مجتمع
٣ أبريل ٢٠٢٦
العنف الأسري في سوريا: أثره الجسدي والنفسي على النساء والفتيات

تعاني العديد من النساء السوريات من العنف الأسري، الذي يمارسه الأب أو الزوج أو الأخ، ما يسبب لهن أذى جسدياً ونفسياً، ويمتد تأثيره ليطال حياتهن الشخصية واستقرار الأسرة، ويبرز هذا الواقع الحاجة الملحة إلى تبني حلول متكاملة على المستويين التوعوي والقانوني للحد من الظاهرة وحماية النساء.

تتعدد أنواع العنف التي تتعرض له النساء داخل الأسرة، وتشمل العنف الجسدي كالضرب والاعتداء البدني، والعنف النفسي مثل الإهانة والتهديد والتحكم والإذلال المتكرر، كما يشمل العنف الاقتصادي، الذي يتمثل بحرمان المرأة من الموارد المالية أو منعها من العمل، بالإضافة إلى العنف الجنسي، الذي يتضمن الاعتداء أو التحرش داخل نطاق الأسرة، وغالباً ما تتداخل هذه الأنواع، مما يزيد من الأثر النفسي والجسدي على المرأة ويؤثر على استقرار الأسرة بأكملها.

شهادات نساء معنفات 
قالت سعاد المحمد، 19 عاماً، من إحدى قرى ريف إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الضرب داخل العائلة يُعتبر أمراً مألوفاً وطبيعياً وفق تقاليدهم، مشيرة إلى أنها واحدة من المتضررات من هذا التقليد، إذ تتعرض للضرب لأبسط الأسباب ما جعلها تفقد الثقة بأفراد عائلتها، وصارت تشعر بالخوف منهم بشكل مستمر.
من جانبها، روت ميساء نجار، 30 عاماً، أنها تتعرض للضرب المتكرر من قبل زوجها أمام أطفالها، وتضطر إلى الصمت للبقاء بجانبهم وعدم حرمانهم منه، رغم الألم النفسي والجسدي الذي تعانيه، وأوضحت أن الطلاق لن يحسن وضعها، إذ ستواجه ضغوطاً وانتقادات لاذعة من قبل العائلة والمجتمع.

التداعيات النفسية 
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، إن العنف الأسري يترك آثاراً نفسية عميقة، وغالباً ما تكون تراكمية ومعقّدة، خصوصاً في السياق السوري حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع آثار الحرب وعدم الاستقرار.

وأضاف أنه يلاحظ بشكل متكرر حالات من القلق المزمن، حيث تعيش المرأة في حالة خوف دائم وترقّب، إضافة إلى الاكتئاب الذي يترافق مع شعور بالعجز وفقدان السيطرة على الحياة، كما أن كثيراً من النساء يطوّرن نظرة سلبية عن أنفسهن، نتيجة التعرّض المستمر للإهانة أو التقليل من القيمة.

في الحالات الأكثر شدة، تظهر أعراض صدمة نفسية واضحة، مثل الكوابيس، واسترجاع الأحداث المؤلمة، وتجنّب أي مواقف قد تذكّر بالعنف، ومع الوقت، تميل المرأة إلى الانسحاب الاجتماعي كوسيلة لحماية نفسها، لكنها في الواقع تزيد من عزلتها ومعاناتها.

وأردف المختص مصعب أن على المستوى اليومي، تعاني كثير من النساء من اضطرابات النوم، ضعف التركيز، والإرهاق النفسي، ما ينعكس على قدرتهن على العمل أو حتى القيام بالمسؤوليات الأساسية داخل المنزل.

اجتماعياً، تفقد المرأة الثقة بالآخرين، وتميل إلى العزلة، وأحياناً تنقطع عن مصادر الدعم خوفاً من الفضيحة أو اللوم، وهذا أمر شائع في المجتمع، حيث لا تزال بعض الثقافات تعتبر ما يحدث داخل الأسرة “شأناً خاصاً”.

أما على مستوى الدور الأسري، فقد تجد المرأة صعوبة في أداء دورها كأم بشكل متوازن، وقد يتأثر الأطفال نفسياً، بل وقد يعيدون إنتاج نفس أنماط العنف في المستقبل.

وتابع أن أبرز التحديات التي تواجهها النساء هي: الخوف من الوصمة الاجتماعية، الاعتماد الاقتصادي على الشخص المُعنِّف، ضعف الوصول إلى الحماية القانونية، وغياب بيئة آمنة يمكن اللجوء إليها.

لا يوجد قانون تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"
وقال باسل موسى، محامٍ أستاذ مزاول للمهنة في نقابة المحامين بدمشق، في حديث لـ شام، إنه لا يوجد في سوريا قانون خاص ومستقل تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"، مشيراً إلى يتم التعامل مع هذه الحالات من خلال نصوص مبعثرة في: قانون العقوبات العام: الذي يجرم الإيذاء الجسدي بشكل عام (المواد 540 وما بعدها).

ومن خلال قانون الأحوال الشخصية (القانون 59 لعام 1953 وتعديلاته في 2019): الذي يتضمن نصوصاً حول "الشقاق والضرر" لكنه يفتقر لنصوص تجريمية واضحة للعنف الأسري.

الخطوات القانونية 
وفيما يتعلق بالخطوات القانونية التي يمكن للمرأة اللجوء إليها في حال وقوع العنف، نصح قانونياً باتباع المسار التالي: التوثيق الطبي الفوري عن طريق التوجه إلى المستشفى أو الطب الشرعي للحصول على تقرير يثبت نوع الإصابة ومدة التعطيل مؤكدا أن ذلك هو الدليل الجوهري.

ثم تقديم شكوى رسمية: أمام النيابة العامة أو في أقرب مركز شرطة (تنظيم ضبط)، ورفع دعوى تفريق للضرر: أمام المحكمة الشرعية (استناداً للمادة 112 من قانون الأحوال الشخصية) في حال كان المعنف هو الزوج، لضمان حقوقها الزوجية كاملة عند الانفصال.
وأشار إلى أهمية طلب قرار حماية، فرغم ضعف الإجراءات الاحترازية، يمكن المطالبة بمنع التعرض عبر القضاء المستعجل في حالات معينة.

كيفية الإثبات
وبالنسبة العقوبات وكيفية الإثبات، أشار موسى إلى أن العقوبات تخضع لمواد الإيذاء في قانون العقوبات؛ وتتراوح بين الحبس والغرامة المالية حسب مدة التعطيل عن العمل، وتشدد العقوبة في حال أدى العنف لعاهة دائمة، منوهاً إلى أن القانون السوري لا يجرم "الاغتصاب الزوجي" كجريمة مستقلة حتى الآن.

وتابع أن كيفية الإثبات تتعلق بالخبرة الطبية من خلال تقرير الطب الشرعي الذي يعد الدليل القاطع، وشهادة الشهود بما في ذلك الجيران أو الأقارب الذين عاينوا الواقعة، إلى جانب الوسائل الرقمية: الصور، الفيديوهات، أو الرسائل التهديدية (تعتبر دليلاً قوياً وفق قانون الجرائم الإلكترونية).

حلول لظاهرة العنف الأسري

وفي سياق الحلول والإجراءات الممكنة للحد من هذه الظاهرة وحماية المرأة، قال المختص مصعب إنه على المستوى المجتمعي، هناك حاجة إلى رفع الوعي بأن العنف ليس أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا، بل انتهاك واضح لكرامة الإنسان، إلى جانب أهمية توفير خدمات دعم نفسي آمنة وسرية، لأن كثيرًا من النساء لا يطلبن المساعدة خوفًا من انكشاف الأمر.

وتابع لا بد من تعزيز الحماية القانونية وتسهيل الوصول إليها، مع وجود مراكز آمنة لإيواء النساء المعرضات للخطر، بالإضافة إلى تمكين المرأة اقتصاديًا، لأن الاستقلال المالي يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ القرار والخروج من العلاقات المؤذية، عدا عن ضرورة العمل على مستوى الأسرة نفسها، من خلال برامج الإرشاد الأسري التي تساعد في تعديل أنماط التواصل وتقليل العنف.

وقال المحامي باسل أن من موقعه كمحامي، يقترح الآتي: تشريع قانون خاص بالعنف الأسري: يجرم كافة أشكال العنف (الجسدي، النفسي، الاقتصادي، والجنسي) بوضوح ودون مواربة، وتفعيل "الشروط الخاصة" في عقد الزواج وتوعية النساء بوضع شروط تضمن حقها في العصمة أو العمل أو السكن المستقل كأدوات حماية استباقية.

وأشار إلى أهمية إنشاء دور رعاية متخصصة تابعة للدولة توفر الحماية القانونية والجسدية الفورية للمعنفات، إلى جانب التوعية القانونية المستمرة عبر المنصات القانونية لتغيير العقلية المجتمعية التي تعتبر العنف شأناً عائلياً خاصاً.

ونوه مختصون إلى أن الحد من العنف الأسري يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق المرأة وأهمية التواصل الأسري الصحي، إضافة إلى توفير الدعم النفسي للضحايا وتسهيل وصولهن إلى المراكز القانونية والمشورة القانونية، مؤكدين أن تفعيل القوانين الرادعة ومتابعة المخالفات بصرامة يمثل ركيزة أساسية لحماية النساء والحد من الانتهاكات داخل الأسرة.

اقرأ المزيد
٣ أبريل ٢٠٢٦
طقوس العزاء في سوريا.. حين يتحول الحزن إلى تضامن جماعي

يتميز المجتمع السوري بعادات وتقاليد اجتماعية ودينية راسخة في أيام العزاء، حيث تتحول لحظة الفقد إلى حالة جماعية من التضامن، فإذا خسرت إحدى العائلات فرداً منها، يتجمع حولها الأهل والأقارب والجيران وكأن المصاب يطالهم جميعاً، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وقوة النسيج المجتمعي، ويُظهر بوضوح قيم التعاون والمساندة والتكافل التي تُعد من السمات الأساسية في المجتمع السوري، خاصة في الأوقات الصعبة التي تتطلب حضوراً إنسانياً وموقفاً جماعياً داعماً.

وما أن يقع المصاب، يسارع الأهالي إلى التوجه نحو عائلة الفقيد، إدراكاً منهم أن الحزن قد يسيطر على أهل المتوفى ويدخلهم في حالة من التوتر والقلق، مما قد يفقدهم القدرة على الالتزام بالطقوس والواجبات المفروضة عليهم في مثل هذه الظروف، فيتولى المحيطون بهم جزءاً كبيراً من هذه المسؤوليات، بدءاً من الترتيبات الأولى وحتى انتهاء مراسم العزاء، في محاولة لتخفيف العبء النفسي والعملي عنهم.

وفي هذا السياق، تختلف طرق الإعلان عن الوفاة بين منطقة وأخرى، ففي بعض المناطق يتم طبع النعي وتعليقه في أماكن محددة ليطّلع عليه أكبر عدد ممكن من الناس، وتتضمن النعوة عادة اسم المتوفى وتاريخ الوفاة وأسماء الأقارب المباشرين، إضافة إلى عبارات الدعاء، كما قد توضح مكان ووقت إقامة بيت العزاء لتيسير حضور المعزين، بينما يكتفى في مناطق أخرى بالإعلان عن الوفاة عبر المناداة في الجامع وتحديد موعد صلاة الجنازة، وهي طريقة تقليدية ما تزال حاضرة في كثير من القرى والبلدات.

وبعد الإعلان عن الوفاة تبدأ مباشرة إجراءات تجهيز المتوفى، حيث يساعد الأقارب والمعارف في تأمين الكفن وإحضار المغسل، والبدء بحفر القبر وتجهيزه، وتتم عملية غسل الميت وتكفينه وفق الطقوس الدينية المتبعة، ثم يُودّع من قبل أهله وأقاربه قبل أداء صلاة الجنازة، ليُحمل بعدها إلى المقبرة ويوارى الثرى في صورة يختلط فيها الحزن بالدعاء والرجاء.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات، ينشغل آخرون بنصب خيمة العزاء المعروفة باللهجة المحلية باسم "بيت الشعر"، وهي شوادر تُثبت على قضبان معدنية خصيصاً لهذه الغاية، ويتم تجهيزها من الداخل بالكراسي لاستقبال المعزين، لتكون بمثابة مساحة يجتمع فيها الناس لتقديم واجب العزاء والتعبير عن مواساتهم لأهل الفقيد، وهو تقليد يعكس الطابع الجماعي لهذا الظرف.

وبعد الانتهاء من الدفن، يبدأ توافد المعزين إلى بيت العزاء، حيث يجتمع الرجال في الخيمة، بينما تستقبل النساء المعزيات في منزل الأسرة، ويغلب ارتداء اللون الأسود تعبيراً عن الحزن، وتُتبادل عبارات المواساة والدعاء، في أجواء يسودها الاحترام والتعاطف.

وخلال ذلك، يتولى بعض الأشخاص تحضير القهوة المرة التي تُعد جزءاً أساسياً من طقوس العزاء، فيما يتطوع عدد من شبان الحي لخدمة الحضور وتقديم القهوة وتنظيم المكان ومساندة أهل المتوفى، في حين تتجه النساء إلى منزل الفقيد لمساعدة أهله في الأعمال المنزلية ومواساة النساء واستقبال المعزيات، وهو ما يعكس تكامل الأدوار بين أفراد المجتمع في مثل هذه الظروف.

وتستمر طقوس العزاء عادة لثلاثة أيام، يتم خلالها قراءة القرآن والدعاء للميت، ويحرص الأهالي على البقاء إلى جانب أهل الفقيد وتقديم الدعم المعنوي لهم، سواء من خلال الحضور المستمر أو الكلمات التي تخفف من وقع المصاب، في محاولة لمساندتهم نفسياً وتخفيف شعورهم بالفقد.

وفي بعض المناطق، تُحضّر وجبات الطعام وتُرسل إلى منزل المتوفى، نظراً لانشغال العائلة باستقبال المعزين وعدم قدرتها على القيام بواجباتها اليومية، وهو تقليد يعبر عن روح التعاون والتكافل، بينما تغيب هذه العادة في مناطق أخرى بحسب اختلاف العادات المحلية.

وخلال فترة العزاء، يلتزم المحيطون بأهل الفقيد بتجنب أي مظاهر قد تجرح مشاعرهم، كرفع أصوات التلفاز أو الموسيقى، كما يمتد هذا الاحترام إلى ما بعد انتهاء العزاء، حيث يؤجل الجيران أي مظاهر للفرح كالأعراس أو الاحتفالات، تعبيراً عن مشاركتهم الحزن ومراعاة لمشاعر العائلة المفجوعة.


ورغم الظروف القاسية التي مرّ بها السوريون خلال سنوات النزوح والشتات، بقيت هذه المظاهر حاضرة بشكل لافت، فبرغم ابتعاد كثيرين عن أقاربهم ومعارفهم، وجدوا من يساندهم في المجتمعات التي استقروا فيها، حيث ساهم المحيطون بهم في إتمام المراسم والطقوس وتقديم الدعم المعنوي، مما يؤكد أن التكاتف المجتمعي في المجتمعات العربية لا يقتصر على العائلة والمعارف فقط، بل يمتد ليشمل علاقات الجيرة وروابط المجتمع المحلي.


كما حرص السوريون على مساندة أهاليهم وأقاربهم في حالات الوفاة رغم عدم قدرتهم على الحضور المباشر، من خلال تقديم التعازي عبر تطبيقات التواصل، سواء بالمكالمات أو الرسائل النصية، إضافة إلى تقديم المساعدة المالية أحياناً، في محاولة لتعويض الغياب الجغرافي والمساهمة في تخفيف الأعباء.


ويعكس ذلك عمق الروابط الاجتماعية رغم المسافات البعيدة، ويؤكد أن التكاتف في المجتمع السوري لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالقيم المتجذرة، كما يدل استمرار هذه الممارسات على وفاء السوريين لعاداتهم وقدرتهم على الحفاظ عليها رغم التغيرات والظروف الصعبة.

وتبقى طقوس العزاء نموذجاً واضحاً على التضامن الإنساني والتلاحم المجتمعي، حيث يجسد الوقوف إلى جانب أهل المتوفى التزاماً أخلاقياً يعكس أصالة المجتمع واستمرارية تقاليده، ويؤكد أن قيم التعاطف والمساندة لا تزال حاضرة بقوة في وجدان السوريين مهما تغيرت الظروف.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
اليوم العالمي للتوحد.. واقع التحديات في سوريا وحاجة متزايدة للدعم والدمج

يُحيي العالم في الثاني من أبريل اليوم العالمي للتوعية باضطراب التوحد، في مناسبة أقرتها الأمم المتحدة بهدف تسليط الضوء على حقوق الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب، وتعزيز الجهود الدولية لضمان دمجهم في المجتمع وتحسين جودة حياتهم، بما يكفل لهم حياة كريمة قائمة على المساواة والاحترام.

ما هو اضطراب التوحد؟
يُعرّف التوحد على أنه اضطراب نمائي عصبي يظهر غالباً في مراحل الطفولة المبكرة، ويؤثر على طريقة تفاعل الفرد مع الآخرين، إضافة إلى صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وأنماط سلوكية متكررة أو محدودة، وتختلف شدته من شخص لآخر، ما يجعل كل حالة فريدة بحد ذاتها، ويُعرف المصابون به بأنهم أشخاص لديهم طريقة مختلفة في الإدراك والتفاعل مع العالم من حولهم، وليسوا بالضرورة أقل قدرة، بل يحتاجون إلى بيئة مناسبة لفهم احتياجاتهم وتنمية مهاراتهم.

تأكيد على الحقوق والمساواة
جاء اعتماد هذا اليوم استناداً إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2008، والتي أكدت على ضرورة تمتع جميع الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم الأساسية دون تمييز، وضمان وصولهم إلى التعليم والعمل والخدمات الصحية، باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع.

واقع التوحد في سوريا
تواجه سوريا تحديات معقدة في التعامل مع اضطراب التوحد، خاصة في ظل آثار الحرب في سوريا التي أضعفت البنية الصحية والتعليمية، حيث تعاني الأسر من نقص في مراكز التشخيص المبكر، وقلة المختصين في العلاج السلوكي والنفسي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الرعاية، ما يجعل الحصول على الدعم المناسب أمراً صعباً لكثير من العائلات.

صعوبات اجتماعية ونقص الوعي
لا تقتصر التحديات على الجانب الطبي، بل تمتد إلى ضعف الوعي المجتمعي حول اضطراب التوحد، ما يؤدي أحياناً إلى سوء فهم الحالات أو وصمها اجتماعياً، الأمر الذي يزيد من عزلة الأطفال المصابين وأسرهم، ويحدّ من فرص اندماجهم في المجتمع.

الحاجة إلى برامج متكاملة
تبرز الحاجة في سوريا إلى تطوير برامج شاملة تشمل التشخيص المبكر، والتدخل العلاجي، والتعليم الدامج داخل المدارس، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية والطبية، وتقديم الدعم النفسي للأسر، بما يساعد على تحسين قدرات الأطفال وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم مستقبلاً.

أهمية الدمج والتمكين
يشكل دمج المصابين بالتوحد في المجتمع خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث تساهم البيئة الداعمة في تنمية مهاراتهم وقدراتهم، وتمكنهم من المشاركة في التعليم والعمل والحياة العامة، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويمنحهم فرصة حقيقية للإنتاج والعطاء.

دعوات لتعزيز الجهود الوطنية
تتجدد في هذه المناسبة الدعوات إلى تبني سياسات وطنية أكثر شمولاً في سوريا، تضمن حقوق المصابين بالتوحد، وتوفر خدمات متكاملة لهم، بما يتوافق مع المعايير الدولية، ويسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتضامناً، يراعي احتياجات جميع أفراده دون استثناء.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
جرائم العنف ضد المرأة في سوريا: بين التقاليد والممارسات الاجتماعية والهشاشة القانونية

تتعرض العديد من النساء في سوريا لمختلف أشكال العنف، من العنف الأسري والتحرش إلى جرائم الشرف التي قد تصل إلى القتل، في ظل غياب حماية قانونية كافية وثقافة مجتمعية تقليدية تزيد من هشاشتهن، هذه الجرائم تعكس تداخل الأعراف الاجتماعية الضعيفة مع القوانين غير الفعّالة، ما يجعل حماية المرأة وضمان حقوقها أمراً ملحاً.

خلال الأسابيع الماضية، شهدت سوريا وقوع عدة جرائم من هذا النوع، من أبرزها مقتل الدكتورة الشابة روز أنس الحريري من بلدة إبطع، خريجة جامعة دمشق، على يد شاب بعد رفضها المتكرر الزواج منه.

كما قُتلت فتاة على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، بعد أن غادرت منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر واحتجاز ثلاثة شبان احتجاجًا على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة من الوجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.

‏ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس سوريا لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ أبو أحمد زكور، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.

أنواع جرائم العنف ضد المرأة

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت المحامية حنان زهر الدين، رئيسة اللجنة القانونية لشبكة المرأة السورية وعضو اللجنة السياسية بحركة المرأة النسوية، أن أبرز أشكال العنف التي تتعرض لها النساء هي العنف الأسري، الذي يُمارَس عليهن من قبل الأب أو الأخ أو الزوج، ويعود إلى العادات والتقاليد السائدة والثقافة المجتمعية السائدة والتفكير الذكوري.

وأضافت أن الأصعب ضمن أشكال العنف الأسري هو ما يُعرف بـ«جرائم الشرف»، وهي من أخطر الظواهر في المجتمع، حيث تُقتل النساء بزعم ارتكابهن الزنا أو إقامة علاقات غير شرعية، وهذه الأسباب الظاهرة على السطح، لكن غالباً ما تُستخدم ذريعة لقتل النساء أيضاً لأهداف أخرى مثل الميراث، أو العنف الزوجي، أو قضايا وأسباب متعددة أخرى.

أكثر من 12 مادة تمييزية ضد المرأة 

وتابعت أن الدستور السوري لا يتضمن تعريفاً لقانون العنف، وعند النظر إلى هذه الجرائم في قانون العقوبات السوري نجد أن أكثر من 12 مادة تعتبر تمييزية ضد المرأة على نفس الجريمة، فمثلاً جريمة الزنا يُحاسب عليها المرأة من قبل الزوج، ومن قبل القضاء، ومن قبل المجتمع، بينما لا يُحاسب الزوج، كما أن شروط إثبات الجريمة بالنسبة للرجل صعبة للغاية، أما المرأة فحتى لو قدم أحد الجيران أو المعارف شكوى أو تنتشر شائعة، فإنها لا تتعرض للعنف فقط، بل قد تصل إلى حد القتل.

ضعف القانون يفاقم معاناة المرأة

وأردفت أنه تغير القانون وتغير الدافع لهذا العنف أو العذر المحل، وتُعتبر جريمة، ولكن هناك سلطات تقديرية للقاضي، وهناك شروط مثل حالة ثورة الغضب أو غيرها، ما يعني أن القانون لا يزال محتفظاً بها أو أن القاضي يقر فيها، وتلجأ المجتمعات إلى حلها بعد أن تشددت المادة لتصبح جريمة قتل متعمدة بعد رصد مسبق.

وأكملت أن المجتمع كثيراً ما يلجأ إلى حل هذه القضايا عبر الوجهاء والمشايخ، حيث تُدفع الفدية وتظل المرأة الضحية، وما زالت العديد من النساء يفقدن حياتهن بهذه الطريقة، وتستمر هذه الممارسات لغياب القوانين التي تحمي المرأة، فلا توجد حماية قانونية لها لا في قانون العقوبات ولا في قانون الأحوال الشخصية.


تحديات  تعيق المرأة 

وأشارت إلى أن غياب قانون خاص بالعنف وغياب تعريف دقيق للعنف في القوانين شكّل فراغاً قانونياً، يستغله الرجال وأفراد الأسرة الذكور في الحكم كما يشاؤون، أما فيما يخص وصول المرأة إلى القضاء والمحاكم، فالمرأة غالباً ما تكون في وضع أضعف بكثير من الرجل، ولا تملك القرار الاقتصادي، فمعظم النساء يعملن ولكن لا يملكن السلطة المالية ولا يستطعن الوصول إلى القضاء، بينما جزء آخر من النساء يظللن صامتات حيال ما يتعرضن له من عنف معنوي وجسدي وجنسي، خوفاً من الفضيحة أمام مجتمع لا يرحم.

وأضافت أن بعض النساء يلجأن إلى المحاكم، وضبوط الشرطة، وتقديم الشكاوى، إلا أن المرأة في هذه الحالة يجب أن تدرك أنها فكّت ارتباطها من هذا الرجل، لأن تقديم شكوى ضد الزوج أو حتى ضد أخ أو والد يُعد قضية كبيرة، مشيرة إلى أن مسلسل العنف يستمر في ظل غياب القوانين.


خطوات الحماية 

ونوهت إلى أن الخطوات التي يمكن أن تتخذها المرأة عند تعرضها للعنف تتضمن اللجوء إلى أقرب مخفر شرطة، أو إلى المنظمات التي تمتلك خطوطاً ساخنة لتقديم الدعم والمساعدة، أو الاستعانة بمحامٍ لرفع دعوى ضد الزوج وإثبات تعرضها للعنف الجسدي الشديد، لكنها أكدت أن هذه الحلول ليست كافية ولا تضمن حماية المرأة بشكل كامل.


الحلول الضرورية 

وأكدت أنه يجب على النساء في المجتمع المدني العمل على تغيير القوانين وإصدار قانون أسرة عصري يلغي جميع المواد التمييزية، وينهي القوامة والوصاية والولاية على المرأة، مشيرة إلى أن المرأة السورية وصلت إلى مستوى متقدم جداً من الوعي والثقافة والتعليم، ولا يمكن التعامل معها بعقلية دونية أو تهميشها، كما يجب منع استخدام العنف بجميع أشكاله، النفسي والجنسي والجسدي.

وشددت المحامية حنان زهر الدين لـ "شام" على أن تعديل القوانين يمثل الحل الأساسي، مشيرة إلى أن العمل على الثقافة وتغيير الذهنية المجتمعية من أهم العوامل التي تعيد إنتاج المجتمع وتشكيله، وأكدت أن التربية في المدارس تلعب دوراً جوهرياً، من خلال نشر الوعي وثقافة المساواة ودمجها في المناهج التعليمية من الابتدائي إلى التعليم العالي، معتبرة أن هذه الخطوات تمكّن من غرس قيم المساواة واحترام المرأة ودورها في المجتمع منذ الصغر.

وأشارت إلى أن ضرورة حماية النساء أنفسهن من الاستغلال، فعلى سبيل المثال، إذا تعرضن لعنف من خلال السيطرة على أموالهن، فإن عدم تسجيل المشتريات أو الممتلكات باسمهن يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال؛ ففي حال حدوث نزاعات، قد يلجأ الزوج لاستغلال هذا الوضع، وأخذ كل شيء من المرأة، وتركها في الشارع، أو ممارسة طلاق إداري أو طلاق تعسفي.

ونوهت في ختام حديثها إلى أن القوانين قد عدلت وأصبح هناك إجراءات للمخالعة، إلا أن هذه المخالعة، برأيها، لا تخدم مصلحة المرأة الحقيقية، إذ تضطر المرأة مقابل الحصول على الطلاق إلى التنازل عن جميع حقوقها المالية على ممتلكاتها، مما يجعلها تفتدي نفسها مادياً على حساب حقوقها.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
المعلم بين الابتسامة والصرامة: سر تعلق الطلاب بالمادة

يلعب المعلم دوراً محورياً في تجربة الطالب التعليمية، إذ يمتلك القدرة على جعل المادة محبوبة أو مكروهة في أعين طلابه، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على أسلوبه في التعامل معهم وطريقة تقديم المعلومة بأسلوب جذاب وفعّال، خاصة أن التعليم لا يقتصر على إعطاء الدر س فحسب، بل يقوم على الثقة والتفاعل وغرس الشغف في الطالب للتعلم.

ويعد الانطباع الأول الذي يتركه المعلم لدى الطلاب أمراً بالغ الأهمية في علاقة الطالب بالمادة وبالصف نفسه، فاللقاء الأول يحدد شعور الطالب بالأمان والراحة ويؤثر على مدى استعداده للتفاعل والمشاركة في الدروس القادمة، لذلك يُنصح بأن يظهر المعلم هدوءه وطريقته الودية منذ البداية، فيستقبل الطلاب بابتسامة أو نبرة إيجابية، ما يكسبهم ثقتهم ويسهّل عملية التعلم لاحقاً، كما يُفضل أن تكون الحصة الأولى فرصة للتعارف والترحيب وبعث شعور الاطمئنان في نفوس الطلاب، ليحبوا الدروس ويشاركوا فيها بفاعلية.

يروي محمد تقى، طالب في الصف الثامن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه في بداية العام الدراسي دخل معلم مادة التاريخ محاولاً السيطرة على الصف منذ اللقاء الأول، فكان مقطب الجبين، ووبخ الطلاب بسبب الضوضاء في الصف، ثم بدأ الدرس مباشرة دون أي مقدمات، مما جعل الطلاب يشعرون بالخوف منه، فصاروا يتجنبون المزاح معه، وحتى طرح الأسئلة عليه أصبح أمراً يقلقهم أحياناً.

في المقابل، يستقبل الطلاب أحياناً حصة المعلم بحماس بالغ، ينتظرونها بلهفة ويجلسون في مقاعدهم مستعدين، بل يشارك بعضهم في تزيين اللوح وتنظيفه للمعلم، وما إن تبدأ الحصة، تتحول دقائقها إلى لحظات مليئة بالمشاركة والتفاعل والحماس، مع أيادٍ مرتفعة وأسئلة متدفقة، لدرجة أن الطالب قد لا يشعر بمرور الوقت وقد يندهش عند نهايتها.

 وعلى النقيض، هناك طلاب يتهربون من الحصة، يتجنبون التواصل مع معلمهم، ويشعرون بالملل طوال فترة الدرس، ملتزمين بالصمت، يراقبون الساعة مراراً ويعدون الدقائق حتى نهايتها، فتبدو أعينهم مع المعلم بينما يسرح ذهنهم في مكان آخر بعيد.

في هذا السياق، يؤكد العديد من الطلاب أن الموضوع مرتبط بالمعلم وطريقة تعامله معهم وتدريسه للمادة، فالبعض منهم يدخل إلى الصف يلقي التحية فقط ثم يتجه إلى الدرس مباشرة، ويشرح المعلومات وكأنه يسردها دون أي نشاط ترفيهي، حتى أن هناك من يتعامل مع الطلاب بأسلوب قاسي عند ارتكاب خطأ، مما دفعهم لتجنب المشاركة أو طرح الأسئلة.

