مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي، باتت هذه المنصات وسيلة يلجأ إليها بعض الأشخاص لطلب الدعم، سواء لتلبية احتياجات مادية أو معيشية أو طبية، من خلال نشر تفاصيل حالاتهم أملاً في الوصول إلى من يقدّم لهم العون، وهو ما يتحقق أحياناً، بينما لا يجد آخرون الاستجابة المطلوبة.
طلب المساعدة عبر الإنترنت في ظل الظروف القاسية
وخلال سنوات الثورة السورية، وفي ظل ما شهدته من ظروف قاسية كالإصابات وفقدان الأطراف وخسارة المنازل ومصادر الدخل، إلى جانب النزوح، لجأ عدد من الأشخاص إلى هذه الوسائل لطلب المساعدة، خاصة في الحالات الطارئة.
وفي هذا السياق، يشير مختصون إلى أن طلب المساعدة في مثل هذه الحالات يُعد سلوكاً طبيعياً، إذ يلجأ الأفراد عند الوقوع في أزمات إلى البحث عن الدعم من الآخرين، خاصة في ظل غياب البدائل أو محدودية الإمكانات المتاحة.
آليات نشر طلبات المساعدة وتفاصيلها المرفقة
عادةً ما يتم تداول هذه الحالات عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال مجموعات “واتساب” أو صفحات “فيسبوك”، وأحياناً عبر الاستعانة بشخصيات عامة أو صفحات ذات انتشار واسع لإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين.
ويجري عرض تفاصيل الحالة بشكل مباشر، سواء كانت مرتبطة بوضع صحي يستدعي تدخلاً عاجلاً أو عملية جراحية، أو حالات إعاقة أو ظروف معيشية صعبة، وغالباً ما تُرفق هذه المعلومات بوثائق أو تقارير طبية، كما تتضمن بعض الحالات إشارات إلى أوضاع سكنية متدهورة، مثل منازل مهدمة أو خيم غير صالحة للإقامة، بهدف تعزيز فرص الحصول على الدعم.
التسول الإلكتروني
إلا أن هذا المسار لم يخلُ من الاستغلال، إذ برزت حالات لأشخاص لا يندرجون ضمن دائرة الحاجة الفعلية، عمدوا إلى نشر معلومات غير دقيقة أو قصص غير حقيقية بهدف الحصول على المال أو المساعدة، في إطار ما يُعرف بالتسول الإلكتروني.
ويُعرّف هذا النوع من التسول بأنه نمط من الاستجداء يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُنشر طلبات مساعدة مالية أو عينية تحت غطاء إنساني أو ادعاءات مرتبطة بمعاناة صحية أو معيشية، إلا أن جزءاً من هذه الحالات قد يكون غير دقيق أو مبالغاً فيه أو غير قابل للتحقق.
ويُعد هذا السلوك استغلالاً للتفاعل والتعاطف العام بهدف جمع أموال أو مساعدات دون وجود حاجة حقيقية واضحة، ما يميّزه عن حالات طلب المساعدة الفعلية في الظروف الطارئة.
وقال الكاتب الصحفي أسامة الشهاب في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن التسول الإلكتروني ليس ظاهرة غريبة في السياق الحالي، بل يُعد امتداداً للتغيرات التي فرضها التحول الرقمي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي مساحة يستخدمها مختلف الأفراد لتحقيق أهدافهم ونشاطاتهم، ومن بينهم من يلجأ إلى هذا النوع من الطلبات.
صعوبة التمييز بين الحالات الحقيقية والأخرى الوهمية
وأضاف أنه من الصعب عملياً التمييز بين الحالات الحقيقية التي تحتاج إلى المساعدة وتلك الوهمية، مؤكداً أن الأمر ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب قدراً من التحقق والتدقيق في تفاصيل الحالة.
ولفت إلى أنه يمكن أحياناً التواصل مباشرة، مثل إجراء مكالمة فيديو مع الشخص الذي يطلب المساعدة، خاصة في الحالات التي يدّعي فيها وجود إعاقة أو مشكلة صحية واضحة، إلا أن التمييز يبقى معقداً بشكل عام في كثير من الحالات.
أسباب انتشار التسول الإلكتروني
وأشار إلى أن الأسباب التي ساهمت في انتشار التسول الإلكتروني متعددة، أبرزها ما توفره منصات التواصل الاجتماعي من سهولة وسرعة في الوصول إلى الجمهور، إضافة إلى إمكانية إخفاء الهوية أو عدم الكشف الكامل عن الشخصية الحقيقية، وهو ما يشكّل عاملاً محفزاً في هذا السياق، خاصة في الحالات غير المستندة إلى حاجة فعلية.
ولفت إلى أن كثرة الأزمات والحروب في المنطقة، ومنها سوريا خلال سنوات الحرب، أدت إلى ارتفاع نسب الحاجة وتفاقم الفقر، ما أسهم بدوره في زيادة حالات طلب المساعدة.
وأضاف أن انتشار منصات الدردشة وبرامج البث المباشر التي تعتمد على الهدايا الرقمية أو ما يُعرف بـ”الكوينزات”، فتح مجالاً آخر لجمع الدعم من الجمهور، حيث يقوم بعض المستخدمين بتحويل هذه الهدايا إلى مقابل مادي، ما يجعل بعض الممارسات تقترب من مفهوم التسول الإلكتروني في بعض صورها.
التداعيات السلبية
وشدد أسامة الشهاب على أن التسول الإلكتروني يترك تداعيات سلبية، أبرزها تراجع ثقة أهل الخير وداعمي العمل الإنساني، نتيجة تكرار حالات الاحتيال أو الشك في مصداقية بعض الطلبات، ما قد يدفع البعض إلى التوقف حتى عن دعم الحالات الحقيقية، منوهاً إلى أن هذه الظاهرة قد تسهم أيضاً في تعزيز الاتكال على طلب المساعدة بدلاً من البحث عن العمل، في ظل تفاقم معدلات البطالة.
الحلول الممكنة
وذكر أن الحلول تكمن في التحري الدقيق قبل تقديم أي دعم، واعتماد وساطات موثوقة للتحقق من الحالات، وتحويل عملية المساعدة من الطابع الإلكتروني إلى الواقع قدر الإمكان.
وأوضح أنه في حال وجود حالة بحاجة للدعم، يمكن مثلاً التواصل مع شخص من نفس المنطقة للتأكد من وضعها، أو الاستعانة بجهة أو فرد موثوق لإيصال المساعدة بشكل مباشر، كما شدد على ضرورة توجيه المبادرات الإنسانية نحو جهات أو أشخاص معروفين وموثوقين، بدلاً من الاكتفاء بحسابات أو أسماء إلكترونية غير قابلة للتحقق.
ويرى أخصائيون اجتماعيون أن انتشار ظاهرة طلب المساعدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يرتبط بها من حالات غير موثوقة، يعكس تحولاً في أنماط التواصل الإنساني مع تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي.
ويشيرون إلى أن هذا الواقع يفرض تحديات متزايدة تتعلق بآليات التحقق من الحالات، والحفاظ على الثقة بين المتبرعين والمحتاجين الحقيقيين، كما يؤكدون أن الحل لا يكمن في تقليل التفاعل الإنساني، بل في تعزيز أدوات التثبت والرقابة المجتمعية، وتطوير ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والتأكد قبل الدعم، بما يضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها الفعليين ويحد من حالات الاستغلال.
مع تطور التكنولوجيا واتساع استخدام الوسائط الرقمية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة لعرض طلبات المساعدة في ظل الأزمات، حيث تُنشر حالات إنسانية تستدعي الدعم، وفي المقابل، تظهر ممارسات تستغل هذا الفضاء لتحقيق مكاسب، ما يجعلها تجمع بين الحاجة الفعلية ومحاولات الاستغلال، مع صعوبة التمييز بين الطرفين أحياناً.