روبرت فورد يحذّر السوريين

21.كانون1.2016

وصلت الحرب السورية إلى نقطة التهجير الجماعي التي شاهدناها "لايف" على تلفزيونات العالم، حيث "تكفَّل" النظامُ السوري بنقل عشرات الآلاف ممن بقوا في القسم الشرقي من حلب إلى بقاعٍ أكثر أمناً.. يمكن أن نتساءل عن الجهد الدولي، ليس من باب الترف أو التسوّل أو محاولة الاستجداء، ولا حتى السخرية، بل هو تساؤلٌ مشروعٌ ينطلق من الواجبات التي يضعها المجتمع الدولي على عاتقه. وبعد قراءة ميثاق الأمم المتحدة، وبعض بنوده (إغاثي- أخلاقي- إنساني)، ليس المطلوب التدخل لصالح معظم الشعب السوري، ولكن الملح هو الضغط على الأطراف كافة، ليتم الدخول في حالة تفاوضٍ حقيقية، مع ضغط آخر لتجميد الأوضاع العسكرية في الداخل، حتى يتمكّن باقي السوريين من متابعة حياتهم..

في ظرف دولي تصالحي، أرسلت الولايات المتحدة سفيرَها الشهير روبرت فورد، بعد قطيعة السنوات التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري، وسحبْ الإدارة الجمهورية بقيادة جورج بوش سفيرتها آنذاك مارغريت سكوبي، وقرّر الرئيس باراك أوباما، ضمن موجة التوافق الواسعة، إعادة سفيرٍ إلى دمشق، ووجه البيت الأبيض الرسالة التالية: "إن تعيين روبرت فورد يمثل التزام أوباما بخدمة مصالح الولايات المتحدة، عن طريق التعاون وتحسين العلاقات مع سورية حكومة وشعباً".

بعد عام فقط من ذلك فوجئ أوباما، على ما يبدو، كما فوجئ العالم، بالثورة السورية، وكان على السفير عندها أن ينفذ بعض ما جاء في رسالة البيت الأبيض بتحسين العلاقات مع سورية، وتحديداً مع شعبها، بعد أن بيّنت الثورة أن هناك مسافة شاسعة بين القيادة وهذا الشعب. انتظر فورد أربعة أشهر، وانطلق بسيارته إلى حماه، حين سجلت ساحتها العدد الأكبر من المتظاهرين السلميين الذي تجاوز النصف مليون، حيث استقبله الحمويون بالورود وأغصان الزيتون، والتقط "سيلفي" في ساحة العاصي، ثم عاد إلى مقر سفارته.

تحولت، بعد هذه الزيارة، صفحات السفارة الأميركية على مواقع التواصل إلى ما يشبه صفحات الناشطين الذين يبثون الأخبار المحملة بوجهات النظر العاطفية، والصور المؤثرة المذيلة "بهاشتاغات" متنوعة، يَعثر عليها الباحث في الإنترنت على أي شيء. وصارت صفحة سفارة أعظم بلد في العالم تشبه تلك التابعة لصغار الفيسبوكيين، ما يعني العجز التام الذي يخفيه قناعٌ سميكٌ من بهلوانيات ذلك السفير الذي ملأ الدنيا صراخاً، لم ينتج عنه أي طحين. كانت مواقف فورد وتصريحاته وسلوكه العام متقدمةً بخطوة عن موقف حكومته الذي بدا بطيئاً وبليداً، وبدا الرجل الذي كان مطلوباً منه فتح صفحة جديدة مع النظام كأنه يحاول جرّ حكومته إلى اتخاذ موقفٍ شديد وحاسم، فانتهى به المطاف إلى التقاعد والخروج النهائي من سورية، ومن الدبلوماسية الأميركية برمتها.

لم يكن فورد هنا سياسياً حقيقياً، ويفصح تاريخه الخجول عن ذلك، حيث مارس السياسة بالكاميرا المحمولة والتصريح الغاضب، وتغريدات المواقع واسعة الانتشار، وغلب على نشاطه عندما كان في سورية الطابع الاستعراضي والإعلامي، وتحرّك في شوارع دمشق، كمن يغيظ النظام ليس أكثر، ونجح بالفعل فيما لم يكن له عائدٌ على المتظاهر السلمي.

لم يرفع السفير السابق يده عن الملف السوري، حتى بعد أن ترك السلك الدبلوماسي، فما زال يطل بأنفه عند كل مناسبة، وأصبح يتنبأ ويحلل من موقع الخبير الاستراتيجي، وتصرّ الصحف على أخذ ما يقوله على محمل الجد، وإبرازه في مقدماتها. أهم ما جاء، أخيراً، على لسانه تحذيرٌ من أن يحل بمدينة إدلب ما حل بشقيقتها الكبرى حلب! الحقيقة أن روبرت فورد وجه سياسي فاشل، لم يتخطَ مرتبة سفير، وشكلت معرفته باللغة العربية تذكرة عبور إلى مزاولة الدبلوماسية في بلادنا، ولم نرَ من نتائجها غير الإبهار البصري الذي تقدمه برامج "الشو". ويدل الواقع المؤسف على أن هذا النمط من الدبلوماسية ليس مختلفاً عموماً عن أسلوب التعامل مع الحرب السورية في معظم دول الغرب.

  • اسم الكاتب: فاطمة ياسين
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة