بعد تفككها الكامل.. هل آن لـ«قسد» أن تتوقف عن إصدار بيانات باسمها والعودة إلى اسمها الحقيقي «وحدات حماية الشعب»؟
لم تُولد قسد «قوات سوريا الديمقراطية» بوصفها تحالفًا متعدّد المكونات كما جرى الترويج لها، بل تشكّلت منذ لحظتها الأولى كتنظيم كردي خالص تقوده وحدات حماية الشعب، قبل أن تُعاد صياغتها سياسيًا وإعلاميًا في خريف عام 2015 لتأخذ اسم «قسد»، في خطوة هدفت بالدرجة الأولى إلى توفير غطاء محلي ودولي يسمح للولايات المتحدة بالاعتماد عليها في الحرب ضد تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في الشام والعراق)، من دون الظهور بمظهر الداعم المباشر لذراع مرتبط بـ حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا.
وبحسب تقارير متعددة، بينها رسمية وإعلامية، فإن إدماج المكونات العربية داخل «قسد» لم يكن نتاج شراكة متكافئة أو خيار طوعي في كثير من الحالات، بل جاء عبر الضغط العسكري وفرض الأمر الواقع في المناطق العربية، ولا سيما في الرقة وريفها ودير الزور.
هذا النمط ظهر بوضوح في المواجهات التي خاضتها «قسد» ضد فصائل عربية رفضت الانضواء تحت رايتها، كما حدث مع لواء ثوار الرقة، الذي دخل في اشتباكات مباشرة معها بعدما حاول الحفاظ على استقلاله وارتباطه بخط الثورة السورية ورفع علمها، قبل أن يُحاصر سياسيًا وعسكريًا ويُدفع إلى التفكك والذوبان والاندماج القسري.
ورغم أن «قسد» سوّقت نفسها لاحقًا كتحالف ذي غالبية عربية، وهو توصيف استندت إليه تقارير أمريكية وبحثية أكدت أن العرب شكّلوا نسبة كبيرة من مقاتليها، فإن هذا الواقع العددي لم ينعكس يومًا على بنية القرار، فالقيادة العسكرية والأمنية والاقتصادية بقيت حكرًا على وحدات حماية الشعب، فيما استُخدم المقاتلون العرب كقوة بشرية في المعارك، لا سيما خلال الحملات ضد تنظيم داعش، من دون أن يقابل ذلك شراكة حقيقية في الحكم أو إدارة الموارد.
وفي مناطق السيطرة، ترسّخت معادلة قوامها أن السلطة الفعلية والموارد، وفي مقدمتها النفط، بيد القيادة الكردية، بينما تُركت المناطق العربية مثقلة بالأعباء الأمنية والاجتماعية.
هذا الخلل البنيوي تراكم مع الزمن، وولّد حالة نفور متصاعدة داخل البيئة العربية، تفاقمت مع شكاوى واسعة من الانتهاكات، والتجنيد الإجباري، وفرض المناهج الدراسية، ما جعل «قسد» في نظر شريحة واسعة من السكان قوة مفروضة بالقوة لا إطارًا جامعًا.
وبحسب تقارير رسمية ووقائع ميدانية موثقة، شهدت المناطق ذات الغالبية العربية الخاضعة لسيطرة «قسد» تسربًا واسعًا للطلاب، ولا سيما في المرحلتين المتوسطة والثانوية، نتيجة فرض مناهج تعليمية حملت أفكارًا أيديولوجية متطرفة، سعت من خلالها «قسد» إلى إعادة تشكيل وعي جيل كامل بما يخدم مشروعها السياسي. وأمام هذا الواقع، لجأت أعداد كبيرة من العائلات إلى منع أبنائها من استكمال التعليم، في ظل مخاوف متزايدة على هويتهم ومستقبلهم، ما دفع كثيرًا من الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة بدلًا من مقاعد الدراسة.
وإلى جانب التفكك الاجتماعي والتعليمي، أظهرت وقائع السنوات الماضية أن المناطق العربية الخاضعة لسيطرة «قسد» عاشت أوضاعًا معيشية بالغة القسوة، حيث تفشّى الفقر المدقع وتدهورت البنية التحتية إلى مستويات وُصفت بأنها من الأسوأ على امتداد الجغرافيا السورية، رغم أن هذه المناطق كانت تضم معظم الثروات النفطية والزراعية في البلاد، ورغم تلقي «قسد» دعمًا أمريكيًا بملايين الدولارات تحت عناوين الاستقرار وإعادة الإعمار. هذا التناقض الصارخ بين حجم الموارد وحجم التدهور عكس، وفق مراقبين، طبيعة الإدارة القائمة على الاستحواذ الأمني لا على التنمية أو تحسين حياة السكان.
وتزداد حدة هذه الصورة عند مقارنتها بمناطق مثل إدلب، التي تعرضت لسنوات طويلة لقصف مكثف من قبل نظام الأسد وروسيا، من دون أن تمتلك أي موارد طبيعية تُذكر، ومع ذلك نجحت في بناء بنية تحتية خدمية وتعليمية تُعد من الأفضل نسبيًا في عموم سوريا، بجهود محلية وإدارة مدنية، وهو ما سلّط الضوء على فشل نموذج «قسد» في إدارة المناطق التي سيطرت عليها، رغم الإمكانات والدعم الخارجي الكبير الذي حظيت به.
ومع التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة في شمال شرق سوريا، وصل هذا المسار إلى نهايته الطبيعية، حين أعلنت معظم الفصائل والمجالس العشائرية العربية انشقاقها عن «قسد» وولاءها للدولة السورية الجديدة، منهية عمليًا الصيغة التي أُنشئت عليها.
في هذا السياق، فإن «قسد» بوصفها بناءً عسكريًا وسياسيًا لم تعد قائمة، وأن ما تبقى على الأرض هو وحدات حماية الشعب وامتداداتها فقط، وهذا يعني أن الاسم الذي استُخدم لسنوات كغطاء سياسي فقد مضمونه، مع خروج المكوّن العربي الذي منح هذا الغطاء حدًا أدنى من القبول المحلي والدولي.
ومع ذلك، لا تزال وحدات حماية الشعب تصدر بيانات وتتبنى مواقف باسم «قسد»، في وقت تشير فيه الوقائع الميدانية إلى أن هذا الكيان انتهى فعليًا بالشكل الذي جرى إنشاؤه وتسويقه.
استخدام الاسم اليوم لم يعد توصيفًا دقيقًا للواقع، بل محاولة للإبقاء على شرعية سياسية سابقة، رغم أن القوى التي شكّلت واجهته العربية انسحبت أو انقلبت عليه.
ما تبقى، بحسب معطيات المرحلة، هو بنية عسكرية كردية صِرفة، إلى جانب مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق، وبعض العناصر العربية المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السوريين، ما عمّق القطيعة بينها وبين محيطها الاجتماعي.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يجوز الاستمرار في استخدام اسم «قسد» بعد تفكك مكوناته الأساسية، أم أن مقتضيات الواقع تفرض التسمية الحقيقية لما تبقى على الأرض؟ الإجابة التي تفرضها التطورات الأخيرة تقول إن «قسد» انتهت كتحالف، وأن استمرار استخدامها كعنوان سياسي أو إعلامي لم يعد سوى ستار يخفي حقيقة فصيل واحد فقد الغطاء الذي أُنشئ من أجله.
بهذا المعنى، لم يعد النقاش قائمًا حول تراجع نفوذ «قسد» أو ضعف حضورها، بل حول سقوط المشروع السياسي الذي أُنشئت على أساسه منذ البداية، ومع انهيار هذا المشروع وخروج مكوناته الأساسية، يغدو الإصرار على الإبقاء على مسماها الحالي ممارسة سياسية مضلِّلة، تهدف إلى تغطية واقع بات واضحًا على الأرض ولا يمكن القفز فوقه.