سوريا.. حرب وكالات لم تنته

07.نيسان.2020

تقلص عدد الجهات المتحكمة بالقضية السورية، وتلاشت معظم الخرائط المتوقعة إلا تلك التي ارتضتها بعض القوى الفاعلة، وانحصرت خيوط اللعبة بين ثلاث دول هي روسيا وأمريكا وتركيا مع اختلاف على حدود سيطرتهم وحول مناطق نفوذهم، الخلاف الذي لا يستحق الصدام فيما بينهم.

تقاسمت الدول الثلاث النفوذ في سوريا، وحيدت كل منها الجهات التي كانت تضر بمصالحها وأمنها القومي، واحتفظت كل منها بجهة رسمية تدعمها داخل الحدود السورية، وتبرر تواجدها بدواعي أمنية أو إنسانية، كما تصر على الإعلان عن دعمها العلني في المحافل الدولية والمفاوضات الجارية، مع الخلاف في كم ونوع الدعم المقدم لأطراف النزاع السوري، إلى جانب دعمهم الخفي لجهات أخرى غير قانونية داخل تلك الحدود، اقتضت المصلحة لدعمهم أو التغاضي عنهم رغم ما تسببه تلك الجهات لهم من إحراج وما ترتكبه من أخطاء.

بدأت روسيا بدعم النظام مع استخدام سلاح الجو الروسي، وتوجيه ضربات داخل الأراضي السورية بتاريخ 30 سبتمبر 2015م، بعد أن طلب بشار الأسد من موسكو دعماً عسكرياً من أجل كبح القوات المعارضة له بعد سيطرتها على مناطق واسعة، واقتربت الفصائل الثورية المسلحة من القصر الجمهوري في دمشق، ووافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد، وتعتبر روسيا تدخلها قانونياً إلى جانب الحكومة الرسمية وقد وضعت يدها على الثروات التي تحت سيطرته بعد انتزاعها من المعارضة، وتعتبرها تعويض عن خسائرها بعد تدخلها، كما وقعت من أجل ذلك صفقات وعقود طويلة الأمد مع رأس النظام السوري، مما يجعل تخليها عنه أمراً مستبعداً على المدى القصير حفاظاً على تلك المصالح.

أمريكا هي الأخرى دعمت الكرد، وقامت بتسليحهم في سوريا، هذا ما أعلنه ترامب صراحة تحت غطاء القضاء على الإرهاب لما له من تداعيات إقليمية ودولية، من هنا يأتي التنسيق بين الطرفين الأمريكي ووحدات حماية الشعب الكردية شمال سوريا، ووضعت الولايات المتحدة يدها على ثروات شرق الفرات واعتبرته خطاً أحمر تقطع يد من يحاول الاقتراب منه.

تركيا بدورها دعمت المعارضة الفقيرة تحت دواعي إنسانية وبحجة الأمن القومي التركي، ويقتصر انتشار قواتها على مناطق جبلية وسهلية حدودية خالية من الثروات، وقد بدأَ التدخل العسكري التركي في سوريا في 24 آب/أغسطس 2016م من خلال عملية عسكرية حملت اسم عملية درع الفرات وذلك بهدف تطهير الحدود السورية التركية من "الجماعات الإرهابية" وفي مايو/أيار 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران توصلها إلى اتفاق "منطقة خفض التصعيد" بإدلب، في إطار اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري، إلا أن محاولة النظام والمليشيات الإيرانية قضم تلك المناطق، دفع الأتراك للتدخل وإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة، بالتزامن مع إعلان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أن بلاده أطلقت عملية "درع الربيع" العسكرية في إدلب ضد الجيش السوري انتقاماً لخسائرها الفادحة هناك.

التدخل الرسمي لتلك القوى الثلاث عبر جيوشها النظامية لا يعني أنها لا تدعم من تحت الطاولة جهات أخرى غير قانونية، وبشكل سري على استحياء لما تلك القوى من أحلام توسعية عابرة للحدود، وتشكل تهديداً للقانون الدولي باعتبارها مصنفة في قوائم الإرهاب.

تدعم روسيا المليشيات الإيرانية والشيعية الطائفية ذات الأحلام الفارسية، بينما تدعم أمريكا حزب العمال الكردستاني والانفصاليين الكرد الحالمين بتشكيل دولة كردية، مما دفع الأتراك للتغاضي عن هيئة تحرير الشام وباقي التنظيمات الإسلامية بما تحويه من مهاجرين في مناطق سيطرة المعارضة، لما تشكله من قوة ردع ولما تملكه عناصرها من عقيدة قتالية مقابل الجهات الإيدلوجية الأخرى، وتتغاضى تركيا عن استفزاز تلك التنظيمات من أجل الحفاظ على الحاضنة الشعبية، وللحفاظ على سلامة جنودها المنتشرة في مناطق تواجدها.

رُهن الحل السياسي السوري بحل هذه الملفات هذه التنظيمات المعقدة، وتسوية أوضاع قادتها وعناصرها أو ترحيلهم أو القضاء عليهم، لذا تحاول القوى الداعمة لأطراف النزاع في سوريا دائماً توجيه أصابع الاتهام والدندنة حول تلك التنظيمات والتعريض لها في مؤتمراتهم وتصريحاتهم الصحفية، وتتهم كل منها باقي الأطراف بدعمهم وتمويلهم، وتربطهم بأي اعتداء ينالها، وتجعل منهم شماعة لتعليق أي هجوم معادي عليها مثل المسيرات والمفخخات وباقي الهجمات.

يعتبر الموقف التركي هو الأضعف بين تلك القوى، لعدة اعتبارات أبرزها الخلاف في صفوف المعارضة، والصراع الفصائلي الداخلي، وسيطرة دول عربية وأجنبية على قرارات بعض الفصائل والهيئات السياسية المعارضة، لذا جاء التدخل التركي خجولاً ومتردداً ومتأخراً عن التدخل الروسي والأمريكي، وبسبب تخلي الناتو عن دعم حليفهم التركي بالأنظمة العسكرية المتطورة، وعندما لم تجد تركيا من الأوربيين وحلف الناتو إلا الوعود الخلبية الكاذبة بدأت حشد قواتها منفردة في مواجهة قوات النظام والمليشيات الشيعية المدعوم من قبل روسيا، بعد أن تقدم الأخير وحاصر نقاط المراقبة وقضم مناطق شاسعة من منطقة خفض التصعيد، فأرسلت بتعزيزات ضخمة توزعت على خطوط التماس مع النظام، وأوقفت زحفه باتجاه الغرب بعد أن عجز شرقاً عن التقدم لما توجهه أمريكا من ضربات موجعة لكل من يحاول الاقتراب إلى مناطق نفوذها.

تستمر الأرتال بالدخول عبر الحدود السورية التركية وتتوزع حول طريق M4 بالإضافة إلى شرق إدلب وأرياف جسر الشغور وجبل الزاوية، حيث تتخذ من التلال الاستراتيجية والجبال العالية مقرات لها مثل "شنان وترعان وإحسم وأطراف البارة ومنطقة الرادار في جبل الزاوية" كما تموضعت في " تل خطاب والمشيرفة ومدرسة السواقة” و”بداما” و”الزعينية” و”الناجية وبفطامون والزيارة وفريكة ” في ريف جسر الشغور والمحاذية لطريق حلب اللاذقية، كذلك اتخذت مقرات لها في "نحليا ومعترم وحرش بسنقول" بالقرب من أريحا، بالإضافة إلى "سرمين والمسطومة وبنش ومطار تفتناز وامتدت القوات التركية حتى ريف إدلب الشرقي والشمالي.

يبدو أن تركيا عازمة على إرجاع النظام لحدود سوتشي كما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر من مرة، وتأتي التعزيزات التركية في هذا السياق، مع ورود أنباء عن حشود مليشيات إيرانية وبعض قوات النظام في أرياف كل من حلب وكفرنبل وريف إدلب الجنوبي، إلا أني أرى أنه من المستبعد تقدم النظام لقضم منطقة جديدة، بعد أن حشدت تركيا بجيشها الأول والثاني، وأرى أن حشوده هي ردة فعل للتعزيزات التركية، التي تدفع إلى مناطق انتشارها شتى أنواع الأسلحة الاستراتيجية لتعويض الغطاء الجوي، بعد أن رفضت روسيا استخدام تركيا المجال الجوي السوري لتأمين حماية جنودها وقواتها الخاصة من هجمات انتقامية متوقعة، فتجنب الأتراك الصدام مع الروس بدفعهم تعزيزات ضخمة.

تشكل القوة العسكرية التركية حزاماً آمناً حول إدلب تشكر عليه، بعد أن أوقف زحف المليشيات الشيعية المهاجمة، ومن المتوقع إن تساهم في إجبار النظام على العودة إلى حدود سوتشي كما هو متفق عليه في أستانة، وحينها يمكن عودة المهجرين الآمنة إلى بيوتهم، فإن فعلت تركيا هذا فقد كسبت ثقة أهالي تلك المناطق المهجرة، وهدأت نفوسهم الغاضبة والمأزومة جراء الهجوم الأخير، وإن لم تفعل فإنها على أقل تقدير سوف تشكل قوة ردع تمنع النظام من المغامرة والاقتراب لقضم مناطق جديدة، إلا أن خريطة التوزع الأخيرة سوف يحرج تركيا أمام الحاضنة الشعبية، وستواجه أزمة ثقة مع الأهالي الذين بنوا أحلام عودتهم إلى بلداتهم وقراهم على الوعود التركية، بعد أن فقدوا الثقة بقدرة الفصائل منفردة على مواجهة القوات والمليشيات المدعومة من روسيا.

  • اسم الكاتب: حليم العربي

الأكثر قراءة