الرياء الاعلامي الذي حوّل الثورة عن مسارها

27.آب.2016

مما لا شك فيه أن للحرب الإعلامية والتصوير دور كبير في الثورة السورية ونهوضها، والتي أوصلت معاناة الشعب السوري الثائر لكل العالم، وأعطت دفعاً كبيراً لتشجيع الثوار ورفع المعنويات من خلال تصوير المعارك وبثها عبر مواقع التواصل، أيضاً من شأنها إدخال الرعب لدى العدو المتمثل بنظام الأسد وحلفائه، ممن حاولوا مراراً استخدام ذات الحرب لإرهاب الشعب السوري وإخافته بالدبابات والصواريخ والطائرات، وعبر الأقنية الإذاعية التي استخدموها في حرب الشعب الثائر.


كما لعب التصوير والعمل الإعلامي دور كبير في توثيق جرائم النظام السوري الذي سعى دائماً ومازال لإخفاء كل آثار الجريمة التي يرتكبها، بل وتلفيق اتهامات مغلوطة وإلباسها لغيره كمجازر الكيماوي وغيرها من المجازر التي يتهم الثوار تارة بارتكابها وتارة تنظيم الدولة، طبعاً بعد التمهيد الإعلامي بأن الثوار والتنظيم باتوا يمتلكون هذه الأسلحة، والأمثلة كثرة من ذلك الشاهد الأكبر عليها مجازر الثمانينات بحق الألاف في مدينة حماة والتي غابت عن توثيقها عدسات الكمرات وضاعت حقوق الألاف بعدها.


ومع تقدم سنين الثورة وتطور العمل الإعلامي دخلت تقنيات حديثة وعديدة على مستويات عدة من التجهيزات والأنواع المختلفة من الكاميرات ومعدات التصوير حتى وصلت لطائرات مسيرة عن بعد وكاميرات توضع على الراس وتقنيات مختلفة، ساعدت بشكل كبير في توثيق الأحداث الميدانية والمجازر والمعارك بشكل أكبر وبتقنيات متطورة جديدة، أضف على ذلك رواج العمل الإعلامي بشكل كبير وكثرة الناشطين المحدثين، ممن لا يتقنون استخدام هذه التقنيات لأغراضها الأساسية، أو ممن لا يملكون الخبرة عن أهمية العمل الإعلامي وكيفية توجيهه لخدمة الثورة والثوار.


ونظراً للانتشار الكبير للأنترنت ومعدات العمل الإعلامي، أيضاً كثرة الوكالات الإعلامية المحدثة، بات العمل الإعلامي أمام مطبات كبيرة وخطيرة حولته عن هدفه الأساسي في المعركة الحالية ضد النظام، لتغدو الكمرة وسيلة للرياء الإعلامية وإظهار الذات، فتارة يأخذ السيلفي في مكان عمله ونومه ومأكله ومشربه وحتى فوق جثث الضحايا، يثبت لأصدقائه عبر مواقع التواصل أنه كان هنا، وأنه في قلب الحدث، فغدت الكاميرة وسيلة لخدمة نفسه بدل أن تكون لخدمة الثورة ككل.


أيضاً انتشرت صور السيلفي بشكل كبير في أوساط الجمعيات الإغاثية، فباتت آهات وعذابات الفقراء باباً لالتقاط صور السيلفي وإظهار الذات والترويج للجمعية الفلانية "صورني وأنا عم أعطيه 50 دولار" والطفل لاحول له ولا قوة دفعته الحاجة لتقبل الموقف وقد لا يكون طفلاً بل شيخاً كبيراً أو امرأة لم يجرؤ على الاعتراض خوفاً من أن يحرم من هذه المنحة التي قد لا تسد رمق عائلته ليوم واحد.


صور يومية وكثيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تستعرض أطفال أو كبار في السن من رجال ونساء وقد مزقتهم شظايا الصواريخ وانتهكت حرمة بيتهم وحولته لرماد، وفي ظل هذا المنظر المؤثر الذي يدمي القلوب تجد عدسات الكاميرات أكثر بكثير من المسعفين بل قد يصور الناشط هذه الحالة وتلك ويتجاوزها ليصور غيرها من حالات دون ان يقدم لها يد العون أو يساعد في إسعافها، حتى بات هذا المشهد متداول بكثرة في عشرات بل مئات الحوادث، فالتوثيق للجريمة مطلوب ولكن ليكن لدينا قليلاً من الإنسانية في التعامل مع هذا المشهد، قليلاً من الوعي الإعلامي لعدم إظهار صورة تلك الأم الثكلى وهي تبكي وليدها وزوجها، تلك المحجبة التي لم تعد تعرف أين ذهب حجابها وباتت وسط الجموع، تلك التي تحاول أن تبحث عنه روح حياة بين ركام منزلها، لتواجهها عدسات الكاميرات تتربص حالتها بكل لقطة، لأن في هذه اللقطات العفوية أمولاً أكثر تدر عليهم من الوكالات الإعلامي لاسيما الأجنبية منها.


هذه القضية وانتقال العمل الإعلامي من صورته السامية في نقل الواقع وتوثيقه، إلى الرياء وإظهار الذات والمتاجرة بقضية الأمة، تتطلب وعياً إعلامياً وجهود كبيرة لتصحيح المسار، يبدأ من ذاتنا فرداً فرداً وينتقل للأخرين ليعمم على الجميع، ويغدو الناشط ناشطاً يوثق الحدث في مجاله، ويبتعد الشيخ عن العدسات ليلازم منبره وساحات القتال التي تحتاج لرفع الهمم لا لالتقاط صور السيلفي هنا وهناك توثق نفسه وحركته وحتى نومه، ويعود العمل الإعلامي لسابق عهده الذي وجد بالفطرة ودون خبرة إلا أنه كان نقياً طاهراً من كل الشوائب التي تعلقت فيه بفعل الاستخدام الخاطئ والذي أوصلنا لدرجات متدنية من المهنية.

  • اسم الكاتب: أحمد نور

الأكثر قراءة