 في المقابل، هناك معلمون يتبعون أساليب مختلفة خلال الدرس، ويدعمونها بالأنشطة الجماعية، ويضيفون روح الفكاهة والمزاح إلى الدرس، كما يهتمون بالشؤون الخاصة للطلاب إذا تغيبوا عن الدرس أو واجهوا ظروفاً طارئة، أو عانوا من مشاكل تؤثر على حياتهم ودراستهم.

وتروي جميلة الصالح، 36 عاماً، أم لأربعة أطفال من مدينة أطمة في ريف إدلب الشمالي، أن ابنتها غابت عن المدرسة بسبب المرض، ومنذ اليوم الأول تواصلت معها معلمة ابنتها، مطمئنة إياها بأنها سترسل لها المعلومات والدروس التي فاتتها.

 وتضيف أن المعلمة زارتهم في المنزل للاطمئنان على وضع الطفلة، مما جعل ابنتها تشعر بالسعادة لاهتمام المعلمة بها، وكتبت لها المعلومات المهمة التي حصل عليها الطلاب خلال الأيام السابقة، ووعدتها بشرح أي نقطة صعبة لم تفهمها، ونوهت الأم إلى أنها قدرت هذه اللفتة من المعلمة وتمنت لو أن جميع المعلمين يتعاملون بنفس هذا الاهتمام والرعاية.

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، يروي المدرس علي السلوم تجربته قائلاً إنه يعمل مدرّسا منذ 37 عاماً، حيث بدأ مسيرته التعليمية عام 1990 في تدريس مادة الرياضيات، مشيراً إلى أن حبه للمادة كان سبب دخوله هذا المجال، وأنه كان من الأوائل في المواد العلمية خلال دراسته الثانوية العامة.

 ويضيف أن العديد من طلابه اختاروا دراسة الرياضيات في الجامعة نتيجة محبتهم للمادة بفضل أسلوب تعامله معهم، بينما التحق القسم الآخر بتخصصات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، ويلفت إلى أنه كان دائماً يتعامل مع الطلاب بوجه مبتسم وبشوش، منوهاً إلى أنه في بداية مسيرته لم تتوفر لدى مدارسهم سوى وسائل تعليمية بسيطة مثل دفتر التحضير.

ويتابع السلوم أنه كان يحفز الطلاب على التفاعل والمنافسة من خلال إعطائهم تمارين ومسائل تشجيعية تجعلهم يتسابقون لحلها، مردفاً إلى أن أكبر تحدٍ كان لديه هو العدد الكبير في الصف، ومع ذلك كان قادراً على ضبط الصف والسيطرة عليه. 

ويشير إلى أنه كان يعتبر الطلاب أبناءه، وأن علاقته الشخصية بهم تقوم على أسس الأبوة والاحترام، وهو ما ساهم في نجاحه المهني، مضيفاً أنه بالكاد جلس على الكرسي أثناء إعطاء الدروس، إلا أحياناً عند حل الطلاب للتمارين.

ويظهر التعامل الجيد للمعلم تأثيراً واضحًا في النتائج، حيث يحب الطالب المادة ويدرك أهميتها، ويهتم بالدفاتر والواجبات والملاحظات، ويشارك بفاعلية في الصف، وتظهر علامات تحسّن واضحة في امتحاناته، ويشعر بسعادة وحماس خلال الحصة. 

أما الأسلوب القاسي أو الجاف في التدريس فيؤدي إلى نتائج سلبية، فالطلاب قد يفقدون اهتمامهم بالمادة، تقل مشاركتهم، يهملون الواجبات، وقد تنخفض درجاتهم، ويشعرون بالملل وعدم الرغبة في الحصة، ما يؤثر على تجربتهم التعليمية بشكل عام.

ويشير الخبراء إلى أن أسلوب المعلم وطريقة تقديمه للمادة تؤثر مباشرة على تعلق الطالب بها، فربط الدروس بالحياة اليومية واستخدام الأنشطة التفاعلية وطرح الأسئلة المفتوحة يزيد من مشاركة الطالب ويجعله يرى المادة ممتعة وذات معنى، بينما الأسلوب الجاف أو الصارم قد يؤدي إلى الملل وفقدان الاهتمام. 

كما يؤكد التربويون أن العلاقة الإيجابية بين المعلم والطالب تؤثر على أداء الطالب، فالثقة المتبادلة والاستماع لاحتياجات الطالب تجعله أكثر استعداداً للمشاركة، وتزيد قدرته على فهم المادة وتطبيقها، كما تحوّل التعلم من واجب إجباري إلى تجربة محفزة ومحبوبة.

ويعد أسلوب المعلم وطريقة تعامله مع الطلاب في الصف من أبرز العوامل التي تؤثر على تجاوبهم مع المادة ومستوى مشاركتهم، فالتعامل الإيجابي يعزز الاهتمام والتحصيل، بينما الأسلوب الجاف يقلل التفاعل ويؤثر على أداء الطالب الدراسي.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
“خميس النبات” يعود إلى حمص… إحياء موروث شعبي يعلن قدوم الربيع وينعش الذاكرة الجماعية

تعود مدينة حمص لإحياء أحد أبرز موروثاتها الشعبية مع انطلاق “مسير خميس النبات”، في مشهد يعكس استعادة الهوية الثقافية للمدينة وإعادة وصل الحاضر بجذور تاريخية ضاربة في القدم، ضمن جهود رسمية ومجتمعية لإحياء “الخماسات الحمصية” التي شكّلت لعقود طويلة جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي حمص.

وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت سيماز ناجي، مديرة التسويق والإعلام السياحي، أن أهمية “خميس النبات” لا تقتصر على كونه فعالية تراثية، بل تمثل خطوة عملية لإعادة إحياء عادات وتقاليد حمصية توقفت منذ عشرات السنين.

ولفتت إلى أن هذا المسير يرتبط رمزياً ببداية فصل الربيع، ويحمل دلالات التفاؤل وتجدد الحياة، إلى جانب تسليط الضوء على معالم تاريخية بارزة في المدينة، أبرزها ضريح عكرمة ومقام الخضر المعروف بـ“الخضر البراني”.

وأوضحت أن جذور هذا التقليد تعود إلى مئات السنين، حيث كان يشكل مناسبة سنوية ينتظرها الأهالي، قبل أن يتوقف إحياؤه مع دخول الاحتلال الفرنسي وتحويل قلعة حمص إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى انقطاع هذا الموروث عن الحياة العامة.

وأضافت أن ما يجري اليوم هو محاولة جادة لإعادة هذا التقليد إلى الواجهة، من خلال مبادرات تقودها الجمعية التاريخية في حمص، بالتعاون مع فرق تطوعية ونشاطات سياحية وإعلامية تسعى لتذكير المجتمع المحلي بهذا الإرث وإعادة دمجه في الحياة اليومية.

وحول طقوس “خميس النبات”، بيّنت ناجي أن هذه المناسبة كانت تحمل طابعاً اجتماعياً واحتفالياً مميزاً، حيث اعتادت بنات حمص والأطفال على نقع الورود قبل يوم من المسير، ثم الاغتسال بمائها صباحاً في طقس رمزي يعبر عن الطهارة والتجدد.

وبعد ذلك، ينطلق الأهالي في نزهة جماعية نحو قلعة حمص، قادمين من أحياء المدينة القديمة مثل باب هود وباب التركمان وباب السباع، ليتنقلوا بين مصلى عكرمة في الجهة الشرقية ومقام الخضر البراني في الجهة الغربية، وسط أجواء من الفرح والتلاقي الاجتماعي.

وترافقت هذه المسيرات تاريخياً مع نشاطات شعبية مرافقة، حيث تنتشر تجمعات الباعة المتنقلين الذين يقدمون المأكولات التقليدية والحلويات، إضافة إلى النباتات والخضروات، ولا سيما “الخس” الذي يُعد رمزاً للتفاؤل ببداية موسم زراعي جديد وتجدد دورة الحياة.

وفي إطار استثمار هذا الموروث، أشارت ناجي إلى أن مديرية سياحة حمص تعمل على إدراج “خميس النبات” ضمن روزنامة الفعاليات السياحية الرسمية، عبر تثبيت موعد سنوي له، وتنظيمه ضمن مسارات سياحية تمر في أحياء حمص القديمة، بما يشمل باب هود وباب التركمان وباب السباع وصولاً إلى القلعة، وذلك ضمن خطط تهدف إلى دمج التراث الشعبي بالمنتج السياحي.

وأضافت أن هذه الخطوة ستترافق مع حملات ترويجية عبر المنصات الرقمية، ومشاركة واسعة من الفرق التطوعية والجمعيات الأهلية والجهات الثقافية المختصة بالتراث، بما يسهم في إعادة تقديم حمص كوجهة سياحية نابضة بالحياة، خاصة في ظل المؤشرات الإيجابية لتعافي القطاع السياحي بعد مرحلة التحرير.

وفي سياق متصل، أكدت ناجي أن المديرية تسعى إلى توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل “الخماسات الحمصية” الأخرى، مثل “خميس الحلاوة” و“خميس المشايخ”، باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة من الفعاليات التراثية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للموسم السياحي الربيعي، وتعيد الاعتبار للهوية الثقافية للمدينة.

وبيّنت أن العمل جارٍ بالتنسيق مع وزارة السياحة ومديرية الثقافة والجهات المعنية بشؤون المدينة القديمة، إلى جانب الجمعية التاريخية، لتوثيق هذه التقاليد بشكل علمي وتنظيم فعاليات تعكس الطابع الحمصي الأصيل، مع إمكانية إطلاق أنشطة شعبية جديدة مستوحاة من التراث المحلي.

وختمت ناجي بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية من إحياء “خميس النبات” تتجاوز البعد الاحتفالي، لتصل إلى دعوة الأهالي لاحتضان مدينتهم بعد سنوات من الدمار، والمشاركة في إعادة الحياة إلى شوارعها وأسواقها، مشيرة إلى أن هذه الفعاليات تترك أثراً إيجابياً واضحاً في نفوس المشاركين، وتعزز الشعور بالأمان والألفة، وتدعم في الوقت ذاته عودة النشاط الاقتصادي والسياحي إلى حمص، المدينة التي تستحق أن تستعيد مكانتها وتاريخها، وفق تعبيرها.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
كبار السن في المجتمع السوري: جسر الحكمة والتراث والحنان

يشغل كبار السن مكانة رفيعة في المجتمع السوري، فهم يمثلون مصدراً للحكمة والتجارب الحياتية، وجسراً يربط الأجيال بالماضي، ويعكس القيم الاجتماعية الأصيلة، فمن خلال خبراتهم الطويلة، يسهمون في نقل التراث والثقافة والقصص الشعبية، كما يشكّلون مرجعاً للأبناء في المواقف التي تتطلب نصائح وتوجيهاً، خاصة أن خبرتهم الرزينة تُعد دليلاً يُستند إليه في اتخاذ القرارات المهمة.

احترام وتقدير كبار السن في الحياة اليومية

فمن الناحية الاجتماعية، يحظى كبار السن باحترام وتقدير كبيرين في الوسط المحيط، إذ يسارع الناس إلى الترحيب بهم وإلقاء السلام عليهم، وعرض المساعدة في قضاء حاجاتهم أو تلبية ما يريدونه، وعند دخولهم المجالس، يحرص أهل المجلس على وضعهم في الصدر تعبيراً عن الاحترام والتقدير، ويستمع إليهم الآخرون بانتباه واهتمام.

وبفضل مكانتهم الاجتماعية وخبرتهم، يُعدّ كبار السن من أبرز الشخصيات التي تُشكّل ما يُعرف في المجتمع السوري بـ«الجاهة»، وهي وفد من الوجهاء وأهل المكانة يزور منزل الطرف الآخر في قضايا الزواج أو حل النزاعات وغيرها، حيث يمنح وجودهم ضمن هذا الوفد ثقلاً معنوياً كبيراً ويزيد من تأثير كلمته وفرص قبول وساطته.

نقل التراث والحكايات والذكريات

في الوقت ذاته يميل أغلب الأشخاص إلى الجلوس مع كبار السن للاستماع إلى الحكايات الممتعة والذكريات القديمة التي ينقلونها، فهم يمثلون مصدر التراث والذاكرة، حيث يروون القصص الشعبية والتاريخية والعادات والتقاليد الثقافية التي كانت موجودة في الفترات التي عاشوها سابقاً ولم تعد موجودة اليوم، الأمر الذي يربط الأجيال الجديدة بماضيها ويمنحها صورة أوضح عن تاريخها الاجتماعي.

كما يحرص كثيرون على الاستفادة من حكم كبار السن وخبراتهم، خاصة أنهم عاشوا تجارب حياتية متنوعة وواجهوا صعوبات مختلفة، مما يجعل نصائحهم قيّمة وملائمة للمواقف التي يمر بها الآخرون، كما تسهم خبراتهم في تعليم الأبناء الصبر والتحمل والاحترام وغيرها من القيم، لينشأ الجيل الجديد مدركاً لهذه المبادئ المهمة في الحياة، وفي الوقت نفسه، يشعر كبار السن بالسعادة عند استعادة تلك الذكريات، ويسلّون الآخرين الجالسين معهم بما يحملونه من قصص ومواقف.

الملجأ الآمن للأطفال

ولا يقتصر دور كبار السن في المجتمع السوري على نقل الحكمة والتراث، خاصة أنهم يمنحون الأطفال الحب والاهتمام، حيث يسعون إلى قضاء الوقت معهم والاستماع إلى أحاديثهم ومشاركتهم اللعب والأنشطة اليومية، ما يعكس حجم الحنان والعاطفة التي يحملونها لأفراد الأسرة. 

كما يقدمون الدعم العاطفي للأطفال، ويحرصون على تهدئتهم وتوجيههم بأسلوب محبّ، مما يعزز الروابط الأسرية ويقوّي المودة والتفاهم بين الأجيال، ويجعل الأطفال يشعرون بالأمان والانتماء داخل الأسرة.

وفي كثير من الأحيان، يمثل كبار السن الملجأ الآمن للأطفال، خاصة عند ارتكابهم أخطاء قد يتعرضون بسببها للتأنيب أو العقاب من قبل الأسرة، إذ يكون الجد أو الجدة نقطة أمان لهم، يحمونهم ويدافعون عنهم عند التعرض للقسوة أو الظلم، مما يمنحهم الصغار شعوراً بالطمأنينة والثقة داخل محيطهم الأسري والمجتمعي.

تعليم الأبناء احترام كبار السن ومساعدتهم

ويحرص الأهالي في سوريا بدورهم على تعليم أبنائهم احترام كبار السن في الوسط المحيط، وتشجيعهم على مساعدتهم وتقديم الخدمات لهم عند الحاجة، سواء في تلبية احتياجاتهم اليومية أو دعمهم في المواقف المختلفة، كما يعلّمون الشباب أهمية مراعاة مكانتهم والتقدير لقيمتهم، بما يعزز الروابط الاجتماعية ويضمن استمرار نقل الثقافة والخبرات بين الأجيال.

تقول المعلمة فاطمة قنطار، في حديثها لشبكة شام الإخبارية، إن الأهالي في سوريا يربّون أبناءهم منذ الصغر على احترام كبار السن وتقديرهم في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدة أن هذا الاحترام لم يكن مجرد كلمات أو نصائح، بل سلوكاً عملياً تعلّموه في المنزل والشارع معاً.

وتضيف أنهم اعتادوا مناداة كبار السن بألقاب تقدير مثل "الحجي" و"يا عمي" و"أبو فلان"، كما كانوا يرون آباءهم يفسحون لهم المجال في الدور داخل المؤسسات أو أمام الأفران، ويسارعون إلى مساعدتهم عند الحاجة.

ويشير باحثون اجتماعيون إلى أن كبار السن يشكلون دعامة أساسية في المجتمع، ليس فقط من حيث نقل الخبرة والحكمة للأجيال الجديدة، بل أيضاً في تعزيز التماسك الأسري والاجتماعي، فهم يرسّخون القيم والأعراف التقليدية، ويوجهون الشباب نحو احترام من هم أكبر سناً ومراعاة مكانتهم، كما يسهمون في توفير بيئة أكثر استقراراً وأماناً للأطفال، مما يجعل حضورهم عنصراً لا غنى عنه في توازن الأسرة والمجتمع.

ويظل الجيل القديم في المجتمع السوري رمزاً للحكمة والحنان، وحضورهم يغني الحياة اليومية ويشكل مرجعية للأجيال، خاصة أنه حلقة وصل تربط الماضي بالحاضر، ومصدر إلهام للفخر بالموروث والعادات التي يصونونها وينقلونها.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
حفظ السردية شرط لتحقيق العدالة في سوريا… طرح حقوقي يسلّط الضوء على جوهر الحقيقة

أكدت الحقوقية السورية نور عبد الغني عربو المعروفة باسم نور الخطيب، في مقال نشرته صحيفة الثورة السورية بعنوان "حفظ السردية كشرط تأسيسي للعدالة"، أن مسألة حماية روايات الضحايا تمثل أساساً جوهرياً لأي مسار حقيقي نحو العدالة، مشددة على أن القلق من ضياع القصة أو تحريفها يرتبط مباشرة بإمكانية تحقيق الإنصاف.

شهادة تكشف عمق المعاناة
استعرضت الكاتبة شهادة لامرأة هجّرت قسرياً من منزلها في بلدة إحسم بريف إدلب، قبل أن تعود إليه بعد عامين من هدوء القصف، موضحة أنها لم تتعرف على المكان، ليس فقط بسبب الدمار، بل نتيجة شعورها بأن ما عاشته قد يُنسى أو يُعاد سرده بشكل مختلف، في إشارة إلى الخطر الذي يهدد الحقيقة ذاتها.

 السردية كإطار للحقيقة
أوضحت عربو أن الانتهاكات في سوريا لم تكن حوادث منفصلة، بل جاءت ضمن سياق معقّد ومترابط، ما يجعل تحديد "ما الذي حدث" نقطة الانطلاق لكل مسارات العدالة، مبينة أن السردية تقوم على تجميع الشهادات والأدلة وربطها ضمن إطار يتيح فهم الصورة الكاملة وتحديد المسؤوليات.

أهمية السردية للمساءلة
أشارت الكاتبة إلى أن أي مسار للعدالة، لا سيما الجنائية، يعتمد على وجود سردية متماسكة توضح كيفية وقوع الانتهاكات وتكرارها، مؤكدة أن هذا التماسك هو ما يمنح الأدلة معناها القانوني، ويميز بين حادثة فردية وجريمة ممنهجة.

مخاطر تحريف الرواية
نبهت إلى أن محاولات إعادة صياغة الرواية العامة في سوريا، سواء عبر الإنكار أو التقليل من حجم الانتهاكات أو تقديم روايات تساوي بين الضحية والجاني، تؤدي إلى تشويه الحقيقة وحرمان الضحايا من الاعتراف، وهو أحد أهم عناصر العدالة.

السردية كحق إنساني
لفتت إلى أن السردية لا تُعد مجرد أداة تقنية، بل حقاً أساسياً للضحايا، إذ إن الاعتراف بما تعرضوا له يشكل جزءاً من استعادة كرامتهم، بينما يؤدي تجاهل هذه الروايات إلى مضاعفة الضرر الواقع عليهم.

دورها في العدالة الانتقالية
بيّنت عربو أن أهمية السردية تمتد إلى مسارات العدالة الانتقالية، بما يشمل لجان تقصي الحقائق وبرامج جبر الضرر والإصلاح المؤسسي، مؤكدة أن غياب سردية شاملة قد يؤدي إلى اعتماد مقاربات انتقائية تُقصي بعض الضحايا.

تحديات التوثيق
أوضحت الحقوقية في مقالها، أن التحدي لا يقتصر على جمع الشهادات، بل يشمل التحقق منها وربطها وتقديمها بشكل دقيق، بما يسمح بفهم بنية الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها بشكل فعّال.

تحذير من تجاوز الحقيقة
حذّرت من أن التركيز على إعادة الإعمار أو تجاوز الماضي في المرحلة الحالية قد يدفع نحو القفز فوق الحقيقة أو التعامل معها بشكل انتقائي، ما قد يؤدي إلى تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

اختتمت الكاتبة بالتأكيد على أن حفظ السردية يمثل ضرورة أخلاقية وقانونية، كونه الضامن لعدم إنكار الانتهاكات والأساس لبناء عدالة مستدامة، مشددة على أن التحدي لا يتعلق فقط بكيفية التوثيق، بل بمن يمتلك القدرة على تعريف الحقيقة.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
أكيتو.. بداية الربيع وتجدد الحياة في ثقافة السريان والآشوريين

يصادف اليوم الأول من نيسان، عيد رأس السنة البابلية الآشورية، المعروف بعيد "أكيتو"، أحد أقدم الأعياد في التاريخ، الذي يحتفل به الآشوريون والسريان والكلدان، لتأكيد الانتماء للهوية الثقافية والحفاظ على التراث الحضاري، وإبراز قيم التعايش والمحبة بين مختلف شعوب المنطقة.

جذور عيد أكيتو التاريخية والحضارية

ويُعد عيد أكيتو من أقدم الأعياد التي عرفتها الحضارة الإنسانية، حيث احتفل به الأكاديون والعموريون والآشوريون والكلدان والبابليون والسريان في مناطق سوريا والعراق منذ حوالي العام 4747 قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، ولا يزال هذا العيد يُستخدم اليوم كتقويم تقليدي وثقافي لدى المجتمع الآشوري في سوريا.

وخلال الاحتفال بالعيد، يتبادل الناس عبارة "أكيتو بريخو"، التي تعني، بحسب المصادر التاريخية، الفرح والسرور بمناسبة حلول العيد.

وكلمة "أكيتو" أصلها سومري، ويؤكد الباحثون أنها تعني "البداية" أو "العتبة"، ويقوم الاحتفال بهذا العيد على الترحيب بفصل الربيع وحصاد الشعير، ويُلاحظ هنا الارتباط اللغوي بين كلمة "شعير" في البابلية والأكدية ومفهوم "الشعائر" المتعلق بالطقوس الدينية.

حزب الاتحاد السرياني .. تهنئة بعيد أكيتو
أعلن حزب الاتحاد السرياني تهانيه بمناسبة عيد أكيتو، رأس السنة السريانية الآشورية 6776، موجهاً التبريكات إلى أبناء الشعب السرياني الآشوري، ومهنئاً عموم السوريين بهذه المناسبة، مؤكداً أن سوريا تُعد مهداً لهذا العيد التاريخي، ومنها انطلقت بدايات الحضارة والإنسانية واللغة والعلم، حيث اعتادت الشعوب القديمة الاحتفال في الأول من نيسان ببداية عام جديد يرمز إلى الانبعاث والتجدد ضمن طقوس جامعة بين الإنسان والطبيعة والسلطة.

التمسك بالهوية والتراث
أكد الحزب أن الشعب السرياني الآشوري الكلداني حافظ على إرثه الثقافي واللغوي والتراثي عبر التاريخ، مشيراً إلى أن الاستمرار في الاحتفال بعيد أكيتو يعكس أصالة هذا الشعب وعراقته، ويجسد إرادته الراسخة رغم ما تعرض له من سياسات الإبادة والتهجير والإقصاء التي لم تنجح في طمسه أو إلغائه.

دعوة لإصلاح سياسي شامل
شدد الحزب على أهمية المرحلة التي تمر بها سوريا في ظل مرحلة النهوض بعد الحرب في سوريا وسقوط نظام الأسد البائد، موضحاً أنه رغم جهود الحكومة الانتقالية لتحقيق الاستقرار وتأمين الخدمات، إلا أن هناك فجوات كبيرة ما تزال تؤثر على السلم الأهلي، لافتاً إلى أن أحداث السقيلبية الأخيرة تمثل نموذجاً مقلقاً، وتحمّل السلطات المعنية مسؤولية ما جرى.

الحاجة إلى حوار وطني ودستور جديد
دعا الحزب إلى تبني نهج جديد في إدارة البلاد يقوم على التعددية والتشاركية، مع ضرورة سن قوانين تجرّم خطاب الكراهية والطائفية، مؤكداً أن سوريا بحاجة ملحة إلى حوار وطني شامل يضم جميع القوى، والعمل على صياغة دستور دائم يضمن سيادة الشعب والقانون، ويحمي الحريات العامة والفردية، ويعترف بالتنوع القومي والديني، ويكفل الحقوق الدستورية لمختلف المكونات، بما فيها الشعب السرياني الآشوري.

رسائل وفاء وتقدير
اختتم الحزب بيانه بتجديد التهنئة بهذه المناسبة، مستذكراً تضحيات الشهداء، ومثمناً جهود جميع من ناضلوا من أجل قضية الشعب ومستقبل سوريا، معبراً عن الأمل ببناء وطن أفضل قائم على العدالة والشراكة بين جميع أبنائه.

التقويم الآشوري وأسماء الأشهر القديمة

ويرجع أصل هذا العيد إلى السلالة البابلية الأولى في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، حيث كان تحديد بداية السنة يعتمد على عناصر طبيعية متعددة، أبرزها حركة القمر، إذ كان معروفًا أن شهر "نيسانو" (نيسان) يبدأ وفق التقويم الآشوري ليلة الاعتدال الربيعي.

ففي العصور القديمة، كان التقويم الآشوري يبدأ بشهر نيسان وينتهي بشهر آذار، وقد سُمّيت هذه الأشهر نسبةً إلى الآلهة التي كانت تُعبد في تلك الفترة قبل الميلاد، وهي:

شهر الإله (أنوو انليل) نيسان، 2- شهر الإله (ايا) سيد الشعوب "أيار"، 3- شهر الإله (نتورتو) البطل الكبير "تمّوز"، 4- شهر الإله (عشتار) سيدة الشعوب "أيلول"، 5- شهر الإله (شمش) بطل كل العالم "تشرين الأول". 

6- شهر اراه ساحين شهر الإله (مردوخ) أكثر الآلهة حكمة "تشرين الثاني"، 7- شهر كسلق شهر الإله (نركال) البطل الكبير "كانون الأول"، 8- شهر تبت شهر الإله (بابسوكال) وزير الإله انو والإله عشتار "كانون الثاني"، 9- شهر الإله (ادد) سيد المياه والسماء والأرض "شباط"، 10- شهر الآلهة السبعة (الآلهة العظام) "أذار".

كما تشير المصادر التاريخية إلى أن عيد أكيتو  من أقدم الاحتفالات الثقافية والدينية في المنطقة، ويعود الاحتفال به إلى العصور السومرية والآشورية، حيث كان مرتبطاً بالدورة الزراعية، خاصة فصلي البذار والحصاد، اللذين كانا يرمزان إلى تجدد الحياة وبداية عام جديد.

وكان مرتبطاً في الأصل بطقوس دينية تُقام في معابد بلاد ما بين النهرين، للاحتفال بانتصار النظام والخير على الفوضى والشر، ويشكل الاحتفال به اليوم رمزاً لهوية وثقافة الشعوب السريانية والآشورية والكلدانية.

كيفية الاحتفال بعيد أكيتو

عادة ما يحتفل بعيد أكيتو من خلال مجموعة من الفعاليات الثقافية والدينية التي تشارك فيها فرق فنية متنوعة، مع ارتداء الأزياء التراثية التقليدية وأداء الأغاني الشعبية، بهدف تعزيز قيم المحبة والسلام بين جميع شعوب المنطقة.

غالباً ما يرتدي الرجال السراويل الفضفاضة والأوشحة الطويلة مع إضافات ملونة على طيات العمامة، ويُعد هذا أحد أبرز طقوس الاحتفال بعيد أكيتو، كما تُقام الرقصات الشعبية في الساحات والأماكن العامة على أنغام الموسيقى والأغاني التقليدية، مما يضفي جوًا من البهجة والاحتفال.

ومن أبرز التقاليد التي تقوم بها العائلات تحضيرها المأكولات التقليدية الشهية، وتجمعها حول موائد الطعام لتبادل الأطباق والفرحة بمناسبة حلول العام الجديد.

وتُقسم أيام الاحتفال بعيد أكيتو إلى طقوس متتابعة، حيث تُخصص الأيام الثلاثة الأولى للطقوس المرتبطة بالحزن، تليها يومان مخصصان للطهارة وطلب الغفران، ثم يختتم الاحتفال بيومي الأمل والرجاء.

ويذكر أن الآشوريون والكلدان والسريان يشكلون مجموعة عرقية دينية سامية مسيحية، يقيمون تقليديًا في شمال ما بين النهرين، في مناطق من العراق وسوريا وتركيا، وبأعداد أقل في إيران، كما توجد جاليات كبيرة منهم في المهجر، خصوصاً في الولايات المتحدة ودول أوروبا.

ويتحدثون اللغة السريانية كلغة أم، وهي إحدى اللغات السامية الشمالية الشرقية، وينحدرون تاريخياً من حضارات قديمة في الشرق الأوسط، أبرزها الحضارة الآشورية والحضارة الآرامية.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
الدروس الخصوصية: وسيلة تعليمية أم عبء مستمر على الأسرة؟

شهدت الدروس الخصوصية خلال السنوات الأخيرة في سوريا انتشاراً واسعاً بين الطلاب، في ظل ما رافق تلك الفترة من ظروف أثرت على مستوى التحصيل الدراسي وجودة التعليم داخل المدارس، ما دفع كثيراً منهم إلى الاعتماد عليها لتعويض هذا التراجع، رغم ما يترتب عليها من أعباء اقتصادية إضافية على أسرهم.

تتعدد دوافع لجوء الطلاب إلى الدروس الخصوصية، فمنها ما يرتبط بالطالب نفسه، ومنها ما يتعلق ببيئة التعليم داخل المدرسة، فبعض الطلاب يعانون ضعفاً في مادة معينة نتيجة ضعف التأسيس في المراحل السابقة أو صعوبة الاستيعاب، كما أن شعور بعضهم بالخجل يمنعهم من طرح الأسئلة داخل الصف أمام زملائهم، ما يدفعهم إلى تفضيل الدروس الخصوصية حيث يكون عدد الطلاب أقل ويشعرون بارتياح أكبر في طرح استفساراتهم.

أما الأسباب المرتبطة بالمدرسة، فتشمل ازدحام الصفوف وضيق الوقت المخصص للشرح، الأمر الذي قد لا يتيح للمعلم متابعة مستوى جميع الطلاب بشكل كافٍ، وفي المقابل، يلتحق بعض الطلاب بالدروس الخصوصية رغم عدم حاجتهم الفعلية إليها، وذلك بدافع من الأهالي الذين يسعون للاطمئنان على مستوى أبنائهم وضمان حصولهم على درجات مرتفعة.

تقول الطالبة فاطمة الموسى، طالبة بكالوريا علمي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مادة الرياضيات تُعد من أكثر المواد التي تحتاج إلى جهد إضافي خارج المدرسة، موضحةً أنه رغم حضورها الحصص الدراسية، وحرص المعلم على شرح الدروس وحل المسائل والإجابة عن أسئلة الطلاب، فإنها عند مراجعة الدرس في المنزل تشعر أحياناً بوجود نقاط لم تفهمها بالشكل الكافي وتحتاج إلى إعادة شرح.

ومن جانبها، تشير الطالبة ريماس العبدو إلى أن منهاج اللغة الإنجليزية يتطلب جهداً إضافياً خارج الصف، موضحةً أنه يضم قواعد لغوية ودروساً نظرية ومصطلحات تحتاج إلى ترجمة وفهم دقيق، إلى جانب تمارين متعددة تتطلب شرحاً مستمراً.

وتؤكد أن ذلك يدفعها إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية أو الالتحاق بدورات إضافية إلى جانب المدرسة، لافتةً إلى أن بعض الطلاب لا يحتاجون إلى ذلك بسبب تفوقهم في المادة، إلا أن وضعها يختلف، لأن مستواها ضعيف في اللغة الإنجليزية ولا سيما في القواعد.

أدت الدروس الخصوصية إلى تحميل الأهالي أعباءً مالية ثقيلة، إذ فرضت عليهم تكاليف إضافية إلى جانب التزاماتهم المعيشية اليومية، ما دفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو إنفاق مدخراتها، بل وحتى تقليص بعض احتياجاتها الأساسية، في سبيل تأمين هذه الدروس لأبنائها، خاصة طلاب شهادتي التعليم الأساسي (التاسع) والثانوي (البكالوريا).

ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه المرحلة تُعد مفصلية في حياة أبنائهم، ولا سيما شهادة البكالوريا التي تحدد مستقبل الطالب والاختصاص الذي سيلتحق به لاحقاً، ما يجعلهم مستعدين لتحمل أعباء مالية كبيرة وتقديم تضحيات من أجل ضمان تحصيل دراسي أفضل لأبنائهم.

تروي ميادة محمد، 50 عاماً، لشبكة شام أن لديها ابنة تدرس في مرحلة البكالوريا، مشيرةً إلى أنها كانت تملك إسورة ذهبية تزن نحو 8 غرامات، فقررت بيعها مؤخراً وتخصيص المال لتأمين ما قد تحتاجه ابنتها من دروس خصوصية ومصاريف تعليمية أخرى.

وتؤكد ميادة أنها لم تكن تملك سوى هذه الإسورة، لكنها لم تتردد في بيعها، موضحة أن الأهم بالنسبة لها هو نجاح ابنتها هذا العام وحصولها على مجموع يؤهلها لدخول كلية الصيدلة، مشددةً على استعدادها لتقديم أي تضحية مادية أو معنوية من أجل تحقيق هذا الحلم.

في المقابل، هناك طلاب يحتاجون فعلاً إلى دروس خصوصية، لكن أهاليهم غير قادرين على تحمل تكاليفها، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل أخرى، مثل الدراسة الذاتية المكثفة، أو الاستعانة بالإنترنت، أو سؤال زملائهم في الصف، أو المعلمين، أو أي أشخاص من محيطهم يمكن أن يقدموا لهم المساعدة، ورغم أن هذه البدائل تكبدهم جهداً إضافياً مقارنة بالدروس الخصوصية، إلا أنها تبقى الحل الوحيد المتاح أمامهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

من ناحية أخرى، توفر الدروس الخصوصية مصدر دخل للمدرسين، ويتم اختيارهم من قبل الطلاب بحسب شهرتهم ومهارتهم وقدرتهم على تقديم الدروس بفعالية، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليهم أعباء إضافية، خاصة بعد انتهاء دوام المدرسة والتزاماتها، إذ يُضطر الأستاذ للعودة إلى المنزل لإعطاء الدروس للطلاب الآخرين ومتابعة مستواهم، مما يجعل يومه حافلاً بالمسؤوليات والمهام.

عادةً ما يلجأ المعلمون إلى تقديم الدروس الخصوصية لعدة أسباب، أبرزها ضعف الرواتب التي يتقاضونها وعدم كفايتها لتلبية احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب ظروفهم الاقتصادية المتردية ومعاناتهم من مشاكل مادية، فضلاً عن رغبتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية.

وترتبط أسعار الدروس الخصوصية بعدة عوامل، أبرزها مستوى الأستاذ وخبرته، فغالباً ما تكون أسعار المعلمين المشهورين في المنطقة أعلى مقارنة بغيرهم، خاصة إذا كان الطلاب الذين حضروا دروسهم سابقاً قد حصلوا على درجات تامة أو شبه تامة، أو أظهروا اهتماماً وشغفاً بالمادة.

كما تؤثر طبيعة المادة التعليمية على السعر، فبعض المواد تحتاج إلى شرح وتمارين أكثر فتكون تكلفتها أعلى، ويُعدّ عدد الطلاب في الدرس عاملاً آخر، حيث تكون الدروس الفردية أغلى من الدروس الجماعية لأن الطالب يحصل على انتباه كامل من المدرس، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل صعوبة المنهاج والطلب على المادة.

يشير تربويون إلى أن الدروس الخصوصية أصبحت ظاهرة منتشرة بين الطلاب، لكنهم يحذرون من الاعتماد المفرط عليها، معتبرين أن الهدف الأساسي هو دعم الطالب في نقاط ضعفه وليس تعويض المنهاج بالكامل، لأن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الاعتماد على المدرسة وتثبيط قدرة الطالب على التعلم الذاتي، ما يجعل الحاجة إليها مستمرة ويثقل كاهل الأهالي مالياً.

ويرون أن الحلول لتخفيف هذا العبء تتمثل في تحسين جودة التعليم داخل المدرسة نفسها، من خلال منح الطلاب وقتاً إضافياً للتمارين والتوضيح أثناء الحصص أو بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتفعيل حصص تقوية صغيرة للطلاب الذين يواجهون صعوبة في فهم المادة.

ويؤكدون أنه يمكن للأهل والطلاب الاستفادة من الموارد المتاحة على الإنترنت كالشرح المبسط للفيديوهات التعليمية والتمارين التفاعلية، أو طلب مساعدة مدرسين متطوعين أو زملاء متمكنين عند الحاجة، ما يوفر بدائل أقل تكلفة للدروس الخصوصية التقليدية ويخفف العبء المالي عن الأسرة.

تعد الحاجة إلى الدروس الخصوصية من الظواهر المنتشرة في المجتمع السوري، حيث يلجأ إليها الطلاب أحياناً نتيجة ضعفهم في بعض المواد أو حرص الأهالي على ضمان تفوق أبنائهم، ما يضطر الطلاب لبذل جهود إضافية ويكلف الأهالي نفقات مالية إضافية.

 

 

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
طقوس استقبال المواليد في سوريا: عادات متجذرة تعكس تلاحم العائلة واستمرار التراث

تُعد ولادة طفل جديد لحظة هامة ومناسبة خاصة لدى العائلات في سوريا، إذ تستقبلها بجملة من التحضيرات الاجتماعية والعائلية التي تندرج ضمن العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، تعبيراً عن فرحتها بقدوم المولود وحرصاً على الالتزام بالممارسات التي اعتادت الأسر القيام بها في مثل هذه المناسبات السعيدة.

ولا تقتصر التحضيرات لاستقبال المولود على الوالدين فقط، وإنما تمتد لتشمل الجدات وأفراد العائلة الممتدة من أعمام وعمّات وأخوال وخالات، إلى جانب الأصدقاء والمعارف، مع وجود بعض الاختلافات في طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف بحسب صلته بالعائلة وقربه منها.

يحرص الوالدان على تجهيز مستلزمات الطفل الأساسية قبل ولادته مثل الملابس والسرير والأغطية المناسبة، إلى جانب ترتيب المنزل وتهيئته لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون لتهنئتهم بعد الولادة، وفي بعض الحالات يقوم الأب بتزيين المنزل بطريقة جميلة تعبيراً عن فرحته بقدوم المولود وسلامة زوجته.

ويُطلق في اللهجة المحلية السورية على ملابس الطفل اسم "الديارة"، وهي من أولى المستلزمات التي يتم تجهيزها قبل الولادة، إذ تتولى الأم إعدادها في بعض العائلات، بينما تُسند هذه المهمة في عائلات أخرى إلى الجدة، سواء كانت والدة الأم أو والدة الأب، وذلك تبعاً للعادات والتقاليد السائدة في كل منطقة واختلاف الأعراف بين الأسر.

وتلعب الجدات دوراً مهماً في هذه المرحلة من خلال تقديم الخبرة والنصائح للأم، إذ يفضّل بعضهن البقاء إلى جانبها لمساعدتها، خاصة أنها تكون متعبة في هذه الفترة ويصاحبها الألم، ما يجعلها بحاجة إلى مساندة مستمرة من الجدات، بالإضافة إلى الزوج وأفراد العائلة الآخرين.

كما تميل بعض العائلات لتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب والأصدقاء فرحا بمناسبة قدوم الطفل وتجاوز الأم مرحلة الولادة بسلام، بعد الولادة، يتوافد المهنئون لتهنئة العائلة ومشاركة فرحتهم بالمولود الجديد، حاملين هدايا تتنوع بحسب إمكانياتهم والمعروفة باسم "النقوط"، وقد تكون موجهة للأم أو للطفل، وتشمل الملابس أو المال أو أشياء أخرى ذات فائدة وأهمية، وتتراوح بين البسيطة والثمينة، لتعكس مشاعر الفرح والمودة بين العائلة والمحيطين بها.

رغم الظروف القاسية التي مرت بها سوريا من نزوح وقصف وتراجع الإمكانيات المادية، بقيت هذه العادات والتقاليد محافظة على حضورها في مناسبات استقبال المواليد، مع بعض التغيرات الطفيفة، وما تزال تمارسها العائلات لتعبّر عن فرحتها بالمولود الجديد.

حتى العائلات التي هجرت أو نزحت خارج البلاد كانت تحرص على المشاركة في فرحة استقبال المولود مع أقاربهم وأصدقائهم وأفراد العائلة الذين بقوا في سوريا، من خلال إرسال الحوالات المالية وتهنئتهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ما يعكس استمرارية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة رغم البعد والمسافات.

تساهم هذه العادات والتقاليد في تقديم العديد من الإيجابيات للعائلة، فهي توفر الدعم والمساعدة مباشرة بعد ولادة الطفل، خاصة في الحالات التي تواجه فيها الأسرة صعوبات مادية في تغطية احتياجات المولود، كما تمنح الأم مساندة معنوية وتؤكد لها وللأسرة أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة التي تتطلب تحضيرات وتجهيزات متعددة لاستقبال الطفل الجديد.

وتُقوي هذه العادات الروابط الاجتماعية والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة والأقارب والأصدقاء، حيث يجتمع الجميع حول حدث فرح مشترك، ما يعزز تلاحم الأسرة والمجتمع المحلي، كما يساعد على حفظ التراث الثقافي واستمرار التقاليد السورية، ما يعكس صورة مميزة عن المجتمع وممارساته الاجتماعية، إضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة قيم التعاون والاحترام ومساندة الآخرين في المناسبات السعيدة والحزينة من خلال المشاركة في هذه الطقوس.

يؤكد المختصون أن هذه العادات والتقاليد تعكس مدى حرص المجتمع السوري على المحافظة على هويته الثقافية والروابط الأسرية، فهي لا تقتصر على الاحتفال بالمولود، بل تعمل أيضاً كإطار اجتماعي يربط بين الأجيال وينقل القيم والتقاليد، كما تعكس المكانة الرمزية للطفل داخل الأسرة وتشجع على التفاعل والمشاركة بين أفراد العائلة والمجتمع المحيط، مما يجعل قدوم الطفل مناسبة تجمع بين البعد الشخصي والعائلي والمجتمعي في آن واحد.

 

اقرأ المزيد
٣١ مارس ٢٠٢٦
بين الدين والتاريخ وتقلبات الحياة: كيف تختار العائلات السورية أسماء أطفالها

تعتبر تسمية المواليد من القرارات الهامة التي تشغل الأسرة في سوريا، إذ يسعى الوالدان جاهدين لاختيار اسماً يليق بالطفل ويستند إلى سبب محدد لاختياره، سواء ارتبط بالدين أو الثقافة أو حدث اجتماعي معين، ما يعكس مكانة الاسم في الهوية الشخصية والاجتماعية، كما تظل هذه المرحلة محورية في حياة الأسرة.

عادةً، يختار الأهل اسم المولود بعد الكشف عن جنسه خلال فترة الحمل، سواء كان ذكراً أم أنثى، بينما تفضل عائلات أخرى تأجيل الموضوع إلى ما بعد الولادة مباشرة، وقد يحدث في بعض الحالات أن تحدد الأسرة اسماً مسبقاً ثم تغيّره لاحقاً نتيجة ظروف طارئة أو اعتبارات جديدة حصلت، ما يعكس حساسية اختيار الاسم وأهميته لدى العائلة.

وتتعدد العوامل التي تؤثر في اختيار الاسم، فبعض العائلات تميل إلى تسمية أبنائها بأسماء شخصيات تاريخية بارزة تركت أثراً واضحاً، مثل صلاح الدين الأيوبي الذي قاد معركة حطين، ومحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، وطارق بن زياد الذي فتح الأندلس، وغيرها من الشخصيات التي ارتبطت بانتصارات شكلت محطات مهمة في التاريخ.

في هذا السياق، يقول محمد المصطفى، 60 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه كان معجباً بشخصية صلاح الدين الأيوبي، الذي تمكن من تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من احتلال الصليبين، وازداد تعلقه بهذا الاسم بعد مشاهدته لعمل فني تاريخي يتناول قصته، لذلك أطلق الاسم على ابنه متمنياً أن يكون شجاعاً مثله في المستقبل، إلا أن الطفل توفي عن عمر يناهز 13 عاماً بسبب مرض مفاجئ.

وبجانب التأثر بالتاريخ، تتأثر تسمية المواليد أحياناً بالميول السياسية لدى بعض العائلات، التي تختار إطلاق أسماء شخصيات سياسية أو رئاسية بارزة على أبنائها، تقديراً لمكانتها أو لدورها في المجتمع، وقد تشمل هذه الأسماء رؤساء سابقين أو حاليين أو شخصيات حكومية شهيرة أثرت في الحياة العامة.

فخلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)، انتشر في سوريا اسمَي "جمال" و"ناصر"، تعبيراً عن تقدير الأهالي وإعجابهم بشخصية الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر.

كما تميل بعض العائلات إلى اختيار أسماء تحمل طابعاً دينياً، ففي العائلات المسلمة تتكرر أسماء مثل فاطمة، محمد، أحمد، ومحمود، بينما تختار الأسر المسيحية غالباً أسماء مثل جورج، ميخائيل، بطرس، وأنطون وغيرها.

في حالات أخرى، يفضل الأزواج إطلاق أسماء آبائهم على أبنائهم، فغالباً ما يُسمى الابن البكر باسم جده، والابنة الكبرى باسم جدتها، وكان من الشائع أن الشخص الذي لا يلتزم بذلك ينزعج الوالدان منه ويتعرض للنقد من قبل الآخرين، فيما بعد شهد هذا التقليد بعض التراجع نتيجة ميول العائلات لاختيار أسماء أكثر حداثة لأبنائهم.

ويروي عبد القادر حاج محمد، 50 عاماً، لـ شام قصة حصلت معه قبل خمسة وعشرين عاماً، قائلاً إن والدته كانت تُدعى 'نعوس'، مشيراً إلى أنه لو كان اسمها مختلفاً لاختار إطلاقه على ابنته، لكنه رأى أن 'نعوس' لا معنى له وغير مقبول، وخشي ألا تسامحه ابنته مستقبلاً لو أطلق عليها هذا الاسم. 

ويضيف أنه اختار في النهاية اسم 'إكرام' الذي يحمل معنى أفضل وطابعاً دينياً، منوهاً إلى أن والدته شعرت بالانزعاج في البداية ولم تزره لتهنئته بالمولودة، واستمرت في ملامته لفترة قصيرة، قبل أن تُنسى المسألة وتعود الأمور بينهما إلى طبيعتها.

في حالات أخرى، يميل الأهل أحياناً إلى تسمية أبنائهم بأسماء أقارب رحلوا عن الحياة، تعبيراً عن الوفاء لهم وإحياء لذكراهم داخل الأسرة، كما قد يستلهمون أسماء شخصيات ناجحة من الوسط المحيط، متمنين أن يحظى أبناؤهم بنفس النجاح والتميز.

ولا تقتصر مصادر الأسماء على العائلة فقط، فالأهل أحياناً يختارون أسماء مستوحاة من الفنانين أو الشخصيات التي ظهرت في أعمال فنية حظيت بمتابعة وشهرة، أو أسماء جديدة ذُكرت في مسلسلات وبرامج تلفزيونية، تعبيراً عن إعجابهم أو تأثرهم بها.

تشير ابتهال العمر، 50 عاماً، إلى أنها عندما كانت حاملاً بابنتها الأولى كانت تسمع عن معلمة في قريتها تُدعى ولاء، معروفة بثقافتها وترتيب منزلها، مضيفة أنها عندما التقت بها وجهاً لوجه أُعجبت بجمالها وأسلوب حديثها، فقررت أن تُسمي ابنتها على اسمها، متمنية أن تشبهها في أخلاقها ومستقبلها.

ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الأهالي الوصول إلى مجموعة واسعة من الأسماء ومعانيها، والتعرف على الأكثر انتشاراً والأكثر قبولاً اجتماعياً، مقارنة بالماضي حين كان الأهل يسألون الأقارب ويجمعون الأسماء على ورقة قبل الاختيار، فبات بإمكانهم اليوم تصفح قوائم متعددة واختيار الاسم الأنسب لأبنائهم بسهولة ومرونة.

وقد تركت الثورة السورية وأحداثها أثراً واضحاً في اختيار أسماء المواليد، حيث فضّلت العديد من العائلات أن تطلق على أبنائها أسماء شهداء استشهدوا خلال سنوات الثورة، تخليداً لذكراهم وتعبيراً عن التقدير والتأثر بهذه التضحيات.

كما أطلق بعض الأهالي على أبنائهم أسماء تعكس الظروف القاسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، مثل هاجر وفراق، تعبيراً عن تجاربهم وتأثير النزوح والغربة على حياتهم.

وشهد اسم 'بشار' تراجعاً كبيراً في التداول في المناطق التي لم تكن خاضعة لسيطرته قبل التحرير، إذ لم يقتصر الأمر على معارضة سياسة النظام القمعية فحسب، بل أصبح كثير من الأهالي يتجنبون إطلاق هذا الاسم على أبنائهم، مما يعكس التأثير الذي قد يتركه الشخص نفسه بالاسم الذي يحمله.

وخلال معركة ردع العدوان التي قادت إلى النصر وإسقاط نظام الأسد، كثرت الأحاديث والأخبار عن طائرات 'شاهين' المسيّرة ودورها الحاسم في المعركة، فاختارت بعض العائلات إطلاق اسم 'شاهين' على مواليدها، بينما أطلق آخرون أسماء مرتبطة بالانتصار مثل 'نصر' على الأبناء.

ويشير الباحثون الاجتماعيون إلى أن اختيار الأسماء ليست وسيلة للتمييز بين الأفراد فقط، وإنما انعكاس للقيم والمعتقدات والميول الثقافية والاجتماعية للعائلة، ويساهم في تشكيل الهوية الشخصية والاجتماعية للطفل منذ ولادته، كما يوضح طبيعة البيئة التي ينشأ فيها والأحداث التي تؤثر على الأسرة والمجتمع المحيط.

ويظل اختيار اسم المولود في سوريا تقليداً اجتماعياً يجمع بين الثقافة والدين والتأثر بالأحداث المحيطة، ويعكس ميول العائلة وقيمها، ويمنح الاسم دلالة ومعنى لا يقتصر على مجرد التسمية، بل يصبح جزءاً من هوية الشخص عندما يكبر وروابطه الأسرية والاجتماعية.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >