البعد الدولي لربيع سوريا

25.كانون2.2017

كیف تحولت أزمة الربیع السوري بالذات من بین أزمات دول الربیع العربي إلى أسوأ حرب وكارثة إنسانیة في القرن الحادي والعشرین؟

بالرغم من أن النظام الوحشي في سوریا والثوار وطبیعة الجماعات المسلحة لھم دور فیما یحدث في سوریا، فإن الدور الداخلي لھذه الأطراف یبقى ثانوياً في قصة الربیع السوري. السبب یعود إلى أن قصة أزمة الربیع في سوریا – بخلاف أزمات دول الربیع العربي الأخرى –ھي جزء من قصة النظام العالمي الذي یمر بأزمة أكبر. تأثیر أزمة النظام العالمي على سوریا بالذات یأتي بقدر موقعھا وأھمیتھا الاستراتیجیة. روسیا، إحدى الدول العظمى التي تلعب الدور الرئیسي في تشكیل ھذا النظام. بدأت علاقة الدولة العربیة الحدیثة بالنظام العالمي مع بدایة استقراره على قواعد الحرب الباردة. فمنطقة الشرق الأوسط كانت ومازالت أحد أھم میادین المنافسة العالمیة على النفوذ والسیطرة. لذا عندما انتھت الحرب الباردة بانھیار الاتحاد السوفیتي سیاسیا واقتصادیا في 1991م، لم تنته معھا علاقة أميركا وروسیا بدول المنطقة. ففي الوقت الذي رأت روسیا أن طریق العودة لسابق مجدھا یمر بالشرق الأوسط، رأت أميركا أن من الضروري تھیئة المنطقة بالشكل الذي یخدم استمرارھا كقوة عظمى منفردة بالسیطرة.

ولكن أميركا لم تستثمر نجاح أیدیولوجیتھا السیاسیة في الحرب الباردة. فبدلا من عمل ما كانت تبشر وتدعو له طوال الحرب الباردة من دعمٍ لفرص السلام والمساواة واحترام حقوق الإنسان، تخلت عن ھذه المبادئ وارتكبت الكثیر من أخطاء الاتحاد السوفیتي التي ساھمت في سقوطه، فاحتلت أفغانستان التي ساھمت في تحریرھا من احتلال الاتحاد السوفیتي، واحتلت بعدھا العراق، وانجرفت في تدخلات عسكریة وانتھاكات لحقوق الإنسان أدت بھا إلى التراجع سیاسیا واقتصادياً وأخلاقیاً عن المكانة التي حققتھا.

وجاء الرئیس باراك أوباما في 2009م بشعار تغییر ھذه الحالة المتردیة. ولكنه أخطأ في استراتیجیة التغییر التي انتھجھا. حیث اعتقد بأن عكس اتجاه السیر سیعید أميركا إلى مكانتھا السابقة. فقام بسحب قواته من أماكن انتشارھا حول العالم قبل نھایة مھامھا، وتجاھل الحلفاء الاستراتیجیین لأميركا وقرب أعداءھا. ولم یكتفِ أوباما بتجاھل أزمات الربیع العربي فحسب، بل منح إیران تأشیرة الدخول إلى العراق وسوریا، ودفع تكالیف مغامرتھا التوسعیة بفك تجمید 1.7 ملیار دولار من أرصدتھا المجمدة منذ 1979م. لقد ضحى أوباما باختلال موازین الأمن الإقلیمي والعالمي لوقف بعض نزیف الموارد الأميركیة، ولكن استراتیجیته فشلت في إعادة أميركا لمكانتھا السابقة لأنه من الصعب أن تقود النظام العالمي وأنت في عزلة عنه.

وفي ھذه الأثناء جاء بوتین الذي یطمح لإعادة روسیا إلى سابق عھدھا واستعادة ما أخذته أميركا منھا من نفوذ حول العالم. وبما أن الأیدیولوجیة السیاسیة لم تعد الأداة الأقوى ارتكزت استراتیجیة بوتین على استعادة المنافذ البحریة المھمة التي تسمح بنشر القوات بسرعة وتستخدم كنقاط لمد خطوط أنابیب الغاز والنفط الذي یعتمد علیه اقتصاده. فبدأ في 2014م بضم جزیرة القرم الغنیة بالغاز والنفط والتي یعتبر میناؤھا سیفاستوبول نقطة انتشار مھمة للقوات البحریة لتغطیة البحر الأبیض المتوسط. كما أن سیفاستوبول یرتبط تاریخیا بأمجاد الاتحاد السوفیتي، فلم یستعد الاتحاد السوفیتي مكانته كدولة عظمى إلا بالاستیلاء علیه في 1878م ولا یزال ھو المقر الدائم لأسطول البحر الأسود الروسي.

استیلاء بوتین على جزیرة القرم كان اختبارا مھما لردة فعل المجتمع الدولي على استراتیجیته. فمع انشغال أوروبا بشؤونھا الداخلیة واستمرار عزلة أميركا اتضح لبوتین أن بإمكانه الاستمرار في التوسع. وبدت سوریا التي تعتبر الخیط الوحید الذي یربط روسیا بالمنطقة كفرصة ذھبیة للعودة لبسط النفوذ الروسي في إحدى أھم مناطق العالم. فعاد بوتین إلى إحیاء قاعدة عسكریة روسیة قدیمة في طرطوس التي لا تقل أھمیة له عن سیفاستوبول. ففضلا عن أن روسیا ترتبط بعقود استثمار في الطاقة على سواحلھا، تعتبر طرطوس نقطة استراتیجیة مھمة لقربھا من قناة السویس ومضیق البوسفور وتسمح بانتشار القوات البحریة للبحر الأحمر والمحیط الأطلسي. تدخل بوتین في سوریا في 2015م كان محسوباً بدقة وجاء متوافقا مع استراتیجیته لاستغلال سیاسة أوباما الانعزالیة للعودة للمنافسة. فلم ینضم بوتین للتحالف الدولي ضد داعش، وفضل أن یحاربھا في المكان والزمان المناسبین لاستراتیجیته. لذلك سمح لداعش بالدخول لسوریا وحاربھا بالقدر الذي یضفي غطاء "الحرب على الإرھاب" على روایته عن التدخل في سوریا. وكثف ضرباته الجویة على مواقع الثوار السوریین ممھدا الطریق للمیلیشیات الإیرانیة والسوریة التي لم یكن باستطاعتھا تغییر الموازین وحدھا. وقد زادت وحشیة العملیات الروسیة عند اقتراب نھایة ولایة الرئیس أوباما، فسقطت حلب بكامل ما فیھا من ثوار ومدنیین في أسوأ كارثة إنسانیة في القرن الحالي.

قصة ربیع سوریا لیست قصة سوریة داخلیة فحسب، بل قصة نظام عالمي اختل توازن القوى فیه لتستغل الفرصة بعض القوى لتحقیق طموحاتھا التوسعیة بینما البعض الآخر من القوى بین منشغلٍ بالمحافظة على بقائه وغیر مستوعبٍ بعد لحجم التغییر. ابتعاد قوة مؤثرة مثل أميركا عن المشھد أثر على سلوك الكثیر من الدول التي تحاول أن تتوسع وتأخذ مكانھا قبل استقرار النظام العالمي مرة أخرى. والآن وبقدوم إدارة أميركیة جدیدة تحمل شعار "إعادة أميركا لعظمتھا مرة أخرى" یبقى السؤال: ھل سیتمكن الرئیس دونالد ترامب من إعادة أميركا لمكانتھا القیادیة؟ وعلى حساب من؟ قد یكون من السابق لأوانه التنبؤ بذلك ولكن من المؤكد أن تكملة قصة الربیع السوري لن تعتمد على العوامل الداخلیة والإقلیمیة بقدر ما تعتمد على طبیعة العلاقة بین الإدارة الأميركیة الجدیدة وروسیا والتي ستشكل طبیعة النظام العالمي للسنوات القادمة.

  • اسم الكاتب: سعد السبيعي
  • المصدر: العربية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة