دور المعاهدات في محاربة داعش: سورية وايران مثالا

20.تشرين1.2014

في مقالتي السابقة ذكرت: ((وميدانياً وصلت الحرب مرحلة التعادل مع استمرار عملية القتل الجماعي دون احراز الانتصارات سوى الجزئية منها.)) دون الاشارة الى الاسباب الموضوعية لاستمرار الحرب ضد التحالف الداعشي. وهنا اجد الضرورة لشرح دور الاتفاقيات الدولية القائمة التي تلعب دوراً مهماً في هذا الخصوص:
اولاً: – في 16/6/2006 ، اي قبل الحرب الاهلية في سوريا بسنوات، وقعت ايران مع سوريا اتفاقية عسكرية ضد الخطر المشترك على الدولتين. بموجبها تستطيع ايران ارسال جيوشها النظامية الى سوريا للدفاع عنها من اي تدخل عسكري من قبل تركيا او من اية دولة اخرى. وفي 27/9/2014 صرح الرئيس رجب طيب اوردوغان ان (( القوات التركية قد تساهم في انشاء منطقة أمنة في سوريا في حالة قرار دولي على اقامة ملاذ آمن لللاجئين الذين يفرون من مقاتلي الدولة الاسلامية.)) واضاف: ((ان العمليات الجوية لن تكف في القضاء على داعش… لا يمكن القضاء على مثل هذه المنظمة الارهابية بالغارات الجوية وحدها … ان القوات البرية تلعب دوراً تكميلياً ويجب النظر للعملية كوحدة واحدة. )) اي انه اعلن عن استعداده لشن هجوم بري على جارته الجنوبية (( وذلك لاسقاط حكومة بشار الاسد التي فقدت شرعيتها.))
رداً على هذه التصريحات لاوردوغان اعلنت وزارة الخارجية السورية في 3/ 10/ 2014 عن اعتبار اي تدخل تركي عسكري في سوريا عدواناً عليها. ثم اكد عبد اللهيان، نائب وزير الخارجية الايراني، في 9/10/2014 على هذا الاعلان حين صرح ان حكومته (( انذرت تركيا بالعواقب الوخيمة اذا اخترقت القوات التركية الحدود السورية.)) واعاد تحذيره بعد يومين في اجتماع في مؤسسة الدراسات الاستراتيجية في طهران. وبالطبع انه يبعث بهذه التحذيرات القوية ليذكر اوردوغان بنصوص معاهدة الدفاع المشترك لحكومته مع سوريا.
وفي 15/10/2014 تابعت وزارة الخارجية السورية بقولها ((إن المحاولات التركية لإقامة منطقة عازلة على الأراضي السورية تشكل انتهاكا سافرا لمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة ولقواعد القانون الدولي التي توجب احترام السيادة الوطنية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما تشكل انتهاكا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بمكافحة الإرهاب وضرورة تجفيف منابعه ولاسيما القرارات 1373-2170-2178 ما يتطلب من المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمن التحرك السريع لوضع حد لانتهاكات الحكومة التركية التي تشكل تهديدا للأمن والسلم الإقليمي والدولي. )) اي ان الحكومتين السورية والايرانية تركزان على قرارات مجلس الامن والاتفاقات الشرعية بين الدولتين للرد على تركيا، لا لتهديدها فحسب بل لاظهارها بانها تعمل على تهديد سورياً خرقاً للطرق الشرعية التي تنظم العلاقات الدولية.
ثانياً:- في 8/10/1980 وقعت الدولة السوفياتية معاهدة السلم والصداقة مع سوريا. يشير البند السادس منها الى قيام الطرفين الساميين بالعمل المشترك لازالة الخطر على امن احد الطرفين. وبموجب هذه المعاهدة انشأ الاتحاد السوفياتي قاعدة عسكرية في ميناء طرطوس والتي بدونها لا تستطيع البوارج الحربية الروسية الدخول الى البحر المتوسط بسهولة. وبموجبها ايضاً قررت حكومة بوتين تجهيز سوريا بصوارخ ايس 300 المضادة للهجوم الجوي، وذلك بالرغم من توسلات نتنياهو في سفرته الى موسكو لاقناع الحكومة الروسية على تبديل قرارها المؤذي لاسرائيل.
رداً على التهديدات الفارغة للولايات المتحدة حول ضرورة محاربة داعش باستخدام المعارضة السورية ((المعتدلة)) اكد لافروف، وزير الخارجية الروسي في هيئة الامم المتحدة في 27/9/2014 ، اي في نفس اليوم الذي نطق اورغان بتصريحاته المدونة اعلاه، على (( ان محاربة الارهاب ينبغي ان تكون وفق القانون الدولي وان الولايات المتحدة تعتبر نفسها بطلة الديمقراطية وسيادة القانون وترفض المساواة بين سيادة الدول حسب ميثاق الهيئة .. وانها تحاول ان تقرر نيابة عن الجميع ما هو الخير وما هو الشر وترفض التعاون مع حكومة بشار الاسد في سوريا باعتباره ((يفتقد الشرعية)) وانها تستخدم القوة من جانب واحد في اي مكان في العالم واصبح التدخل العسكري هو القاعدة …الخ.)) وكل هذا تلميح بأن العدوان على سوريا او التدخل في شؤونها الداخلية دون موافقة بشار الاسد قد يحث الدولة الروسية ان تتحضر لتطبيق نصوص اتفاقيتها مع سوريا والاحتفاظ بطرطوس. وفعلاً بعثت روسيا عدداً من سفنها الحربية لترسو في طرطوس ترقباً لأي عدوان .
ثالثاً: – قبل الثورة السوفياتية باكثر من عشر سنوات وقع القيصر الروسي في 31/8/1907 معاهدة مع بريطانيا  The Anglo -Russian Convention
تستطيع روسيا بموجبها السيطرة ، في الحالات الضرورية، على القسم الشمالي من ايران ، حيث تقع طهران، في حين تستطيع بريطانيا السيطرة على الجنوب الشرقي منها، مع منطقة محايدة في الوسط. وبموجب هذه المعاهدة، مثلاً، احتلت الحكومة السوفياتية ، اثناء الحرب العالمية الثانية، شمال ايران. وفعلا اقيم مؤتمر بين جوزيف ستالين وتشرتشل وروزفيلت في طهران في 28/11/1943. وبعد الثورة الايرانية سنة 1979 الغت الحكومة الايرانية الجديدة هذه المعاهدة مع بريطانيا دون الغائها مع الاتحاد السوفياتي. ومازالت المعاهدة نافذة المفعول حتى كتابة هذه المقالة. فاي هجوم على ايران يعطي الحق لروسيا لتسيطر على النصف الشمالي منها. فحين تهدد امريكا او اسرائيل بالهجوم على ايران انهما تدركان سريان نصوص هذه الاتفاقية.
رابعاً:- ومن الجهة المقابلة ترتبط تركيا عسكرياً بحلف الاطلسي وان اي هجوم عليها من قبل ايران او روسيا يعطي الحق للحلف ان يتدخل للدفاع عنها. في الحقيقة اعتدى الجيش التركي (المسلم السني) على طالبان في افغانستان بموجب نصوص هذا الحلف. فالاتفاقات العسكرية مع المستعمرين بالنسبة لتركيا اهم بكثير من التوافه الدينية او الطائفية.
اذن يدرك جميع المهتمين بالحرب الداعشي بعدم امكانية دخول تركيا او امريكا عسكرياً في سوريا الا بموافقة حكومتها، وذلك بالرغم من تصريح مارتن دمبسي، قائد الجيش الامريكي، في 26/9/2014 بالحاجة الى (( 12الفاً الى 15 الف من المشاة لاستعادة الاراضي التي احتلها مقاتلو تنظيم الدولة الاسلامية في شرق سوريا,)) ولكنه اكد بصريح العبارة انه يقصد (( الخمسة الاف من مقالتلي المعارضة السورية)) الذين يقوم الضباط الامريكيون بتدريبهم حالياً. ولكون هذا العدد غير كاف لأنه يعادل فقط ثلث العدد المطلوب، اكد اوباما ان الحرب ضد الدولة الاسلامية ستطول لثلاث سنوات وان تحرير الموصل يحتاج الى سنة من التحضير والتدريب.
كل هذه التصريحات تؤكد على عدم تدخل امريكا بصورة جدية في الحرب عن طريق ارسال الجيوش البرية او (المارينز) لاحتلال سوريا. وكما هو مذكور اعلاه فان التدخل البري التركي سيؤدي الى اتساع الصراع القائم الى الحرب بين روسيا وحلف الاطلسي.
تشير كل هذه الحقائق الى استمرار الحرب الحالية ضد داعش في العراق وسوريا دون ان تتدخل فيها الدول العظمى ولا حتى ايران او تركيا بصورة واضحة. ولهذا يلاحظ المراقبون عدم تأثير القصف الامريكي على سير المعارك ويعتبره البعض بأنه لا يتعدى السخرية. ولهذا ايضاً صرح وزير الخارجية الامريكي جون كيري ان الدفاع عن مدينة كوباني في اقصى الشمال السوري ليس همّ ستراتيجي بالنسبة لامريكا. من الجهة الاخرى ان تصريح الرئيس الروسي ميدفيديف في 15/10/2014 بـ (( أن امريكا لم تعد مصرة على رحيل الاسد. )) وهجوم نائب الرئيس بايدن في محاضرته في جامعة هارفرد، مساء 4/10/ 2014، على رؤساء تركيا والسعودية والخليج واتهامهم بصرف البلايين لاسقاط الاسد تشير الى حدوث تفاهم بين روسيا وامريكا للتركيز على محاربة داعش بالتعاون مع الرئيس بشار الاسد.
هناك بالطبع قوى محلية، غير حكومية او حكومية سرية، قد تتدخل في صالح هذا الطرف او ذاك. فمثلاً يعمل حزب العمال الكردستاني لعبد الله اوجلان ارسال محاربيه للدفاع عن الاكراد في كوباني. فقامت تركيا بقصف مواقع هذا الحزب في 14/10/2014 لايقافه عند حده، دون الاهتمام بموت مفاوضات السلام بينها وبين الحزب الكردي. وهذا العدوان التركي سيعرقل تدخل الحزب الكردي وبالتالي سيطيل من امد الحرب القائمة ضد الداعشية – النقشبندية – البعثية . ( من الضروري التشديد على ان الحرب القائمة هي ليست ضد داعش وحدها بل ضد الجبهة الداعشية – النقشبندية – البعثية. ان تحية عزة الدوري للدولة الاسلامية بعد جرائمها في الموصل وسنجار تؤكد على قيام هذه الجبهة.)
في الحقيقة ان نصيب شعبنا الكردي اتعس مما يصوره الكثيرون . ففي الحرب القائمة هناك ثلاثة اطراف كردية متخاصمة. اذ هناك عدد كبير من اكراد العراق الوهابيين المنضمين في الكتل الدينية المتطرفة، مثل انصار السنة وغيرها، يحاربون الآن في كوباني تحت العلم الداعشي ضد ابناء جلدتهم وضد المؤيدين لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD في كوباني.
من الجهة الاخرى يجد مسعود البارزاني نفسه مشدود باكثر من سلسلة غليظة بالحكومة التركية. فهو ما زال يجمع الخاوة المليونية اليومية من الشاحنات التي تدخل من تركيا، عبر ابراهيم خليل، الى كل العراق. وهناك اكثر من عشرة الاف مقاولة بينه وبين الشركات التركية التي تعمل ضمن المنطقة التابعة لحكومة اربيل. ثم ان الاسواق الكردية في السليمانية واربيل ودهوك مشبعة بالمنتجات التركية بما في ذلك الاطعمة والمخضرات.
اما النفط الذي يبيعه مسعود الى تركيا فلا ينال منه دولاراً واحداً لأن الحكومة التركية تقول انها تشتري هذا النفط خلافاً للقوانين العراقية. ولهذا تحتفظ بقيمة المشتريات النفطية في مصرف تركي الى ان يصدر قانون النفط العراقي الجديد والذي قد يسمح لمسعود بتصدير النفط . كل هذا يكبل مسعود ويمنعه من مخالفة تركيا في الحرب القائمة ولا يستطيع دخولها الا بالطريقة التي تمليها عليه. لهذا يرفض الاكراد في سوريا والعراق القبول بتصريحاته الفارغة. علماً بان هناك الأن انشقاق جديد بين حزبه وحزب الطالباني وقد اكدت الاء الطالباني، العضوة في البرلمان العراقي، في 8/10/2014، على ذلك في تصريحاتها الرافضة ((لأي تدخل عسكري تركي في العراق.)) . والمعروف ان الحزب الطالباني لا يستطيع التلاعب بعلاقته الجيدة مع ايران لان مقاطعته لها تعني محاصرة الحزب من كل الاطراف.
اما التدخل الايراني في الحرب لصالح الحكومة العراقية او السورية فيبقى محدوداً وضعيفاً لأن ايران لا تنوي تاجيج خلافاتها مع الدول الخليجية، والسعودية خاصة، والتي تعادي الحكومتين في سوريا والعراق. وبالمقابل تتخوف الحكومات الخليجية من ارسال جيوشها الى سوريا لأنها تدرك بان ذلك سيزيد من توتر علاقاتها مع ايران.
ان ظروف الحرب الموضوعية، اذن، لا تبشر بانهاء المصيبة في القريب العاجل. وتدرك الجبهة الداعشية –النقشبندية – البعثية هذه الحقيقة ولهذا اخذ المقربون منها يطالبون الاعتراف بها ومفاوضتها ( راجع مثلاً القدس العربي في 14/10/2014 الصفحة 19) ولكل هذا ستستمر الحرب لمدة اطول من توقعات شعوبنا التواقة الى السلموالطمانينة.

  • اسم الكاتب: كمال مجيد
  • المصدر: رأي اليوم
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة