويلها الى أزمة عالمية كبرى ما يشكل رادعا أمام القوى الإقليمية من أي تحرك ضد نظام الأسد.

هل ستنجر روسيا إلى هذا الإغراء التكتيكي؟
الوقائع تشير إلى أن روسيا تركز بدرجة كبيرة على بعض المصالح الاقتصادية، مثل توقيعها على عقود للتنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، مع ملاحظة أن هذه العقود لم يجرِ تفعيلها والعمل بها بعد، ربما أن روسيا تريد فقط تسجيل الاستثمار باسمها، بصرف النظر عن التحولات التي قد تطرأ على المشهد السوري، وربما لأن روسيا تواجه مشاكل إقتصادية، في ظل إنخفاض أسعار النفط والغاز، تجبرها على تأجيل العمل بمشاريع جديدة، لكن الأكيد أن روسيا الغارقة بمشاكل عديدة في غلاقها الجغرافي لن تكون متحمسة للحضور العسكري في سورية بالشكل الذي يريده الأسد، وهي لو أرادت ذلك لما انتظرت دعوتها من الأسد، أن تورّد روسيا سلاح تدفع ثمنه إيران من خزائن العراق شيئ وأن تتورط مباشرة بالحرب شيئ أخر، لكلا الامرين حساباتهما المختلفة، وصرخة الأسد ستضيع في بحر الإنشغال الروسي العميق وبالكاد يسمع صداها أحد خارج نطاق البعثة الإعلامية التي زارته في مخبأه.

  • اسم الكاتب: غازي دحمان
  • المصدر: أورينت
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة