بدلاً من الترحيب.. قرار تخفيض المحروقات يواجه انتقادات وتشكيكاً بقيمته الفعلية
أثار قرار وزارة الطاقة القاضي بتخفيض أسعار المشتقات النفطية ردود فعل واسعة على منصات التواصل، وسط حالة من الاستياء الشعبي، إذ رأى كثيرون أن التخفيضات المعلنة لم تنعكس عملياً بالشكل الذي كانوا ينتظرونه، خاصة بعد الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط عالمياً وتحسن سعر صرف الليرة السورية مؤخراً.
ورغم إعلان الوزارة خفض أسعار البنزين والديزل والغاز بنسب تراوحت بين نحو 14% و20%، اعتبر متابعون أن نسبة التخفيض الفعلية عند احتسابها بالدولار جاءت أقل بكثير من النسب المعلنة، نتيجة اعتماد التسعير بالليرة السورية الجديدة بعد تحسن قيمتها أمام الدولار، وهو ما دفع عدداً من الاقتصاديين والناشطين إلى القول إن الأثر الحقيقي للتخفيض اقترب من نصف النسبة المعلنة في بعض المواد.
وتداول ناشطون مقارنات بين الأسعار السابقة والجديدة بالدولار، أظهرت -بحسب تلك الحسابات- أن سعر لتر المازوت انخفض من نحو 0.88 دولار إلى 0.80 دولار، فيما تراجع سعر بنزين أوكتان 90 من 1.10 دولار إلى قرابة دولار واحد، بينما لم يلحظ متابعون تغييراً فعلياً في أسعار أسطوانات الغاز عند احتسابها بالدولار، معتبرين أن المكاسب المحدودة جاءت نتيجة تغير سعر الصرف أكثر من كونها ناتجة عن خفض جوهري للأسعار.
وفي شمال غربي سوريا، أفاد متداولون من مدينة إعزاز بريف حلب بأن أسعار المحروقات بقيت حتى الآن دون تغيير، رغم صدور القرار، الأمر الذي زاد من حالة الاستياء والتساؤلات حول موعد تطبيق التسعيرة الجديدة وآليات تنفيذها، ويقدر أن انخفاض الأسعار وفق الليرة التركية لم يتجاوز 5 ليرات.
كما ركزت تعليقات واسعة على أن انخفاض أسعار الوقود لا ينعكس عادة على أجور النقل وأسعار السلع، في حين تؤدي أي زيادة في أسعار المحروقات إلى ارتفاعات سريعة في الأسواق، وهو ما دفع كثيرين للمطالبة بوجود رقابة حقيقية تضمن انتقال أي تخفيض إلى تكاليف النقل وأسعار المنتجات والخدمات.
وانتقد آخرون طول الفترة التي سبقت صدور القرار، معتبرين أن حجم التخفيض لا يتناسب مع التوقعات التي رافقت اجتماعات اللجنة الدائمة، ولا مع التراجع الذي سجلته أسعار النفط العالمية خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد انحسار العوامل التي دفعت إلى رفع الأسعار سابقاً.
في المقابل، دافعت وزارة الطاقة عن القرار، مؤكدة أن تعديل الأسعار جاء بعد دراسة فنية واقتصادية دقيقة أعدتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وبما يراعي المتغيرات في الأسواق العالمية والواقع الاقتصادي المحلي.
وأوضح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة أحمد السليمان أن اللجنة ستواصل اجتماعاتها بصورة مستمرة لمتابعة تطورات أسعار النفط ومشتقاته عالمياً، إلى جانب دراسة المؤشرات الاقتصادية المحلية.
وأكد أن آلية التسعير الجديدة تقوم على مراجعة دورية مرنة تسمح بتعديل الأسعار صعوداً أو هبوطاً عندما تتوافر مبررات موضوعية تستند إلى بيانات واضحة، بما يحقق استقرار السوق ويضمن استدامة توفر المشتقات النفطية.
ويعكس الجدل الذي رافق القرار حساسية ملف المحروقات باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين، إذ تؤثر أسعار الوقود بصورة مباشرة على النقل والإنتاج والزراعة والصناعة، ومن ثم على أسعار معظم السلع والخدمات.
ويشير خبراء في الشأن الاقتصادي أن أي تعديل في الأسعار لا يقاس بالنسبة المعلنة فقط، وإنما بالأثر الحقيقي الذي يلمسه المواطن في تكاليف معيشته وقدرته الشرائية، وهو ما يرى كثيرون أنه لم يتحقق بالشكل الذي كانوا ينتظرونه في القرار الأخير.
وزارة الطاقة توضح محددات آلية التسعير الجديدة للمواد البترولية والثروات المعدنية
وعقب الجدل، أصدرت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في دمشق، اليوم الأحد 28 حزيران، بياناً توضيحياً أكدت فيه أن اعتماد نشرة الأسعار الجديدة يأتي في إطار نهج مؤسسي يقوم على المراجعة الدورية وفق مؤشرات اقتصادية وفنية متجددة.
أوضحت اللجنة أن آلية التسعير لا تقوم على تثبيت السعر لفترات طويلة، بل تعتمد مراجعة دورية تعكس واقع الأسعار الفعلي صعوداً أو هبوطاً، لضمان استدامة توفير المواد البترولية ومراعاة مصلحة المواطنين والاقتصاد الوطني.
وبينت اللجنة أن أسعار النفط العالمية ليست العامل الوحيد في التسعير، بل تُؤخذ في الحسبان أسعار الصرف، كلف الاستيراد أو الإنتاج، النقل، الشحن، التشغيل، الصيانة، ومستوى الجاهزية الفنية، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية المحلية.
وأشارت اللجنة إلى أن إعداد التوصيات يتم ضمن عمل مؤسسي تشاركي يضم ممثلين عن الجهات الاقتصادية والمالية والفنية المختصة لتعزيز الشفافية، مؤكدة أن مراجعة الأسعار ستبقى عملية دورية تضمن اتخاذ القرارات على أسس موضوعية تراعي مصلحة الدولة والمواطن في آن واحد.
آلية جديدة لتسعير المحروقات في سوريا.. من القرار الفردي إلى الحوكمة المؤسسية
في الطرف الآخر، هناك محللون وباحثون ركزوا على الجانب الإيجابي في القرار الأخير، إذ بدأت وزارة الطاقة تطبيق نهج جديد في تسعير المشتقات النفطية، بعد تشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، في خطوة تهدف إلى إرساء آلية مؤسسية أكثر استقراراً وشفافية، تقوم على دراسة مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والفنية، بدلاً من الاعتماد على قرارات فردية أو متغيرات آنية.
قرار جماعي بدلاً من الاجتهادات الفردية
وفق هلاء، يمثل تشكيل اللجنة الدائمة تحولاً في آلية اتخاذ قرار التسعير، إذ لم يعد تحديد أسعار المحروقات يعتمد على تقدير جهة واحدة أو رؤية قطاع منفرد، وإنما أصبح ثمرة عمل مشترك تشارك فيه جهات مالية واقتصادية وفنية مختصة.
وتتولى اللجنة دراسة مختلف المعطيات المؤثرة في الأسعار، قبل رفع توصياتها إلى وزير الطاقة، بما يعزز الطابع المؤسسي لعملية اتخاذ القرار ويحد من تأثير التقديرات الفردية أو ردود الفعل الظرفية.
الليرة السورية أساس التسعير
اعتمدت اللجنة، منذ أول قراراتها، الليرة السورية أساساً وحيداً لتسعير وبيع المشتقات النفطية، منهيةً آلية ربط الأسعار اليومية بتقلبات سعر صرف الدولار في السوق، ويعني ذلك - برأيهم - أن أسعار المحروقات لن تتغير تلقائياً مع أي ارتفاع أو انخفاض يومي في سعر الدولار، بل ستستند إلى منظومة تسعير تعتمد على الكلفة الفعلية المحسوبة بالعملة الوطنية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في السوق.
معادلة متكاملة لتحديد الأسعار
ورأى هؤلاء أن آلية التسعير الجديدة ترتكزعلى مجموعة من المؤشرات، ولا تقتصر على سعر الصرف وحده، إذ تأخذ اللجنة في الحسبان أسعار النفط العالمية، وكلفة الاستيراد أو الإنتاج، والنقل والشحن والتأمين، إضافة إلى نفقات التشغيل والصيانة، والجاهزية الفنية، ومستويات توافر المشتقات النفطية، واستدامة الإمداد، والظروف الاقتصادية المحلية.
وتسعى هذه المنهجية إلى بناء سعر يعكس الكلفة الحقيقية بصورة أكثر دقة، بعيداً عن الاعتماد على مؤشر واحد أو تغيرات السوق قصيرة الأجل.
مراجعات دورية بدلاً من القفزات السعرية
وتتبنى اللجنة مبدأ المراجعة الدورية للأسعار، بما يتيح دراسة أي تغير في الكلف أو المؤشرات الاقتصادية بصورة منتظمة، وإجراء التعديلات عند الحاجة بشكل تدريجي ومدروس، ويختلف هذا النهج عن الآلية السابقة التي كانت تعتمد تثبيت الأسعار لفترات طويلة قبل إدخال تعديلات كبيرة ومفاجئة، وهو ما كان ينعكس على السوق والمستهلكين بصورة مباشرة.
التوازن بين استدامة الإمداد والقدرة الشرائية
ويقول هؤلاء أن فلسفة التسعير الجديدة تستند إلى تحقيق توازن بين متطلبات استدامة توفير المشتقات النفطية واستقرار السوق، وبين مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين، ولا تقوم الآلية على تثبيت الأسعار بصورة مصطنعة، كما لا تتركها بالكامل لتقلبات السوق، وإنما تعتمد إطاراً مرناً يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية ومتطلبات المصلحة العامة.
بداية لمسار تطوير مستمر
تؤكد وزارة الطاقة أن نشرات الأسعار الصادرة عن اللجنة لا تمثل صيغة نهائية، وإنما تشكل الخطوة الأولى ضمن مسار مؤسسي يعتمد المراجعة والتقييم المستمرين، وفق معايير مهنية قابلة للتطوير، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية ويعزز كفاءة إدارة قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
وكانت أوصت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية باعتماد الليرة السورية في عمليات البيع، وذلك خلال اجتماعها الأول برئاسة معاون وزير الطاقة لشؤون النفط غياث دياب، وبمشاركة ممثلي الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية المنصوص عليها في قرار تشكيل اللجنة الصادر عن وزارة الطاقة.
وذكرت وزارة الطاقة، أن اللجنة ناقشت خلال الاجتماع آليات التسعير وتحديد أسعار المشتقات النفطية، والعوامل المؤثرة فيها محليا وعالميا بما في ذلك الأسعار العالمية والتكاليف وسعر صرف الليرة وسائر المؤشرات الاقتصادية ذات الصلة إضافة إلى آليات عمل اللجنة وخطة اجتماعاتها الدورية.
وأوضحت أنه بعد المناقشات اتفقت اللجنة على التوصية باعتماد الليرة السورية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية والمواد البترولية داخل أراضي الجمهورية العربية السورية، ورفعت توصيتها لوزير الطاقة محمد البشير.
هذا وتعد اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية المرجعية الفنية المختصة بدراسة ومراجعة الأسعار ووضع الأسس والمعايير الخاصة بتحديدها وتحديثها، وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والصناعة ومصرف سوريا المركزي والجهات والمؤسسات المعنية بقطاع الطاقة.