٢٩ مارس ٢٠٢٦
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الشعوب بما امتلكته من سلاح، بل بما احتفظت به من إنسانيتها. وسوريا، الخارجة من ظلال حقبة ثقيلة، تقف اليوم أمام اختبارٍ أدقّ من كل ما سبق: اختبار العيش معاً، لا بوصفه ضرورة، بل خياراً واعياً ومسؤولاً.
لقد أثبت السوريون، رغم كل ما مرّ بهم، أن النسيج الذي يجمعهم أعمق من أن تمزّقه سنوات العنف أو محاولات التفتيت. هذا النسيج لم يكن يوماً شعاراً سياسياً، بل حقيقة اجتماعية عاشت في تفاصيل الحياة اليومية: في الجيرة، في الخبز المشترك، في الأفراح التي لا تسأل عن الهوية، وفي الأحزان التي لا تفرّق بين كنيسة ومسجد.
وإذا كانت أحداث الأمس في بعض المناطق قد أعادت إلى السطح خطاباً طائفياً مقلقاً، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن شيء أكثر أهمية: هشاشة هذا الخطاب أمام وعي الناس، وسرعة انكشافه حين يُقارن بحقيقة العلاقات بين السوريين. فالتوتر، مهما بدا صاخباً، يظل عابراً إن لم يجد حاضنة، والسوريون – في عمقهم – يرفضون أن يكونوا وقوداً لأي فتنة.
في هذا السياق، جاء قرار بعض الكنائس بالاكتفاء بالصلوات دون مظاهر احتفالية في عيد الفصح، كإشارة تحمل أكثر من معنى. هو تعبير عن حساسية اللحظة، وعن إدراك عميق بأن الفرح لا يكتمل إن لم يكن مشتركاً، وأن الأعياد في جوهرها ليست طقوساً فقط، بل رسائل سلام. هذا القرار، في رمزيته، يضع الجميع أمام سؤال جوهري: كيف نحمي هذا السلام الهشّ من الانزلاق؟
الإجابة لا تكمن فقط في وعي المجتمع، بل في دور الدولة أيضاً. فالدولة السورية، في مرحلتها الجديدة، مطالبة بأن تكون الضامن الفعلي لهذا التوازن، لا عبر الخطاب، بل عبر الفعل: ترسيخ العدالة، حماية الحريات الدينية، ومواجهة أي خطاب متطرف – أياً كان مصدره – بحزم لا لبس فيه. لأن التساهل مع الراديكالية، مهما كان مبرره، هو الباب الأوسع لعودة الانقسام.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه سوريا اليوم ليس الاختلاف، بل تحويل هذا الاختلاف إلى أداة صراع. وهنا تحديداً تتجلّى مسؤولية النخب، والمؤسسات، والمبادرات المجتمعية: في إعادة تعريف العلاقة بين السوريين على أساس المواطنة، لا الانتماء الضيق، وعلى أساس الشراكة، لا الغلبة.
لقد تعب السوريون من الكراهية، أكثر مما تعبوا من الحرب نفسها. وهم، في صمتهم العميق، يميلون إلى الحياة، إلى البساطة، إلى أن يكونوا معاً دون شروط. وهذه الرغبة الصادقة هي الثروة الحقيقية التي يجب حمايتها.
حماية التعايش ليست مهمة ظرفية، بل مسار طويل يتطلب وعياً يومياً، ومواقف مسؤولة، وإرادة سياسية واضحة. وهي تبدأ من تفاصيل صغيرة: كلمة، موقف، مبادرة، لكنها تتراكم لتصنع واقعاً مختلفاً.
في النهاية، لا تُبنى سوريا الجديدة فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة الثقة بين أبنائها. وهذه مهمة لا تقل صعوبة، لكنها بالتأكيد أكثر أهمية.
سونير طالب
٢٦ مارس ٢٠٢٦
أدخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران السباق التكنولوجي العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تسجيل ارتفاع في تكاليف الشحن البحري بين 30% و40% على بعض المسارات المرتبطة بالشرق الأوسط، بالتوازي مع صعود أسعار النفط والغاز بنسب تراوحت بين 20% و30% خلال فترات التصعيد، ما انعكس مباشرة على تكلفة إنتاج التكنولوجيا المتقدمة.
ويُعد مضيق هرمز نقطة مفصلية في هذا التأثير، إذ يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ما يجعله أحد أهم محددات أسعار الطاقة، وبالتالي كلفة تشغيل الصناعات التكنولوجية، خصوصًا مصانع أشباه الموصلات التي تعتمد على طاقة كثيفة واستقرار تشغيلي دقيق.
في قطاع الرقائق، تتجلى هشاشة سلاسل التوريد بوضوح، إذ تتركز أكثر من 70% من القدرة التصنيعية العالمية في تايوان وكوريا الجنوبية، بينما تعتمد هذه الصناعة على شبكة توريد عالمية تبدأ من مواد خام تُستخرج في دول مثل الصين والولايات المتحدة، وتمر عبر مسارات شحن حساسة، قبل أن تصل إلى مراكز التصنيع المتقدمة.
وأدى تحويل مسارات السفن بعيدًا عن مناطق التوتر إلى زيادة زمن الشحن عالميًا بنحو 10 إلى 15 يومًا، ما تسبب بتأخير وصول مكونات أساسية مثل الرقائق واللوحات الإلكترونية، وهو ما انعكس على جداول إنتاج شركات التكنولوجيا، وأدى في بعض الحالات إلى تأجيل إطلاق منتجات جديدة.
هذه الضغوط دفعت دولًا صناعية إلى تسريع خطط توطين الإنتاج، حيث خصصت الولايات المتحدة أكثر من 50 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق، بينما تعمل ألمانيا ودول أوروبية أخرى على جذب استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار لإنشاء مصانع محلية، في إطار تقليل الاعتماد على آسيا.
في المقابل، تواصل الصين تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد باستثمارات تتجاوز 150 مليار دولار لتعزيز الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، ما يعكس تحول السباق التكنولوجي إلى سباق سيادي مرتبط بالأمن القومي.
ولا يقتصر التأثير على التصنيع، إذ ارتفعت كلفة تشغيل مراكز البيانات—التي تستهلك بين 1% و2% من الكهرباء عالميًا—بفعل أسعار الطاقة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى نحو 4% بحلول 2030 نتيجة التوسع في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل تكلفة الطاقة عاملًا حاسمًا في تحديد مواقع الاستثمار التقني مستقبلًا.
بالتوازي، تصاعدت المخاطر السيبرانية المرتبطة بالحرب، حيث تشير تقديرات إلى زيادة تتجاوز 30% في الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شركات تكنولوجيا كبرى ومشغلي خدمات حيوية، ما دفع إلى مضاعفة الإنفاق على الأمن السيبراني عالميًا.
كما بدأت الشركات الكبرى بإعادة تصميم سلاسل التوريد وفق نموذج “التعدد الجغرافي”، عبر توزيع الإنتاج بين أكثر من دولة لتقليل المخاطر، بدل الاعتماد على مركز واحد، وهو تحول جذري مقارنة بنموذج “الكفاءة القصوى” الذي كان سائدًا خلال العقدين الماضيين.
وانعكست هذه التحولات على المستهلكين، مع تسجيل ارتفاع في أسعار الأجهزة الإلكترونية عالميًا بنسب متفاوتة، وتأخر إطلاق بعض المنتجات، إلى جانب زيادة تكلفة الخدمات الرقمية، خاصة تلك المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
تشير هذه المعطيات إلى أن الحرب لم تؤثر فقط على تدفق السلع، بل أعادت تشكيل قواعد السباق التكنولوجي العالمي، حيث لم يعد التفوق قائمًا على الابتكار وحده، بل على القدرة على تأمين الطاقة، وضمان استقرار سلاسل التوريد، وإدارة المخاطر في بيئة دولية مضطربة.
لذلك يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها التفوق التكنولوجي مرهونًا بعوامل جيوسياسية واقتصادية بقدر ارتباطه بالتقدم العلمي، في ظل حرب تمتد آثارها إلى عمق الاقتصاد الرقمي العالمي.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
في الدول الخارجة من النزاعات، لا تبدأ مرحلة التعافي الحقيقي بإعادة الإعمار، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس العدالة والمساءلة. وفي الحالة السورية، تبدو هذه الحقيقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فعلى الرغم من الخطوات الشكلية التي تمثلت في استحداث هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، والدور الذي تقوم به وزارة العدل إلا أن هذا المسار لا يزال يراوح مكانه، وكأن العدالة نفسها قد أُرجئت إلى أجل غير مسمى. فالمشكلة لم تعد في غياب المفهوم، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويله إلى عملية مؤسساتية فعّالة.
حتى الآن، لم تتمكن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من أداء دورها بوصفها مرجعية مستقلة تقود هذا الملف المعقد، بل بقي حضورها محدودًا، في ظل تداخل واضح في الصلاحيات مع مؤسسات قائمة، وعلى رأسها وزارة العدل، التي ما تزال تعمل ضمن الأطر التقليدية للدولة، دون أن يطرأ تحول حقيقي ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
هذا التداخل لا يعكس مجرد خلل إداري، بل يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المقاربة الرسمية للعدالة الانتقالية. فبدل أن تُطرح كمسار شامل لإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، يجري التعامل معها كملف جزئي يمكن احتواؤه ضمن البنية القانونية القائمة، وهي بنية تشكّلت في سياق مختلف تمامًا، ولا تبدو مؤهلة لمعالجة إرث معقّد من الانتهاكات.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية من داخل نفس الأدوات التي كانت جزءًا من الأزمة؟
إن التجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إجراءات قضائية، بل عملية سياسية - قانونية شاملة، تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. وأي اختلال في هذه العناصر يفرغ العملية برمتها من مضمونها.
غير أن ما يجري في الحالة السورية يوحي بأن هذا المسار لم يُفعل بعد بوصفه مشروعًا وطنيًا متكاملًا، بل ما زال يدور في إطار التردد، والتأجيل، وإعادة إنتاج الأدوات القديمة. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المجتمع، خصوصًا لدى الفئات التي كانت في صلب تجربة الثورة، والتي باتت تنظر إلى هذا الملف بقدر متزايد من القلق وخيبة الأمل.
“العدالة التي تتأخر كثيرًا، لا تفقد فعاليتها فحسب، بل تفقد معناها.”
إن غياب الشفافية في إدارة هذا الملف، وعدم وضوح الرؤية الرسمية بشأن آلياته وأولوياته، يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، في لحظة يفترض أن تكون فيها إعادة بناء الثقة أولوية قصوى.
ومع الحديث عن مرحلة حكومية جديدة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة تصحيح المسار، ليس من خلال إعادة طرح الشعارات، بل عبر اتخاذ خطوات ملموسة تعيد تعريف موقع العدالة الانتقالية ضمن مشروع الدولة.
فالمطلوب اليوم ليس فقط تفعيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بل تمكينها فعليًا من العمل كجسم مستقل، يمتلك الصلاحيات والموارد، ويقود عملية متكاملة تتجاوز حدود العمل القضائي التقليدي. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في دور وزارة العدل، بحيث تصبح جزءًا من هذا المسار، لا بديلًا عنه أو منافسًا له.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية دون فتح مسارات حقيقية لإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان استقلال القضاء، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة، بما يقطع مع أنماط الإدارة السابقة، ويؤسس لمرحلة مختلفة في علاقة السلطة بالمجتمع.
إن التحدي في سوريا اليوم لا يكمن في صياغة مفهوم العدالة الانتقالية، بل في تحويله إلى ممارسة فعلية تعكس تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة. فالمسألة لم تعد تقنية أو قانونية فحسب، بل سياسية بامتياز، تتعلق بمدى الاستعداد لإحداث قطيعة مع الماضي، وبناء شرعية جديدة تقوم على العدالة لا على الأمر الواقع.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي استقرار أن يستمر دون عدالة، ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد شرعيتها دون مساءلة حقيقية. وتأجيل هذا الاستحقاق لا يلغي ضرورته، بل يزيد كلفته مع مرور الوقت.
ففي سوريا، لم تعد العدالة الانتقالية خيارًا نظريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو بناء دولة قادرة على الاستمرار.
١٨ مارس ٢٠٢٦
لم تكن الثورة السورية في أيامها الأولى تمتلك منابر كثيرة تعبّر عنها، ولم يكن في متناول السوريين إعلام حر قادر على نقل ما يجري في الشوارع والساحات والبلدات الثائرة كما هو، بعيداً عن رواية نظام الأسد البائد وأكاذيبه.
في تلك اللحظة الحرجة، حين كانت الكلمة تُلاحَق كما يُلاحَق المتظاهر، وحين كان توثيق الحقيقة فعلاً محفوفاً بالخطر، برزت "شبكة شام الإخبارية" بوصفها واحدة من أهم المنصات التي التقطت الصرخة الأولى، وحملتها من الداخل السوري إلى الفضاء العربي والدولي.
منذ البدايات، لم تكن “شام” مجرد صفحة تنقل خبراً أو مقطعاً مصوراً، بل كانت أشبه بغرفة نبض يومية للثورة السورية، لقد ظهرت في وقت كان فيه الإعلام الرسمي يصف المتظاهرين بالمخربين والعملاء، ويحاول دفن الحقيقة تحت سيل من التحريض والتضليل، بينما كانت شبكة شام تفتح نافذة واسعة على ما يجري فعلاً في الميدان، وتنقل أسماء المدن، وهتافات الساحات، وصور الشهداء، ووجع الأمهات، وصوت السوريين المطالبين بالحرية والكرامة.
تكمن أهمية "شبكة شام الإخبارية" في أنها لم تواكب الحدث فقط، بل كانت جزءاً من بنيته الإعلامية الأولى، ففي السنوات الأولى للثورة، حين كانت المؤسسات الإعلامية العربية والدولية تبحث عن مصادر موثوقة وسريعة من داخل سوريا، تحولت الشبكة إلى مصدر رئيسي للمعلومة والصورة والخبر العاجل.
كثير من القنوات والوكالات والصحف اعتمدت على ما تنشره “شام”، لأن الشبكة نجحت في بناء حضور ميداني واسع، مستند إلى ناشطين ومراسلين ومصادر محلية، شكلوا معاً واحدة من أوائل البنى الإعلامية الثورية المنظمة.
ولعل ما ميّز “شام” في تلك المرحلة أنها أدركت مبكراً أن المعركة ليست في الشارع وحده، بل أيضاً في الرواية، فالنظام لم يكن يقتل المتظاهرين فقط، بل كان يحاول قتل الحقيقة معهم، ويعمل على احتكار السردية وتقديم نفسه ضحية “مؤامرة”، بينما كان السوريون يُقتلون لأنهم قالوا كلمة حرية، هنا لعبت الشبكة دوراً محورياً في كسر الحصار الإعلامي، وفي نقل الثورة السورية من كونها حدثاً محاصراً داخل الحدود إلى قضية رأي عام يتابعها الملايين.
لم يكن هذا الدور سهلاً ولا منخفض الكلفة، فالعمل الإعلامي في بدايات الثورة كان واحداً من أخطر أشكال المواجهة مع النظام، كثير من الناشطين والمراسلين الذين عملوا ضمن البيئة الإعلامية الثورية تعرضوا للاعتقال أو التهديد أو الاستهداف المباشر، ومع ذلك استمرت شبكة شام في أداء دورها، وتوسعت، وراكمت الخبرة، وتطورت من منصة ناشئة تعتمد على جهد الناشطين إلى رقم إعلامي صعب في المشهد السوري.
ومع مرور السنوات، لم تفقد الشبكة موقعها رغم تعقّد المشهد وتعدد المنصات وتزاحم الفاعلين الإعلاميين، بل حافظت على مكانتها من خلال التكيف مع التحولات الكبرى التي مرت بها الثورة السورية، من الحراك السلمي إلى المراحل اللاحقة من الحرب في سوريا، ومن تغطية المظاهرات والهتافات الأولى إلى متابعة المعارك، والملفات السياسية، والانتهاكات، وقضايا المعتقلين، والنزوح، واللجوء، وتطورات الداخل السوري بكل تفاصيله.
لقد أصبحت “شام” بالنسبة لكثير من السوريين أكثر من مجرد وسيلة إعلام، إذ تحولت إلى أرشيف حي لذاكرة الثورة، وإلى مساحة احتفظت بالكثير من التفاصيل التي حاول النظام طمسها أو تشويهها.
ومن يتابع مسار الثورة السورية يدرك أن حضور الشبكة لم يكن عابراً، بل كان ممتداً وعميقاً، لأنها حافظت على صلتها بالناس، وبالحدث، وبالهوية الأولى للثورة، حين كانت الحرية هي الكلمة الأوضح، وكانت الكرامة هي المعنى الأكثر حضوراً.
وفي جانب آخر، فإن قيمة شبكة شام لا تُقاس فقط بما نشرته، بل أيضاً بما أسهمت في تكوينه، فهي ساعدت في ترسيخ مفهوم الإعلام الثوري المهني، ودفعت باتجاه بناء خطاب إخباري ينحاز إلى الحقيقة، ويستند إلى الميدان، ويواجه ماكينة التضليل الرسمية التي اعتمدها نظام الأسد البائد طيلة سنوات، كما أنها منحت كثيراً من الناشطين والإعلاميين الشباب فرصة للتشكل والتدرب والانخراط في عمل إعلامي منظم، ما جعلها مدرسة فعلية في واحدة من أكثر البيئات خطورة وتعقيداً.
إن الحديث عن الثورة السورية لا يكتمل من دون التوقف عند دور المنصات التي حفظت صوتها في بداياتها، وفي مقدمة هذه المنصات تأتي شبكة شام الإخبارية، لقد كانت شاهداً على الصرخة الأولى، ووسيطاً لنقلها، ومؤسسة لعبت دوراً حقيقياً في تثبيت الرواية السورية الحرة في مواجهة رواية القمع والاستبداد. وهذا وحده كافٍ ليجعلها جزءاً أصيلاً من تاريخ الثورة، لا مجرد منصة غطّت أحداثها.
اليوم، وبعد كل ما مرت به سوريا، تبدو الحاجة أكبر إلى استذكار هذا الدور، ليس من باب الحنين فقط، بل من باب الإنصاف أيضاً، فالمؤسسات التي تقف في اللحظات التأسيسية الكبرى، وتدفع كلفة الموقف، وتبقى وفية لرسالتها رغم كل التحديات، لا تُقرأ بوصفها مجرد وسائل إعلام، بل بوصفها جزءاً من الحكاية نفسها، وشبكة شام الإخبارية كانت، ولا تزال، واحدة من أبرز هذه العناوين.
٥ مارس ٢٠٢٦
يشهد قطاع التكنولوجيا تحولاً متسارعاً مع بروز مفهوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي (Physical AI)، وهو اتجاه تقني حديث يهدف إلى نقل قدرات الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي، من خلال دمج الخوارزميات الذكية مع الروبوتات والآلات والأجهزة المتصلة، بحيث تصبح الأنظمة قادرة على فهم البيئة المحيطة والتفاعل معها واتخاذ القرارات وتنفيذ المهام باستقلالية أكبر.
ويعتمد هذا المفهوم على حزمة من التقنيات المتقدمة مثل الرؤية الحاسوبية وأجهزة الاستشعار وأنظمة التعلم الآلي، التي تمكّن الآلات من تحليل البيانات القادمة من محيطها في الزمن الحقيقي، والتعرّف على الأجسام وتحديد مواقعها وقياس المسافات والحركة، ثم تنفيذ إجراءات دقيقة كالالتقاط والمناورة والتنقل داخل البيئات المعقدة دون الاصطدام بالعوائق.
ويمثل الذكاء الاصطناعي الفيزيائي مرحلة جديدة في تطور الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد دوره مقتصراً على تحليل البيانات وتقديم الإجابات داخل البرمجيات، بل بات قادراً على التحكم بالأجهزة والأنظمة الميكانيكية في العالم الحقيقي.
وقد بدأت تطبيقاته بالظهور في قطاعات عدة؛ ففي الصناعة تستخدم مصانع حديثة روبوتات ذكية تتعرف على القطع وتتعامل معها بدقة داخل خطوط الإنتاج، مع قدرة على التكيف مع تغير المهام دون إعادة برمجة شاملة. وفي
قطاع الخدمات اللوجستية تعتمد شركات التجارة الإلكترونية على روبوتات تعمل داخل المستودعات لفرز الطرود ونقلها، مستخدمة الكاميرات والمستشعرات للتنقل الذاتي بين الممرات. كما يظهر الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بوضوح في المركبات ذاتية القيادة، التي تحلل محيطها عبر الكاميرات والرادارات لاتخاذ قرارات فورية كتغيير المسار أو التوقف لتجنب الحوادث.
وفي المجال الطبي تتطور روبوتات جراحية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمساعدة الأطباء على تنفيذ عمليات دقيقة، إلى جانب روبوتات تقدم خدمات مساندة داخل المستشفيات مثل نقل المعدات أو مساعدة المرضى.
كذلك بدأت شركات عالمية تطوير روبوتات منزلية قادرة على أداء مهام يومية كالتنظيف وترتيب الأشياء، مستفيدة من قدرتها على تشكيل فهم بصري للبيئة المنزلية والتفاعل معها. ورغم الإمكانات الكبيرة لهذا المجال، لا يزال تطوير الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يواجه تحديات مهمة، أبرزها الحاجة إلى قدرات حوسبية عالية تتيح معالجة البيانات بسرعة، وضمان سلامة التفاعل بين الإنسان والآلة، إضافة إلى تدريب الأنظمة على التعامل مع البيئات المعقدة والمتغيرة.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي الفيزيائي قد يشكل إحدى أهم مراحل التحول التكنولوجي في السنوات المقبلة، ومع استمرار التطور في المعالجات والروبوتات وأجهزة الاستشعار، قد يصبح التفاعل المباشر بين الإنسان والآلة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في المستقبل القريب.
٢٤ فبراير ٢٠٢٦
في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا بعد سقوط النظام السابق، تتكاثر النقاشات حول قضايا خدمية واقتصادية وإدارية، غير أن الجدل الأعمق – المتعلق ببنية النظام السياسي الجديد – ما يزال، بحسب الباحث أحمد أبازيد، خارج دائرة التداول العلني المنظم، رغم حضوره اليومي في أحاديث السوريين.
يرى أبازيد أن جوهر الإشكالية لا يكمن في القرارات الإدارية أو التغييرات الوزارية، بل في طبيعة توزيع السلطة وهيكلها العام. ويشير إلى استمرار هيمنة هيئة تحرير الشام على مفاصل أساسية، مقابل محدودية التمثيل السياسي والاجتماعي لقوى أخرى، إضافة إلى ما يعتبره وصاية على الحياة المدنية والسياسية عبر الأمانة العامة للشؤون السياسية، واحتكار سردية “التحرير” و”بناء الدولة” ضمن إطار فصيل واحد.
وبحسب رأيه، فإن التركيز الإعلامي والشعبي على قضايا جزئية – مثل قرارات وزارية أو تعيينات أو سياسات استيراد – لا يمس البنية السياسية العميقة، التي تشكل أساس أي إصلاح حقيقي.
فالمشكلة، كما يراها الباحث، تتعلق بحدود المشاركة في صنع القرار، وضيق المجال المتاح أمام شخصيات وقوى سياسية قد تكون راغبة في الانخراط، لكنها تجد نفسها أمام منظومة مغلقة أو محدودة الصلاحيات.
ويذهب أبازيد إلى أن هذا الخلل البنيوي ينعكس على ملفات كبرى ما تزال عالقة، مثل ملف المفقودين، والعدالة الانتقالية، وأرشيف النظام السابق، فالتعثر، في تقديره، لا يرتبط فقط بضعف الإمكانات التقنية، بل أيضاً بصراعات حول إدارة هذه الملفات، وندرة الكوادر المؤهلة ضمن الإطار السياسي القائم، إضافة إلى استبعاد خبرات أخرى لاعتبارات تتعلق بالانسجام السياسي.
ويبرز ملف التمثيل الدبلوماسي مثالاً إضافياً على هذه التعقيدات، إذ لا يزال شاغراً في عدد من الدول، في ظل تحفظات متبادلة حول طبيعة التعيينات، ما يعكس – وفق هذا الطرح – صعوبة المواءمة بين الاعتبارات السياسية الداخلية والمتطلبات المهنية والدولية.
أما الحديث المتداول حول إعادة منصب رئيس الحكومة أو إجراء تعديلات وزارية، فيعتبره أبازيد خطوة قد تغيّر الأشخاص، لكنها لا تمس جوهر توزيع السلطة الفعلي بين مراكز النفوذ، ولا تعيد التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية.
ويشير إلى أن نموذج إدارة إدلب توسّع ليشمل الدولة السورية الجديدة، مع إنشاء مؤسسات جديدة استجابة لتوازنات داخلية، من دون أن يترافق ذلك مع توسيع فعلي لتمثيل القوى السياسية والاجتماعية الأوسع، التي قامت عليها شرعية الحكم الجديد، ويرى أن هذا الواقع أفضى إلى تفاوت في التمثيل بين مناطق وأخرى، وأثار انتقادات متزايدة في بعض الأوساط.
حتى على المستوى الأمني والعسكري، ورغم عمليات دمج الفصائل، يلاحظ أبازيد استمرار حساسية مرتبطة بمستويات التمثيل القيادي والرمزي، ما يعكس – في نظره – أن عملية الاندماج لم تُستكمل على نحو يبدد الشعور بعدم التوازن.
في بدايات المرحلة الانتقالية، جرى تبرير هذه البنية السياسية شبه الأحادية بضرورة حفظ الاستقرار ومنع الفوضى، غير أن أبازيد يرى أن استمرارها بالشكل ذاته قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي لشرعية الحكم، سواء لدى الحواضن الثورية المسيسة أو لدى فئات اجتماعية أوسع متأثرة بالأوضاع المعيشية والاقتصادية.
ويشير إلى أن التوجهات الاقتصادية نحو الخصخصة ورفع الدعم قد تزيد من حدة الضغوط الاجتماعية إذا لم تقترن بإصلاحات سياسية تعزز الثقة، ويستدل بتزايد الوقفات الاحتجاجية والإضرابات في مناطق عدة، بما فيها مناطق تعد من الحواضن التقليدية للحكم الجديد، مع تراجع ملحوظ في الخطاب المدافع عنه، كمؤشرات على احتقان متراكم وشعور متنامٍ بضعف التمثيل.
مع ذلك، يؤكد أبازيد أنه لا يدعو إلى معارضة جذرية أو شيطنة السلطة، بل إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مجالاً للحوار والتعددية، ويرى أن الاعتراف بوجود إشكالية في بنية الحكم هو الخطوة الأولى نحو معالجتها، وأن المدخل الأساس يتمثل في تعزيز التمثيل الشعبي، وإعادة تفعيل سلطة تشريعية منتخبة، واحترام مبدأ فصل السلطات وتحديد الصلاحيات بوضوح، إلى جانب فتح حوار وطني صريح حول شكل النظام السياسي ومستقبل البلاد.
ويخلص إلى أن بناء الثقة بين المجتمع والسلطة لا يمكن أن يتحقق عبر معالجة القضايا الهامشية فقط، بل عبر إصلاحات بنيوية تضمن المشاركة والشفافية والكفاءة، وتحوّل المرحلة الانتقالية من حالة إدارة مؤقتة إلى تأسيس مستدام لدولة تمثل مختلف مكوناتها.
١٩ فبراير ٢٠٢٦
مما لاشك فيه أن الدراما وسيلة مهمة في ترسيخ الوعي، ولكن لايمكن أن يكون كل موضوع صالحا لأن يتحول فوراً إلى عمل درامي، ولايمكن أن يكون كل جرح قابل لأن يُعاد تمثيله أمام الكاميرات وكأنه اكتمل شفاءه، فهناك مآسٍ لا تزال حيّة في ذاكرة السوريين، تتنفس في بيوت الأمهات، وتظهر في صور المفقودين المعلّقة على الجدران، وتُستعاد كل ليلة في كوابيس الناجين.
قضية السجون السورية لم ولن تكون حدثاً تاريخياً بعيداً يمكن التعامل معه ببرودة توثيقية، إنما هي تجربة قاسية ما تزال آثارها مستمرة، سياسياً ونفسياً واجتماعياً، لذلك فإن أي عمل فني يقترب منها لا يُقاس فقط بجودته الإخراجية أو قوة نصه، بل بوعيه الأخلاقي أيضاً.
أي عمل يتناول السجون السورية لا يولد في مساحة محايدة، بل يدخل مباشرة إلى واحد من أكثر ملفات الحرب في سوريا حساسية وتعقيداً، ملف المعتقلين الذين لم يكونوا أبطال نصوص مكتوبة، بل بشراً من لحم ودم، خرج بعضهم محمّلاً بآثار التعذيب في الجسد والروح، فيما بقي آخرون أسرى الغياب، معلّقين بين قوائم الانتظار وأمل العائلات.
القضية لا تتوقف عند براعة الممثل أو قدرته على تجسيد الألم، بل عند موقعه من ذلك الألم حين كان حقيقة يومية لا مشهداً تمثيلياً، فالفن ليس أداءً معزولاً عن سياقه، بل هو أيضاً موقف أخلاقي وانعكاس لوعي عام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم ارتبطت بأماكن صارت رموزاً لمعاناة لا يمكن اختزالها أو تجريدها من بعدها الإنساني.
المشكلة لا تكمن في تناول الملف بحد ذاته، فالفن كان دائماً وسيلة لفهم الألم الإنساني، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول العمل إلى مساحة لإعادة ترتيب الصور، أو لإعادة تموضع شخصيات كانت جزءاً من المشهد العام زمن وقوع الانتهاكات، هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مراجعة حقيقية أم أمام إعادة صياغة للذاكرة؟
كما أن الذاكرة الجماعية ليست صفحة بيضاء، والناس لا تنسى بسهولة من اصطف مع السلطة حين كانت تمارس أقسى أشكال القمع، ولا تتعامل بخفة مع محاولات الانتقال السريع من موقع الصمت إلى موقع البطولة التراجيدية، ولم تعد القضية تصفية حسابات، بل اتساق أخلاقي بين الموقف السابق والدور اللاحق.
عندما تتحول معاناة المعتقلين إلى مشاهد مصوّرة، فإن الخطر لا يكون في التمثيل ذاته، بل في اختزال الألم، أو في تجريده من سياقه السياسي والإنساني، فالسجون ليست ديكوراً، والضحايا ليسوا شخصيات ثانوية في حبكة قابلة للتعديل.
العدالة الانتقالية، إن أُريد لها أن تكون جدية، لا تبدأ فقط بمحاكمات، بل أيضاً بمحاسبة رمزية في المجال العام، ومن حق المجتمع أن يسأل، وأن يناقش، وأن يرفض إن شعر أن الذاكرة تُستخدم كأداة تلميع لا كأداة كشف.
بالتأكيد، الفن قادر على أن يكون مساحة للإنصاف، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مساحة لإعادة توزيع الأدوار بطريقة تُربك الضحية وتريح المتفرج، وبين هذين الحدّين يقف سؤال بسيط: هل يُنصف هذا العمل الحقيقة، أم يخفف وطأتها لتصبح أكثر قابلية للاستهلاك؟
لكن قضية المعتقلين ملف عدالة ما يزال مفتوحاً، وذاكرة شعب لم ينسَ بعد، والعدالة الانتقالية لا تبدأ فقط في أروقة المحاكم، بل أيضاً في وعي المجتمع، وفي قدرته على التمييز بين من دفع الثمن ومن اكتفى بالمشاهدة.
ليس المطلوب مصادرة الفن، ولا منع سرد الحكايات، بل الاعتراف بأن بعض القصص لا تزال ساخنة، وأن بعض الجراح لا تحتمل إعادة تموضع رمزي سريع، فالكاميرا قد تعيد توزيع الأدوار، لكن الذاكرة الجمعية لا تفعل بسهولة.
الحديث عن السجون يبدأ أولاً من سؤال بسيط ومباشر: أين كان الصوت حين كانت الأبواب تُغلق، ومن دون إجابة صريحة على هذا السؤال، سيبقى أي عمل يتناول تلك المرحلة محاطاً بالريبة، مهما بلغت حرفيته الفنية.
الإشكال ليس في تحويل المأساة إلى سرد بصري، فالفن لطالما اشتغل على الكوارث الإنسانية، لكن المعضلة تبدأ حين يتقدم إلى الواجهة من لم يُعرف لهم موقف واضح حين كان الصوت ضرورة، أو ممن اختاروا الحياد في لحظة لم تكن تحتمل الحياد، عندها يصبح العمل ساحة أسئلة لا منصة توثيق، ويتحول الخط الفاصل بين الإبداع وتبييض الصفحات إلى مسألة يصعب تجاهلها.
١٢ فبراير ٢٠٢٦
أثار تصاعد الانتقادات الشعبية لسلوك بعض مسؤولي الدولة الوليدة في سوريا الجديدة نقاشًا عامًا محتدمًا حول دور النقد في الحياة السياسية، ومدى تعارضه أو انسجامه مع مقتضيات الحفاظ على السلطة والمؤسسات في مرحلة إعادة بناء الدولة، حيث تباينت الآراء بين من يرى في النقد وسيلة تصحيح، وآخرين يعتبرونه تقويضًا متعمدًا في لحظة حرجة.
وتفاقم الجدل عقب انتشار صور ومقاطع فيديو تُظهر مواكب رسمية في دمشق ومحافظات أخرى لمسؤولي الدولة، في مشهد رأى فيه كثير من النشطاء والمراقبين مبالغة استفزازية في مظاهر السلطة، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والانهيارات المتتالية في البنى التحتية والخدمات الأساسية.
تأتي هذه الموجة من الانتقادات في سياق تحوّل سياسي بالغ الحساسية تشهده سوريا، حيث تعمل النخب والمؤسسات على بناء دولة جديدة خارجة من رحم الحرب والدمار والانقسام، وفي هذا السياق، تواجه الدولة الوليدة تحديات تتراوح بين إعادة بناء الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وتحقيق العدالة الانتقالية، وفرض الاستقرار الأمني، وإعادة تشكيل الثقافة السياسية العامة.
لكن ما زال كثير من السلوكيات الرسمية - وفق رأي المنتقدين - تحمل ملامح من العقلية السلطوية القديمة، التي كانت تعتبر النقد تهديدًا وجوديًا، وليس ممارسة ديمقراطية أو أداة رقابية، وهذا ما يجعل بعض المنتقدين يواجهون حملات تخوين واتهامات بالتحريض لمجرد طرحهم تساؤلات عن مشاهد التبذير الرسمي أو ازدواجية الخطاب.
في حين أن الدولة الحقيقية لا تبنى فقط بالموازنات والخطط، بل بالمساءلة والمكاشفة والانفتاح على النقد والتقييم، وتُظهر هذه الأحداث الحاجة إلى إعادة ترسيخ الفهم السياسي لمفهوم "الدولة" بوصفها مؤسسات محايدة وعامة، تختلف جوهريًا عن "السلطة" التي هي أشخاص وسياسات قابلة للنقد والمراجعة.
فحين يُوجّه النقد إلى وزير، أو إلى سلوك أمني مبالغ به، أو إلى خطط اقتصادية قاصرة، فهذا لا يعني بالضرورة الوقوف ضد الدولة، بل قد يكون ذلك من صلب الدفاع عنها وحمايتها من الانحراف أو التكلس أو الانفصال عن الواقع.
ولعل الخلط بين "السلطة" و"الدولة" هو أحد أكثر الأمراض السياسية خطورة، لأنه يُحوّل كل معارض إلى خصم، وكل صحفي إلى متآمر، وكل ناقد إلى مخرّب، وهو منطق لا ينسجم مع شعارات المرحلة الجديدة التي ترفع رايات العدالة، والمشاركة، والشفافية، والحكم الرشيد.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية المتزايدة، أصبح المواطن السوري أكثر حساسية تجاه سلوك المسؤولين، وخصوصًا عندما تكون هذه التصرفات مرتبطة بالاستعراض، سواء عبر المواكب أو الولائم أو التصريحات المنفصلة عن الواقع.
الشعب لايطالب بالمثالية، لكنه يطالب بالاحترام، والحد الأدنى من التواضع في إدارة المشهد العام، والانتقاد الشعبي يأتي غالبًا من شعور بالخذلان، لا من رغبة في التشهير أو التحريض، وهو ما يجب أن يكون محل قراءة سياسية واعية من أصحاب القرار.
في هذا الإطار، تبرز مسؤولية الإعلام في التمييز بين التغطية السريعة والانفعال الآني، والتحليل المعمّق الذي يستند إلى وعي سياسي ومؤسسي.
من الضروري في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا، تثبيت حق النقد في الوعي العام كجزء من البناء الوطني، لا كهدم له، وتهيئة بيئة سياسية وإعلامية تستوعب التنوع في الرأي، وتفهم الفرق بين النقد الهدّام والتحليل البنّاء.
فلا دولة يمكن أن تنهض على الخوف أو الصمت، ولا مجتمع يمكن أن يتماسك دون رقابة ومحاسبة، ولا شرعية سياسية تدوم ما لم تكن متجددة برضا الناس، ومبنية على احترام عقولهم وهمومهم وكرامتهم.
٣ فبراير ٢٠٢٦
بعد عقدٍ من الزمن، قد لا تُستعاد لحظة دخول مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قسد” في الحسكة وعين العرب والقامشلي بوصفها محطة سياسية أو أمنية مفصلية، بل ربما تُدرَّس، على سبيل السخرية السوداء، تحت عنوان جديد أكثر بساطة وإثارة: “موقعة ذات الأصابع”.
ففي تلك الأيام التي عادت فيها الدولة إلى الجغرافيا، انشغل بعض إعلام “قسد” بما اعتبره الخطر الداهم، لا في البنود ولا في الخرائط ولا في مستقبل الاتفاق، بل في حركة يدٍ عابرة، وسبّابةٍ رُفعت في الهواء.
المفارقة أن عناصر الأمن الداخلي الذين دخلوا إلى تلك المناطق لم يرفعوا راية حرب ولا بيان تهديد، بل رفع بعضهم إصبع السبابة، في إشارة فسّرها أصحابها ببساطة دينية مألوفة، لكن إعلام “قسد” قرر التعامل معها كما لو أنها اختراع أيديولوجي جديد، أو رسالة مشفّرة تهدد السلم الأهلي. وهنا بدأت المعركة: سبّابة في مواجهة كاميرا، وسؤال متوتر يبحث عن فتنة أكثر مما يبحث عن معنى.
في الجهة الأخرى، لم يكن المشهد خاليًا من التناقض. فالإعلام المحسوب على “قسد” اعتاد التلويح بعلامة النصر، إصبعين متجاورين، بوصفها رمزًا سياسيًا وثقافيًا لا يُسأل عن خلفياته ولا تُفكك دلالاته. إصبعان مسموح بهما، سبّابة واحدة مشكوك في أمرها، وكأن الأصابع، فجأة، باتت تخضع لتصنيفات أمنية وموافقات مسبقة.
لكن الإصبع الأكثر حضورًا في المشهد لم يكن حاضرًا في التغطيات ولا في التحليلات، وهو الإصبع الأوسط الذي يرفعه غالبية السوريين، معنويًا على الأقل، في وجه كل من يحاول استغلال التفصيل التافه لإشعال فتنة بين مكونات الشعب السوري. هذا الإصبع، غير المعلن، كان موجّهًا لكل خطاب يحاول تحويل حركة جسدية إلى معركة هوية، ولكل من يظن أن الدولة يمكن إرباكها بإيماءة يد.
ومن هنا، وبمنطق السخرية التي تفرضها الوقائع، قد يكون من الأنسب المطالبة بإدراج “حرية رفع الأصابع” ضمن الدستور. من حق المواطن أن يرفع إصبعًا أو إصبعين أو ثلاثة، أن يلوّح بالسبابة أو الوسطى أو الإبهام، دون أن يُستدعى ذلك إلى غرفة الاتهام السياسي أو يُحمّل أكثر مما يحتمل. فحرية التعبير، إن كانت ستُختزل، فلا أقل من أن تشمل اليد وما تنتجه من إشارات، طالما أن النيات لا تُقاس بعدد الأصابع المرفوعة.
إذا أردنا الخروج قليلًا من ساحة السخرية السياسية والدخول بجدية أعمق، فإن عالم الأصابع ليس تفصيلاً هامشيًا في اللغة الإنسانية، بل هو أحد أقدم وأغنى أنظمة التعبير التي استخدمها البشر قبل أن تُصاغ الكلمات وقبل أن تُدوَّن الدساتير. اليد، بأصابعها الخمسة، كانت دومًا لغة قائمة بذاتها، تتغير معانيها بتغير المكان والزمان والثقافة، وتتحول من إشارة بريئة في مجتمع إلى تهديد صريح أو إساءة فادحة في مجتمع آخر.
الإبهام، على سبيل المثال، يُعد من أكثر الأصابع “براءة” في المخيال المعاصر. رفع الإبهام إلى الأعلى بات يعني الموافقة أو الرضا أو الإشادة، من ساحات القتال الرومانية القديمة حيث كان يُستخدم للحكم بالموت أو النجاة، إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي حيث تحوّل إلى زر إعجاب يختصر رأيًا كاملًا بحركة واحدة. لكن الإبهام نفسه، إذا أُدير قليلًا أو استُخدم في سياق مختلف، قد يحمل معنى الاستهزاء أو التقليل من شأن الآخر، ما يؤكد أن الأصبع لا يقول شيئًا بذاته، بل السياق هو المتحدث الحقيقي.
أما الأصابع بوصفها أداة عدّ، فهي لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. حين يرفع شخص إصبعين أو ثلاثة في مطعم، لا يعلن موقفًا سياسيًا ولا يرسل رسالة عقائدية، بل يطلب عدد الوجبات أو فناجين القهوة. هذه البساطة اليومية تكشف كيف أن الأصابع خُلقت أصلًا لتسهيل التواصل لا لتعقيده، وكيف أن الإنسان استخدمها لتجاوز حدود اللغة المنطوقة حين تعجز الكلمات أو لا تكون ضرورية.
لكن الأصابع لم تبقَ دائمًا في دائرة الحياد. بعض الحركات، مثل تشكيل دائرة بين الإبهام والسبابة على هيئة 👌، تُستخدم في ثقافات كثيرة للدلالة على أن الأمور “تمام”، لكنها في ثقافات أخرى تحولت إلى إشارة مهينة أو حتى تهديد مبطّن. الأمر ذاته ينطبق على حركة 🤌، ضمّ الأصابع إلى بعضها ورفعها، التي يفسرها الإيطالي على أنها سؤال وجودي غاضب، بينما قد تعني في سياق آخر “انتظر”، أو “تمهل”، أو حتى “سأريك لاحقًا”، وهي عبارة تحمل في طياتها وعدًا قد يكون بريئًا أو وعيدًا صريحًا.
وفي المقابل، تطورت حركات أصابع حديثة لا تحمل أي تاريخ دموي أو صراعي، مثل إشارة 🫰 التي ترمز إلى الحب أو الود في الثقافة الشعبية المعاصرة، خصوصًا في شرق آسيا، حيث تحولت الأصابع إلى وسيلة تعبير عاطفي مختصرة، توازي الكلمات الرقيقة دون أن تنطق بها. هذه الحركة نفسها قد لا تُفهم إطلاقًا في ثقافة أخرى، أو تُقرأ بوصفها مجرد حركة غريبة بلا معنى.
وإذا عدنا إلى الإشارات التي أثارت كل هذا الجدل، فإن علامة النصر التي اعتاد عناصر “قسد” رفعها، بإصبعين متجاورين، ليست بدورها اختراعًا محليًا ولا رمزًا بريئًا من التأويل، بل إشارة سياسية استخدمت تاريخيًا في الحروب والاحتجاجات والانتصارات العسكرية، وحملت في كثير من السياقات معنى الغلبة على الخصم.
في المقابل، فإن حركة رفع السبابة التي صدرت عن بعض عناصر الأمن الداخلي لا تنتمي حصرًا إلى سياق ديني إسلامي، وليست محصورة في اشارة خاصة بتنظيم داعش، كما حاول البعض تصويرها، بل هي إيماءة شائعة في ثقافات متعددة، ويستخدمها لاعبو كرة القدم حول العالم عند تسجيل الأهداف، كما تظهر في سياقات روحية وفلسفية مختلفة باعتبارها رمزًا للوحدة، لا بوصفها بيانًا سياسيًا ولا رسالة إقصاء.
بهذا المعنى، يصبح الخلاف بين إصبعين وسبابة خلافًا مصطنعًا، لأن كلا الحركتين خرجتا من قاموس إنساني واسع، قبل أن يُحشرا قسرًا في معركة تأويل ضيقة لا تخدم سوى من يبحث عن فتنة في تفاصيل الجسد لا في جوهر الفعل.
كل ذلك يعيدنا إلى حقيقة أساسية: الأصابع لا تحمل معنى ثابتًا ولا نية مسبقة. هي أدوات تعبير خام، يحمّلها الإنسان ما يشاء من دلالات. في الفكر الإنساني القديم، كانت اليد امتدادًا للفكرة، وفي علم الأنثروبولوجيا الحديث تُعد الإيماءات جزءًا من “اللغة غير المنطوقة” التي تسبق الكلام وتكمله. أما في السياسة، حين تُسحب هذه الإيماءات من سياقها وتُضخّم، فإنها تتحول من وسيلة تواصل إلى مادة اشتباك مفتعل.
من هنا، تبدو السخرية من “موقعة الأصابع” أقل غرابة مما قد تبدو عليه. فالمشكلة لم تكن يومًا في السبابة ولا في غيرها، بل في الإصرار على قراءة الجسد بعين الشك، وتحويل كل حركة إلى مشروع فتنة. وفي بلد أنهكته الصراعات، ربما يكون الدرس الأبسط هو أن نترك للأصابع حريتها الطبيعية: أن تُعدّ، وتُشير، وتُعبّر، دون أن تُستدعى إلى محاكم النوايا.
٣ فبراير ٢٠٢٦
في لحظةٍ يُفترض أن تمضي فيها سوريا نحو ترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية وبناء دولة قائمة على قيم الثورة التي نادى بها السوريون منذ عام 2011، يُفاجَأ الشارع الثوري بعودة الوجوه التي ارتبطت بأبشع صور القمع والانتهاك - المعروفة بـ"الشبيحة" - إلى الواجهة، ومعهم يظهر من ظلّوا صامتين أو "رماديين" حين كانت البلاد تحترق، فاختاروا الحياد في زمنٍ لا يقبل إلا الوضوح.
كثير هي الأمثلة التي يمكن استعراضها في هذا السياق، وكثير هي الشخصيات التي باتت اليوم تتصدر المشهد العام في سوريا، كانت إلى وقت قريب تساند الجلاد بأي شكل من الأشكال، كما أن منهم من انتهج سياسة الصمت والرمادية أمام شلالات الدم التي أريقت، لكن اليوم يتم تصديره كواجهة في كثير من المؤسسات والمحافل واللقاءات والمؤتمرات والزيارات، يدعمه ممن هم المفترض أبناء الثورة سابقاً.
ينذر هذا "التعويم" المتعمد لهؤلاء بعواقب وخيمة على مستقبل سوريا كدولة تسعى إلى إعادة ترميم علاقتها مع شعبها، كما أن إعادة دمج تلك الشخصيات في مؤسسات الدولة، دون محاسبة أو حتى اعتراف بما ارتكبوه، يعيد إلى الأذهان صور الظلم ويزيد من حدة الغضب الشعبي، خصوصاً لدى ذوي الشهداء والمعتقلين الذين لم تُكشف حتى اليوم مصائرهم.
المؤلم أكثر، وربما الأخطر، أن بعض من يُفترض أنهم من أبناء الثورة - ممن رفعوا شعاراتها وتحدثوا باسمها - انبروا للدفاع عن هذا التوجه، محاولين تبريره تحت ذريعة "المصالحة الوطنية" أو "الواقعية السياسية"، وهؤلاء، بوعي أو دون وعي، يسهمون في طمس الحقيقة وتزييف التاريخ، ويمنحون غطاءً أخلاقياً لمن كانوا سبباً في إراقة الدماء، وانتهاك كرامات السوريين لعقدٍ من الزمن.
كما أن التعامل مع هذه القضية على أنها مجرد إعادة ترتيب للمشهد السوري هو تقزيم لجوهر الثورة التي بدأت أصلاً ضد القمع والفساد واللامحاسبة، فكيف يمكن بناء دولة جديدة على أنقاض الدماء، إذا ما كانت وجوه النظام القمعي نفسه تُعاد إلى الصدارة من بوابة "الواقعية"؟
الثورة لم تكن شعاراً عاطفياً ولا حدثاً مؤرخاً، بل هي منظومة قيم لا تقبل القفز فوق حقوق الضحايا ولا تبرير تمكين الجلادين، والمجتمع السوري، الذي خسر الكثير في سبيل كرامته، لن يقبل بسهولة أن تُغلق الملفات بهذه الطريقة، أو أن يُمنح من ساهموا في ألمه مقعداً جديداً في دولة يُفترض أنها تمثّله.
١ فبراير ٢٠٢٦
رغم مرور أكثر من عام على تحرير سوريا وبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة، لا يزال آلاف المعلمين في الشمال السوري يعانون من ظروف معيشية صعبة وأجور متدنية، وسط صمت رسمي ووعود لا تزال حبراً على ورق.
ويبلغ متوسط راتب المعلم في المناطق المحررة نحو 120 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات عشرة أيام فقط، وفق ما يؤكده معلمون في محافظتي إدلب وحلب، يأتي ذلك في ظل موجة تضخم حادّة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يدفع بالكثيرين منهم إلى التفكير جدياً في ترك مهنة التعليم والبحث عن بدائل أكثر مردودية، كالتطوع في الشرطة أو الجيش.
إضرابات واحتجاجات... بلا جدوى
نفّذ المعلمون عدة إضرابات ووقفات احتجاجية خلال الشهور الماضية أمام مديريات التربية، مطالبين بتحسين أوضاعهم وزيادة رواتبهم بما يضمن حياة كريمة، إلا أن الاستجابة الرسمية جاءت دائماً على شكل وعود غير مُجدية، وكان وزير التربية قد صرّح في أكثر من مناسبة بأن زيادة الرواتب "قريبة"، غير أن شهر شباط بدأ دون أي قرار فعلي يلامس تطلعات المعلمين.
رسائل تطمين من المحافظين
في محاولة لامتصاص الغضب، وجّه كلٌّ من محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، ومحافظ حلب، المهندس عزام الغريب، رسائل مباشرة إلى الكوادر التعليمية، وقال المحافظ عبد الرحمن: "رسالتكم وصلت بوضوح، وتحسين أوضاعكم أولوية لا تحتمل التأجيل"، مشيراً إلى متابعة يومية للملف بالتنسيق مع وزارتي التربية والمالية.
من جانبه، شدد الغريب على أن صبر المعلمين هو "وقود الاستمرار"، واعداً بأن "الفرج قريب جداً" وأن الجهات المختصة في حالة انعقاد دائم لوضع الحلول.
نزيف الكوادر... التعليم في خطر
وسط هذا الجمود، يشهد قطاع التعليم نزيفاً متواصلاً في الكوادر، حيث بات المعلمون يعزفون عن الاستمرار في المهنة لصالح وظائف تتيح دخلاً أفضل، ويخشى مراقبون من أن استمرار هذا التوجه سيؤثر بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.
بين التصريحات والفعل... فجوة تتسع
مما لا شك فيه أن المعلم السوري لا يطالب برفاه، بل بحقوق أساسية تضمن له كرامة العيش، وفي وقت تدعو فيه الحكومة إلى تعزيز التعليم باعتباره ركيزة النهوض الوطني، يبقى تجاهل معاناة المعلمين تناقضاً صارخاً مع هذه الشعارات.
قضية وطنية لا تحتمل التأجيل
لقد أثبت المعلم السوري صموده في أحلك الظروف، من تحت القصف إلى قاعات الصفوف المؤقتة، ومن غياب الأمن إلى غياب الراتب الكافي، واليوم، آن الأوان لأن تُترجم الوعود إلى أفعال ملموسة تعيد الاعتبار لهذه الشريحة الحيوية، فإلى متى سيبقى حق المعلم مؤجلاً؟ سؤال بات بل قضية وطنية بامتياز تتطلب قراراً سيادياً عاجلاً يليق بمكانة المعلّم في سوريا الجديدة.
٢٨ يناير ٢٠٢٦
منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تُستكمل سريعًا باستعادة الدولة سيادتها على كامل الجغرافيا، غير أن هذا التحول بقي منقوصًا، مع استمرار سيطرة ميليشيات قسد على شرق البلاد وشمالها الشرقي، وبقاء محافظة السويداء خارج سلطة دمشق، ما فتح الباب مبكرًا أمام صراعات مؤجلة سرعان ما انفجرت على أكثر من جبهة.
في آذار/مارس 2025، شهد الساحل السوري أخطر اختبار أمني بعد التحرير، حين نفذت فلول النظام البائد هجومًا منسقًا استهدف الجيش السوري وقوى الأمن والمدنيين، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على استنساخ نموذج التفكك والسيطرة المنفصلة الذي كانت تفرضه قسد في مناطق نفوذها آنذاك، وإعادة تشكيل الخارطة السورية على أسس فوضوية.
لكن هذه المحاولة فشلت عسكريًا، في ظل تعبئة شعبية واسعة، ما أطلق لاحقًا موجة عنف طائفي طالت المكون العلوي، وسط اتهامات سياسية وإعلامية وُجهت في تلك المرحلة لروسيا وميليشيات قسد بالوقوف خلف دعم هذا المسار التخريبي، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة.
في الشهر نفسه، وُقّع اتفاق بين دمشق وقيادة قسد، نصّ على دمج الميليشيات ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة وإنهاء الحالة العسكرية المنفصلة، إلا أن ما تلا ذلك لم يكن مسار تنفيذ، بل عامًا كاملًا من المماطلة والتسويف، تنقلت خلاله قسد بين مطالب الفيدرالية والحكم الذاتي واللامركزية، ورفضت دمج قواتها في الجيش السوري، في محاولة لإعادة فرض شروط سياسية تتناقض مع منطق الدولة الواحدة وتعارض جوهر الاتفاق الموقع بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع.
وخلال هذه الفترة، لم تكتفِ قسد بتعطيل المسار السياسي، بل انخرطت بوضوح في تغذية بيئة الفوضى، عبر فتح قنوات تواصل مع فلول النظام البائد، وتجنيد عناصر منهم داخل مناطق سيطرتها وأيضًا في مناطق الدولة السورية، وتقديم دعم مالي ولوجستي أسهم في تنفيذ عشرات الهجمات التي استهدفت الجيش وقوى الأمن والمدنيين في مناطق متفرقة من البلاد.
بالتوازي مع ذلك، بدأت قسد بتشييد خطاب سياسي يقوم على ما سمّته “مظلومية الأقليات”، ليس بوصفه مشروع حماية وطنية، بل كأداة تفاوض وضغط. فعقدت مؤتمرات ولقاءات في مناطق سيطرتها، واستدعت شخصيات درزية وعلوية معروفة بخطابها الانفصالي أو الطائفي، وروّجت لفكرة الشراكة بين “المكونات المظلومة”، في محاولة لتكوين جبهة سياسية موازية للدولة تُستخدم لتحسين موقعها التفاوضي مع دمشق.
هذا المسار لم يكن بريئًا ولا معزولًا عن الميدان، بل جاء متزامنًا مع دعم عملي كشفت عنه تقارير دولية، شمل تدريب مقاتلين دروز وتبنّي خطاب سياسي ذهب حدّ دعم الانفصال و”تقرير المصير”، متجاوزًا أي مطالب خدمية أو حقوقية مشروعة، ومكرّسًا استخدام التوترات المحلية كأدوات ضغط وطنية.
وبلغ هذا النهج ذروته مع أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، حيث ظهرت بصمات قسد بوضوح في الدعم المالي واللوجستي والتحريض السياسي، في محاولة لاستثمار الاحتقان المحلي وتحويله إلى ورقة ابتزاز سياسي بوجه الدولة السورية.
عند هذه النقطة، بات واضحًا أن قسد لا تتعامل مع المكونات السورية بوصفها شركاء في دولة جامعة، بل بوصفها أوراقًا مرحلية تُستخدم عند الحاجة، ثم تُترك لمصيرها حين تتغير الموازين وتتبدل الحسابات.
اليوم، ومع انحسار نفوذ قسد، وخسارتها مناطق النفط والمياه والموارد التي شكّلت شريانها المالي، ومع بدء تفكك شبكاتها السياسية والعسكرية، يبرز هدوء نسبي في الساحل والجنوب وعموم سوريا، لم تشهده البلاد منذ أشهر. هذا الهدوء لم يأتِ مصادفة، بل جاء متزامنًا مع توقف الداعم والمخطط، ومع سقوط مشروع الفوضى الذي ارتدى قناع “حماية الأقليات” فيما كان هدفه الحقيقي تعطيل قيام الدولة وإنقاذ كيان انفصالي مهدد بالزوال.
لم تكن قسد يومًا مظلة حماية، بل كانت رأس حربة، ورأس الأفعى، في مشروع تفكيك الدولة والمجتمع. ومع تراجع نفوذها وهيمنتها، تراجعت الفوضى، وبدأت سوريا تلتقط أنفاسها الأولى على طريق استقرار طال انتظاره.