تُعد مرحلة الحمل من الفترات المهمة في حياة المرأة، لما تحمله من تغيرات متسارعة لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد النفسية والانفعالية والاجتماعية، وبينما يتركّز الاهتمام غالباً على صحة الجنين والرعاية الطبية، يبرز جانب الصحة النفسية كعنصر لا يقل أهمية، نظراً لما له من تأثير مباشر على تجربة الحمل وسلامة الأم والطفل معاً.
وفي هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية هيفين هوري في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن فترة الحمل تُعد مرحلة حسّاسة نفسياً في حياة المرأة، مشيرةً إلى أن الحالة النفسية للأم تؤثر بشكل مباشر على صحة الجنين ونموه، كما ترتبط بزيادة احتمالية حدوث ولادة مبكرة أو مضاعفات أثناء الحمل وبعده.
وأوضحت أن الحمل غالباً ما يُنظر إليه كمرحلة سعيدة مليئة بالمشاعر الدافئة، كالإحساس بحركة الجنين والاستعداد لاستقباله من خلال تجهيز ملابسه وغرفته وأغراضه، إلا أن الواقع يُظهر أن الاهتمام بالصحة النفسية كان يتركز سابقاً على مرحلة ما بعد الولادة، خاصة لدى الأمهات اللواتي يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة.
وأضافت أن الاهتمام بالصحة النفسية للأم أصبح في الوقت الراهن ضرورة تبدأ منذ بداية الحمل، مروراً بمرحلة الرعاية والدعم النفسي أثناء الحمل والولادة، وصولاً إلى ما بعد الولادة، لافتةً إلى أن موضوع تثقيف الأمهات والآباء حول أهمية الصحة النفسية للمرأة الحامل حظي باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة، بما يسهم في رفع وعي الأم بأهمية العناية بصحتها النفسية والجسدية، إلى جانب الدور الأساسي لدعم الزوج في تعزيز هذا الجانب.
وبينت أن الحمل يُعد مرحلة معقدة، حيث تمتد التغيرات المصاحبة له إلى الجوانب البيولوجية والفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية، ما يؤثر بشكل مباشر على الحالة الانفعالية والذهنية للمرأة الحامل، وذكرت أن الدراسات تشير إلى أن واحدة من كل خمس نساء قد تمر باضطرابات أو مشكلات نفسية خلال الحمل أو بعده.
ونوهت إلى أن من أبرز المظاهر النفسية التي قد تظهر خلال هذه المرحلة التقلبات المزاجية الناتجة عن التغيرات الهرمونية مثل الإستروجين والبروجسترون، والتي تؤثر على النواقل العصبية في الدماغ، ما يؤدي إلى تغيرات مفاجئة في المشاعر كالبكاء أو الحزن دون سبب واضح.
كما أشارت إلى اضطرابات النوم والقلق، مثل صعوبة النوم والتفكير المستمر بمخاوف الولادة وصحة الجنين، إضافة إلى الشعور بالتعب والإرهاق وضعف التركيز، ولفتت أيضاً إلى القلق المرتبط بصورة الذات، حيث تشعر بعض النساء بضغط نفسي نتيجة التغيرات الجسدية وانعكاسها على نظرة الزوج، ما يزيد من مشاعر التوتر.
وبينت أن هذه المرحلة يمكن تشبيهها بمنحنى على شكل حرف U، حيث تكون المشاعر السلبية مثل القلق والتوتر أكثر وضوحاً في بداية الحمل، ثم تنخفض تدريجياً في منتصفه مع زيادة مشاعر الاتزان، قبل أن تعود للظهور مع اقتراب الولادة، وأضافت أن الأعراض الاكتئابية قد ترتفع لدى بعض النساء تبعاً لسماتهن الشخصية، وقد تستمر إلى ما بعد الولادة، حيث تزداد المشاعر السلبية بشكل مؤقت ثم تبدأ بالانخفاض تدريجياً مع التعافي الجسدي والتكيف مع دور الأمومة.
وفيما يتعلق بالحزن والضغط النفسي، أكدت أن لهما تأثيراً كبيراً على صحة الحامل وعلى التطور العصبي والفيزيولوجي للجنين، موضحةً أن التعرض لضغوط نفسية شديدة أو نوبات حزن متكررة يؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول، ما يسبب صعوبة في النوم والشعور بالإرهاق المستمر، وقد يتطور الأمر إلى اكتئاب أثناء الحمل أو بعده، كما يضعف التوتر المزمن الجهاز المناعي ويزيد من قابلية الإصابة بالأمراض.
وأضافت أن استمرار التعرض للتوتر والحزن العميق قد يؤثر على تشكل دماغ الجنين، ما يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات في النمو العصبي والسلوكي لاحقاً، حيث قد يواجه الطفل صعوبات في التنظيم الانفعالي ويُظهر استجابة مفرطة للضغوط، ما يجعله أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق أو تشتت الانتباه وضعف التركيز في مراحل متقدمة من الطفولة.
وأشارت إلى أنها صادفت حالات سريرية انعكس فيها الضغط النفسي بشكل مباشر على الحمل، من بينها حالة لامرأة تعرضت للعنف الأسري من ضرب وإهانة، ما أدى إلى بدء آلام الولادة في الشهر الثامن، وهو توقيت خطير على صحة الأم والجنين، حيث بقيت تحت العناية الطبية حتى اجتازت مرحلة الخطر وتمت الولادة بنجاح.
كما لفتت إلى حالات أخرى لولادة مبكرة في الشهر السادس نتيجة فقدان أحد المقربين، حيث دخلت الأم في حالة حزن شديد انعكست على وضعها الجسدي والنفسي، ما استدعى تدخل الفريق الطبي عبر إجراءات متعددة للحفاظ على الجنين.
وفي سياق التمييز بين التغيرات النفسية الطبيعية والحالات التي تستدعي تدخلاً مختصاً، أوضحت أن ذلك يعتمد على شدة الأعراض ومدتها وتأثيرها على جودة الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن استمرار الأعراض لأكثر من أسبوعين، مثل نوبات البكاء اليومية، فقدان الشغف، الحزن المستمر، اضطرابات النوم والشهية، أو الانسحاب الاجتماعي، يستدعي تقديم الدعم النفسي واللجوء إلى مختص.
وأضافت أنه رغم أن بعض هذه التغيرات قد تكون طبيعية نتيجة التقلبات الهرمونية، إلا أن تحولها إلى اضطرابات مثل الاكتئاب أو القلق المرضي أو الوسواس القهري يشكل خطراً على صحة الأم وسلامة الجنين.
كما لفتت إلى أن مخاوف المرأة الحامل تتوزع على أبعاد جسدية ونفسية واجتماعية، وتشمل القلق حول سلامة الجنين واحتمالية فقدان الحمل أو الولادة المبكرة، إضافة إلى الخوف من تجربة الولادة وما قد يرافقها من ألم أو مضاعفات، إلى جانب مخاوف تتعلق بالقدرة على تحمل مسؤولية الأمومة والموازنة بين الحياة الشخصية والأسرية.
وأشارت أيضاً إلى مخاوف مرتبطة بالصورة الذاتية والعلاقة الزوجية، نتيجة التغيرات الجسدية وتأثيرها على مفهوم الذات والدعم الاجتماعي، ونوهت إلى أن هذه المخاوف تُعد استجابة طبيعية لمتغيرات الحمل، لكنها قد تتطور إلى اضطرابات في حال اتسمت بالشدة والاستمرار، مؤكدةً أن الدعم النفسي والاجتماعي غالباً ما يكون كافياً لإبقائها ضمن إطارها المؤقت، في حين يستدعي تحولها إلى أفكار وسواسية أو سلبية متكررة تدخلاً مختصاً.
وقدمت مجموعة من الإرشادات للتعامل مع القلق والتوتر، مشيرةً إلى أن هذه المشاعر تُعد طبيعية، إلا أن التعامل معها يتطلب وعياً يمنع تحولها إلى عبء نفسي، وأوضحت أن تمارين التنفس العميق تُعد وسيلة فعالة لتهدئة الجهاز العصبي وخفض التوتر، إلى جانب أهمية الحفاظ على روتين يومي صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني الخفيف كالمشي.
وأضافت أن التعبير عن المشاعر ومشاركتها مع الزوج أو المقربين أو الأمهات الأخريات يساهم في توفير دعم عاطفي مهم، ويعزز الشعور بالأمان، كما أكدت أهمية المتابعة النفسية عند الحاجة، خاصة في حال استمرار الحزن أو القلق لفترة تتجاوز الأسبوعين أو ظهور أعراض مثل فقدان الشغف واضطرابات النوم.
وفيما يتعلق بدور الزوج والعائلة، أشارت إلى أن خلق بيئة نفسية آمنة يتطلب وعياً بأهمية هذه المرحلة، حيث يشكلون شبكة الدعم الأساسية للمرأة الحامل، من خلال تقديم المساندة العاطفية والمشاركة في المسؤوليات اليومية والإصغاء لمخاوفها، وأضافت أن هذا الدعم يساهم في تخفيف القلق وتعزيز الثقة بالنفس، وينعكس إيجاباً على صحة الأم ونمو الجنين.
وأوضحت أن هذه المساندة تتحقق من خلال مساعدة الحامل في الأعمال المنزلية، وتوفير بيئة مريحة للراحة والاسترخاء، وتشجيعها على التواصل الاجتماعي، إضافة إلى دور الشريك في ملاحظة التغيرات النفسية والمبادرة لطلب الاستشارة المختصة عند الحاجة.
وذكرت أن هناك أخطاء شائعة قد يرتكبها المحيطون بالحامل، مثل التقليل من مشاعرها أو وصفها بالمبالغة، أو تقديم نصائح متناقضة، أو التركيز على الجانب الجسدي وإهمال احتياجاتها النفسية، إلى جانب سرد تجارب سلبية تزيد من مخاوفها، مؤكدةً أن هذه السلوكيات قد تترك أثراً نفسياً عميقاً، ما يستدعي قدراً أكبر من الوعي والدعم من قبل الأسرة والمحيطين.
تشكل الصحة النفسية خلال فترة الحمل جانباً مرتبطاً بمجموعة من التغيرات النفسية والجسدية التي ترافق هذه المرحلة من حياة المرأة، وما يتصل بها من عوامل مختلفة تشمل الرعاية الطبية والدعم الأسري والتغيرات اليومية التي تمر بها الحامل.