من القطيعة إلى الشراكة.. كيف أعادت سوريا وفرنسا بناء علاقاتهما وصولاً إلى زيارة ماكرون التاريخية لدمشق؟
تشهد العلاقات السورية–الفرنسية تحولاً غير مسبوق مع الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، في أول زيارة لرئيس فرنسي منذ عام 2008، لتطوي سنوات طويلة من القطيعة السياسية التي فرضتها ممارسات نظام الأسد البائد، وتفتح مرحلة جديدة عنوانها الحوار، والتعاون، والشراكة في ملفات السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار.
ولا تُعد هذه الزيارة حدثاً منفصلاً، بل تتويجاً لمسار امتد لأكثر من عقدين، انتقلت خلاله العلاقات بين البلدين من محاولات التقارب، إلى مرحلة من الصدام الدبلوماسي والقانوني، قبل أن تدخل اليوم مرحلة إعادة البناء بعد سقوط نظام الأسد البائد وبداية العهد الجديد في سوريا.
مرحلة التقارب الأولى
شهدت نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة محاولات فرنسية لإقامة علاقات سياسية مع دمشق، كان أبرزها في عهد الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، قبل أن تتعرض هذه الجهود لانتكاسة كبيرة عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، وهي الجريمة التي ارتبط اسم نظام الأسد البائد بها، ما أدى إلى تراجع العلاقات ووقف الاتصالات السياسية رفيعة المستوى.
ومع وصول الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الإليزيه، حاولت باريس إعادة دمج النظام السوري السابق في المشهد الدولي، إلا أن اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من قمع دموي أنهى تلك المحاولات بشكل كامل.
الثورة السورية ونهاية العلاقات
دفعت الانتهاكات الواسعة التي ارتكبها نظام الأسد البائد بحق السوريين فرنسا إلى تغيير موقفها بالكامل، فأصبحت من أوائل الدول الأوروبية التي طالبت بوقف القمع، ثم دعت إلى تنحي بشار الأسد، بالتوازي مع دعمها لفرض عقوبات أوروبية واسعة على النظام.
كما شكل الاعتداء على السفارة الفرنسية في دمشق في تموز 2011 نقطة تحول إضافية، قبل أن تعلن باريس عام 2012 إغلاق سفارتها وقطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السابق، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة غير مسبوقة من القطيعة.
فرنسا في واجهة المساءلة القضائية
برزت فرنسا خلال السنوات اللاحقة باعتبارها إحدى أكثر الدول الأوروبية نشاطاً في ملاحقة مسؤولي نظام الأسد البائد قضائياً، بالتعاون مع منظمات حقوقية وجمعيات سورية وفرنسية.
وشكل ملف رجل الأعمال الفرنسي من أصل سوري مازن الدباغ وابنه باتريك إحدى أبرز القضايا التي قادت إلى محاكمات تاريخية في القضاء الفرنسي، بعدما اختفيا قسرياً عقب اعتقالهما عام 2013 داخل سجون النظام.
وانتهت القضية في أيار 2024 بإصدار القضاء الفرنسي أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد بحق ثلاثة من كبار مسؤولي أجهزة النظام الأمنية، مع الإبقاء على مذكرات التوقيف الدولية بحقهم.
ملاحقة بشار الأسد
وسعت باريس مسار المحاسبة ليشمل رأس النظام نفسه، إذ أصدر القضاء الفرنسي في تشرين الثاني 2023 أول مذكرة توقيف بحق بشار الأسد على خلفية الهجمات الكيميائية التي استهدفت المدنيين عام 2013.
وتبعتها مذكرتا توقيف إضافيتان خلال عام 2025، إحداهما على خلفية قصف أحياء مدنية في درعا، والثانية بشأن مقتل صحفيين بينهم مواطنون فرنسيون في مدينة حمص، لتصبح فرنسا إحدى أبرز الساحات القضائية الدولية التي لاحقت مسؤولي النظام البائد.
سقوط النظام يغيّر المشهد
فتح سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من كانون الأول 2024 الباب أمام إعادة صياغة العلاقات بين دمشق وباريس، في ظل إعلان القيادة السورية الجديدة اعتماد سياسة الانفتاح وإعادة بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.
وبدأت مؤشرات هذا التحول سريعاً مع وصول أول وفد دبلوماسي فرنسي إلى دمشق في كانون الأول 2024، في أول زيارة رسمية إلى مقر السفارة الفرنسية منذ أكثر من اثني عشر عاماً.
عودة الحوار السياسي
تطورت الاتصالات بين البلدين خلال عام 2025 بوتيرة متسارعة، إذ شارك وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في المؤتمر الدولي الخاص بسوريا الذي استضافته باريس، حيث أجرى سلسلة لقاءات مع المسؤولين الفرنسيين، في مؤشر واضح على استئناف الحوار السياسي بين الجانبين.
وتعزز هذا المسار بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس في أيار 2025، حيث عقد مباحثات مع الرئيس إيمانويل ماكرون تناولت مستقبل العلاقات الثنائية، ودعم سيادة سوريا، والتعاون في ملفات إعادة الإعمار، والعمل على رفع العقوبات الأوروبية.
زيارة ماكرون... بداية مرحلة جديدة
تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق لتتوج هذا المسار السياسي، ولتكون أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2008، وأول زيارة لرئيس غربي منذ سقوط نظام الأسد البائد.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية مع مرافقة وفد اقتصادي واستثماري فرنسي رفيع المستوى، في إشارة إلى أن العلاقات الجديدة لن تقتصر على الجانب السياسي، بل ستشمل الاستثمار، وإعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، والثقافة.
شراكة تتجاوز السياسة
تعكس الاتفاقيات المنتظر توقيعها خلال الزيارة توجهاً نحو بناء شراكة شاملة تشمل التعاون السياسي، ومكافحة الإرهاب، والإصلاح المؤسسي، والتعليم، والصحة، والثقافة، والاستثمار، إضافة إلى دعم الوكالة الفرنسية للتنمية لمشروعات التعافي في سوريا.
كما تبرز ملفات إعادة الإعمار، والربط الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، ضمن أولويات التعاون بين البلدين، إلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية، وملفات الهجرة، وعودة اللاجئين، ومكافحة تهريب المخدرات.
تحول في موقع سوريا الدولي
تمثل الزيارة مؤشراً على اتساع دائرة الانفتاح الأوروبي على سوريا، بعد سنوات من العزلة التي ارتبطت بسياسات نظام الأسد البائد، كما تعكس اعترافاً متزايداً بالدور الذي تؤديه سوريا الجديدة في استقرار المنطقة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، تؤكد دمشق أن مرحلة العلاقات الجديدة تقوم على مبدأ السيادة الوطنية، والاحترام المتبادل، والشراكات المتوازنة، بعيداً عن سياسات الهيمنة أو التدخل في الشؤون الداخلية.
مرحلة مختلفة
يفتح التحول في العلاقات السورية–الفرنسية صفحة جديدة تختلف جذرياً عن السنوات الماضية، إذ تنتقل العلاقة من ملفات العقوبات والمحاكمات والقطيعة إلى مسار يقوم على التعاون السياسي والاقتصادي، ودعم التنمية، وإعادة الإعمار، بما يعكس تغيراً عميقاً في المشهدين السوري والدولي، ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة بين دمشق وباريس.