أعاد حادث السير الذي وقع يوم عيد العمال، الجمعة الفائتة الموافقة لـ 1 ٱيار، في بلدة الهبيط جنوب إدلب، والذي أسفر عن إصابة 45 امرأة من العاملات في الأراضي الزراعية أثناء توجههن إلى العمل، تسليط الضوء على واقع هذه الفئة من النساء اللواتي يعملن في مختلف الأعمال الزراعية نتيجة ظروف اقتصادية صعبة ومحدودية فرص العمل البديلة، ما يدفعهن إلى تحمل أعمال شاقة في الحقول رغم ما تحمله من مخاطر وتحديات يومية.
تضطر العديد من الفتيات والنساء في سوريا خاصة في المناطق الريفية، بسبب الفقر والحاجة إلى العمل في القطاع الزراعي رغم تدني الأجور التي يحصلن عليها مقارنة بحجم الجهد المبذول.
وتتنوع الدوافع والحالات التي تدفع العاملات إلى هذا العمل، إذ تلجأ بعضهن إليه بدافع قناعة شخصية ورغبة في مساعدة أسرهن، فيما تُجبر أخريات عليه نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، ويظل العامل الاقتصادي المشترك الأبرز في معظم هذه الحالات.
وتتعدد أنواع المهام الزراعية التي تقوم بها العاملات بحسب طبيعة المحاصيل، فتشمل الحصاد اليدوي لعدد من الزراعات مثل الحمص والعدس والكمون وحبة البركة وغيرها من المحاصيل التي تتطلب جهداً بدنياً مباشراً، إضافة إلى أعمال العناية بالمزروعات مثل إزالة الأعشاب الضارة التي قد تؤثر على نمو المحاصيل وجودتها.
كما يشاركن في عمليات قطاف الثمار لمختلف أنواع المحاصيل مثل الزيتون والمشمش والخيار وغيرها، وهي أعمال تعتمد بشكل أساسي على الجهد اليدوي وتُنجز في ظروف ميدانية متعبة ومتكررة.
وبحسب عاملات التقت بهن شبكة شام الإخبارية، فإنهن يواجهن أثناء العمل في الأراضي الزراعية مجموعة من التحديات، من بينها التعب والإجهاد الناتج عن الأعمال الشاقة والعمل لساعات طويلة، إضافة إلى قلة الراحة والحرمان من النوم بشكل كافٍ نتيجة طبيعة العمل المبكر والممتد.
كما أشارت العاملات إلى تعرض بعضهن في حالات معينة للاستغلال المالي من قبل أصحاب العمل، إلى جانب ممارسات سلبية مثل التوبيخ أو التأنيب والضغط أثناء العمل.
مخاطر صحية تهدد العاملات في الأنشطة الزراعية القاسية
لا تقتصر الظروف التي تواجهها العاملات في الزراعة على الجهد البدني وقلة الراحة، بل تمتد إلى جوانب صحية مرتبطة بطبيعة العمل الميداني، فالأعمال الزراعية الشاقة والمتكررة قد تنعكس على صحة العاملات الجسدية، خاصة مع استمرار التعرض للإجهاد والعمل لفترات طويلة في ظروف غير مهيأة بشكل كافٍ.
قالت الدكتورة دانية معتصم حمدوش، أخصائية في طب النساء والتوليد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن من أبرز المخاطر الصحية التي تواجه النساء والفتيات العاملات في الزراعة، الإصابات الجسدية الناتجة عن طبيعة العمل، إلى جانب الأمراض المزمنة المرتبطة بالظروف البيئية، فضلاً عن التأثيرات الناتجة عن التعرض للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية.
وأضافت أن عمل المرأة في الزراعة يُعد من التحديات الكبيرة، إذ تحاول التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية من جهة، والعمل الشاق من جهة أخرى، ما ينعكس سلباً على صحتها الجسدية والنفسية والإنجابية.
وأوضحت أن التعرض المزمن للمبيدات قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها بعض أنواع السرطانات، مثل سرطان الدم والغدد اللمفاوية والدماغ والثدي والمبيض.
وبيّنت أن هذا التعرض قد يسبب أيضاً تشوهات خلقية لدى الأجنة، وحالات إجهاض، ومشكلات في الخصوبة، لافتةً إلى أن بعض الدراسات تشير إلى أن التعرض المزمن للمبيدات قد يرتبط بزيادة احتمالية بعض المشكلات الصحية، بما فيها اضطرابات الخصوبة ومضاعفات الحمل، إضافة إلى ارتباط محتمل ببعض أنواع السرطان، فضلاً عن تأثيرات محتملة على نمو الجهاز العصبي لدى الأطفال، خاصة عند التعرض بكميات كبيرة ولفترات طويلة دون وسائل حماية.
كما أشارت إلى أن ظروف العمل القاسية قد تؤدي إلى الإصابة بأمراض عضلية وهيكلية، مثل الديسك القطني والرقبي، وإصابات المفاصل والعضلات.
وأكدت ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية، من خلال توفير بيئة عمل آمنة ومناسبة، وحماية الصحة الإنجابية للمرأة، إلى جانب استخدام وسائل الوقاية مثل القفازات والكمامات، والحماية من الظروف المناخية القاسية.
وشددت على أهمية مراجعة الطبيب بشكل دوري أو عند ظهور أي أعراض صحية، خاصة في حال التعرض للمبيدات أو الشعور بالإرهاق والآلام، أو عند وقوع حوادث أثناء العمل.
الآثار النفسية والاجتماعية على النساء والفتيات العاملات في الزراعة
كما تمتد آثار هذا النوع من العمل إلى الجوانب النفسية والاجتماعية في حياة النساء والفتيات، وتظهر بعدة أشكال مرتبطة بظروف العمل والضغوط المحيطة به.
وفي هذا السياق، قالت صفاء الصالح، أخصائية اجتماعية أسرية، في تصريح خاص لـ شام، إنها تعمل على تمكين النساء والفتيات ودعمهن في مواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع كثيرات للعمل في مهن زراعية شاقة رغم تدني الأجور.
وأضافت أن هذا الواقع يرتبط بعدة عوامل، من بينها الفقر، وضغط الأسرة، ومحدودية الفرص، وضعف الوعي بالحقوق، ما يؤدي أحياناً إلى ترك بعض الفتيات للتعليم مبكراً.
وأوضحت أن هذا النوع من العمل يترك آثاراً نفسية واجتماعية واضحة، مثل الإرهاق المبكر، وتراجع تقدير الذات، والعزلة، والشعور بالظلم، إضافة إلى تأثيرات طويلة الأمد، خاصة في حالات التعرض للاستغلال أو العنف اللفظي والنفسي.
وأشارت إلى أن بإمكان الفتيات التخفيف من هذه الآثار من خلال التعبير عن مشاعرهن، وطلب الدعم، وتنظيم أوقات الراحة، وتعلّم مهارات جديدة، ووضع حدود واضحة في التعامل مع الآخرين.
وأكدت أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب دوراً مجتمعياً أوسع، يشمل توفير فرص تعليم مرنة، وبرامج تدريب بديلة، وتعزيز قوانين الحماية، ودعم الأسر ذات الدخل المحدود، إلى جانب رفع الوعي بأهمية تعليم الفتاة، معتبرة أن تمكين المرأة مسؤولية جماعية وليست فردية.
يرتبط عمل النساء والفتيات في القطاع الزراعي بظروف اقتصادية صعبة، إلى جانب ما يرافقه من مخاطر صحية وتحديات نفسية واجتماعية، تتداخل مع طبيعة العمل والبيئة التي يتم فيها، ويأتي هذا الواقع في سياق اعتماد عدد من الأسر على هذا النوع من العمل كمصدر دخل، رغم ما يتطلبه من جهد بدني وظروف ميدانية قاسية.