دخلت سوريا مرحلة واسعة من إعادة الإعمار في ظل حجم كبير من الدمار الذي طال المساكن والبنية التحتية والخدمات خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع الإعلان عن مشاريع واستثمارات جديدة وعودة أعداد من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، ما وضع قضايا الملكية والتعويض ومشاركة السكان في صلب النقاش حول شكل عملية التعافي.
وفي هذا السياق، حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن صفقات إعادة الإعمار التي تبرمها الحكومة السورية بمليارات الدولارات تتقدم في وقت لا يزال فيه الإطار القانوني الناظم للعملية بحاجة، وفق تقييمها، إلى ضمانات أكثر وضوحاً لحماية حقوق المتضررين وإشراك المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها.
وقالت المنظمة إن الأطر القانونية الناظمة لإعادة الإعمار لا تُلزم الحكومة أو المطورين بالتشاور مع المجتمعات المحلية المتضررة، بما فيها الأسر التي ما تزال نازحة، قبل الموافقة على المشاريع، ودعت إلى توفير آليات مستقلة للاعتراض على القرارات المتعلقة بالمنازل والأراضي، ووضع قواعد واضحة وعادلة للتعويض.
إعادة الإعمار أبعد من المباني
أكد التقرير أن إعادة الإعمار لا تقتصر على تشييد المساكن وإصلاح الطرق والمنشآت، وإنما ترتبط أيضاً بحقوق السكان في السكن والأرض والملكية والحصول على الخدمات والمشاركة في القرارات التي تؤثر في مناطقهم.
وأشار إلى أن هذا الملف يكتسب أهمية مع عودة سوريين إلى مناطق تعرضت لدمار واسع، حيث يجد بعض العائدين منازل مدمرة ومناطق تعاني نقص المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الخدمات، بالتوازي مع استمرار مطالبات مرتبطة بالسكن والأراضي والملكية دون تسوية.
وأورد التقرير تقديرات وضعت حجم الأضرار المادية عند نحو 108 مليارات دولار، فيما بلغ متوسط تكاليف إعادة الإعمار المقدرة 216 مليار دولار، ضمن نطاق تراوح بين 140 و345 مليار دولار، بما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد اللازمة لمعالجتها.
من يقرر شكل الأحياء الجديدة؟
سلط التقرير الضوء على مدى مشاركة السكان في تحديد مستقبل المناطق التي عاشوا فيها، ورأى أن المجتمعات المتضررة ينبغي أن تكون طرفاً في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها وأحيائها قبل اعتماد مشاريع إعادة الإعمار.
وبين أن بعض القرارات المتعلقة بإعادة الإعمار اتُخذت دون مشاركة مجتمعية كافية أو معايير واضحة للتعويض وآليات يسهل الوصول إليها للاعتراض والتظلم، ما أثار اعتراضات في بعض المناطق.
ولفت إلى أن مسألة التعويض تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية، ولا سيما في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً أو تغيرات في أوضاع الملكيات، ودعا إلى وضع قواعد واضحة وعادلة تراعي أصحاب الممتلكات والنازحين والمتضررين، وتتيح لهم الاعتراض على القرارات التي تمس حقوقهم.
إرث المرسوم 66 والقانون رقم 10
أعاد التقرير فتح النقاش حول المرسوم 66 الصادر عام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، وما ترتب عليهما من إشكالات تتعلق بإعادة تنظيم المناطق وحقوق الملكية.
وذكر أن تطبيق المرسوم 66 عُلّق في دمشق في تشرين الأول 2025 بانتظار مراجعة قانونية، في وقت ما تزال فيه بعض المشاريع المرتبطة بالأطر التنظيمية السابقة مطروحة للاستثمار.
وطالبت المنظمة بإلغاء المرسوم 66 والقانون رقم 10 أو إخضاعهما لمراجعة مستقلة لتقييم حقوق السكان المتضررين، وما يستحقونه من رد للممتلكات أو تعويضات.
جوبر نموذجاً
استعرض التقرير حي جوبر شرقي دمشق بوصفه أحد النماذج على تعقيدات إعادة بناء المناطق شديدة الدمار، وأشار إلى أن نحو 95 بالمئة من مباني الحي تعرضت للدمار.
وذكر أن سكاناً أُبلغوا بعدم إمكانية إعادة البناء بصورة فردية في ظل وجود مشروع مقترح لإعادة تطوير المنطقة، فيما أثارت صيغة التعويضات المطروحة تساؤلات بشأن المساحات التي سيحصل عليها أصحاب المنازل السابقون وحقوق سكان المناطق غير المنظمة والمستأجرين.
وطرح التقرير من خلال حالة جوبر قضية أوسع تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين إعادة تخطيط المناطق المدمرة والاستفادة من الاستثمارات الجديدة من جهة، وضمان حقوق أصحاب المنازل والأراضي والسكان السابقين من جهة أخرى.
العودة لا تنتهي بمغادرة المخيم
ربط التقرير بين إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين، واعتبر أن العودة المستدامة تحتاج إلى أكثر من مجرد مغادرة المخيم أو بلد اللجوء، إذ تتطلب وجود سكن وخدمات أساسية تسمح للعائدين باستعادة حياتهم.
واستعرض قرية غدفة في ريف إدلب نموذجاً لهذه التحديات، حيث تحدث سكان عادوا من النزوح عن نقص المياه الجارية والكهرباء والمدارس العاملة والخدمات الطبية، واضطرار بعض الأهالي إلى شراء المياه والمساهمة في تأمين أجور المعلمين.
وبين التقرير أن عدد سكان القرية كان يبلغ قبل الحرب نحو 8500 نسمة، بينما يقدر حالياً بنحو 13 ألفاً، وذكر أن سبعة منازل فقط من أصل نحو 1500 منزل لها أسقف إسمنتية، ما دفع بعض السكان إلى نصب الخيام مكان منازلهم أو فوق أبنية متضررة.
وأكدت المنظمة أن استعادة المياه والصرف الصحي والكهرباء والمدارس والرعاية الصحية في مناطق العودة ينبغي أن تكون من الأولويات المباشرة، بدلاً من تأجيلها إلى مراحل لاحقة من عملية إعادة الإعمار.
أين يعترض المتضرر؟
طرح التقرير إشكالية تتعلق بآليات الاعتراض على القرارات التي تمس منازل السكان وأراضيهم، واعتبر أن إطار إعادة الإعمار لا يوفر حتى الآن آلية مستقلة ومتخصصة يمكن للمتضررين اللجوء إليها بصورة فعالة.
وأشار إلى أن محدودية القنوات المتاحة دفعت بعض السكان إلى الاحتجاج أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والوساطات للمطالبة بحقوقهم والاعتراض على المشاريع والقرارات المتعلقة بممتلكاتهم.
ودعت المنظمة إلى إنشاء آليات تظلم مستقلة يسهل الوصول إليها، وإيجاد مسار لمعالجة النزاعات المتعلقة بالسكن والأراضي والملكية، وربط هذه القضايا بعملية العدالة الانتقالية.
مسؤولية لا تقتصر على الحكومة
وسع التقرير دائرة المسؤولية لتشمل، إلى جانب الحكومة، الجهات المانحة والمستثمرين والشركات الراغبة في الدخول إلى سوق إعادة الإعمار السورية.
ودعا إلى تضمين حماية الحقوق ضمن شروط تمويل المشاريع، وإجراء تقييمات مسبقة لتأثيرها على السكان، والتحقق من معالجة نزاعات الملكية قبل الاستثمار في المناطق التي تشهد مطالبات متعارضة.
كما طالب الشركات والجهات المالية بالتحقق من وجود تشاور حقيقي مع المجتمعات المحلية وآليات للاعتراض والتظلم قبل إبرام اتفاقيات مرتبطة بالأراضي والممتلكات.
إعادة البناء وحقوق السكان
وضع التقرير مجموعة من التوصيات أمام الحكومة، في مقدمتها إدراج مشاركة المجتمعات المحلية ضمن عمليات التخطيط قبل الموافقة على مشاريع إعادة الإعمار، ووضع معايير واضحة وعادلة للتعويض، وإنشاء آليات مستقلة للتظلم، وإعطاء الأولوية لاستعادة الخدمات الأساسية في مناطق العودة.
كما دعا إلى معالجة قضايا الملكية التي خلفتها السنوات الماضية، وضمان ألا تؤدي مشاريع التطوير الجديدة إلى خسارة السكان حقوقهم في الأراضي والمنازل أو إلى تهجير جديد مرتبط بالمشاريع الاستثمارية.
وبين التقرير أن التحدي في إعادة إعمار سوريا لا يرتبط فقط بتأمين مليارات الدولارات اللازمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما أيضاً بالطريقة التي ستدار بها هذه العملية، ومن سيشارك في اتخاذ قراراتها، وكيف ستعالج حقوق أصحاب المنازل والأراضي والنازحين والعائدين.
وفي ظل الحاجة إلى تسريع إعادة البناء وجذب الاستثمارات بالتوازي مع حماية حقوق السكان ومعالجة نزاعات الملكية المتراكمة، خلص التقرير إلى أهمية بناء إطار قانوني واضح وشفاف ينظم عملية إعادة الإعمار ويضمن مشاركة المجتمعات المتضررة ويحمي حقوقها خلال مرحلة التعافي.