تُعدّ الفترة التي تلي الولادة من المراحل الحساسة في حياة المرأة، إذ تكون قد خرجت للتو من تجربة جسدية مرهقة رافقتها آلام وتغيرات واضحة في الجسم، إلى جانب انتقالها المباشر إلى مسؤولية جديدة تتعلق برعاية طفل حديث الولادة يحتاج إلى اهتمام ورعاية مستمرة.
وعادةً ما قد تصاب بعض السيدات باكتئاب ما بعد الولادة، الذي يُعدّ أحد أشكال الاكتئاب الشديد التي تصيب نسبة من الأمهات الجدد، ويتميّز بكونه مزيجاً من التغيرات السلوكية والجسدية، ترافقه اضطرابات في المزاج وشعور مستمر بالحزن أو اليأس يمتد لفترة ما بعد الولادة.
وبحسب تقارير طبية، يمكن أن يظهر اكتئاب ما بعد الولادة بعد ولادة أي طفل، وليس حصراً بعد الولادة الأولى، كما قد يبدأ خلال أيام قليلة من الولادة أو يمتد ليظهر بعد أشهر، إلا أن معظم الحالات عادةً ما تحصل خلال الأسابيع الأربعة الأولى بعد الإنجاب.
وأكدت التقارير ضرورة عدم إهمال اكتئاب ما بعد الولادة، لما قد يتركه من انعكاسات سلبية على الحياة اليومية والأسرية، وعلى علاقة الأم بمولودها، مضيفة أن أعراضه قد تتفاقم مع مرور الوقت.
في هذا السياق، قالت الدكتورة دانية معتصم حمدوش، أخصائية في طب النساء والتوليد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اكتئاب ما بعد الولادة هو حالة نفسية واضطراب مزاجي حاد يصيب الأمهات بعد الولادة، وخصوصاً الأمهات الجدد، ويتصف بمشاعر الحزن واليأس والإرهاق.
وأشارت إلى أن هذه الحالة تحدث نتيجة تغيرات هرمونية ونفسية، بسبب الانخفاض الحاد في الهرمونات، وخصوصاً هرموني الإستروجين والبروجسترون.
وأضافت أن اكتئاب ما بعد الولادة يختلف عن التغيرات الطبيعية بعد الولادة من حيث شدة الأعراض ومدة استمرارها وتأثيرها على الحياة اليومية للأم، إذ يستمر لأسابيع أو أشهر ويتطلب تدخلاً طبياً أو استشارة أخصائي، بينما في الحالة الطبيعية تستمر التغيرات لمدة أسبوعين.
ونوّهت إلى أن أعراض اكتئاب ما بعد الولادة تشمل الحزن الشديد وتقلبات المزاج وفقدان الاهتمام بالطفل والأنشطة اليومية وصعوبات النوم، بالإضافة إلى مشاعر الحزن واليأس والإرهاق النفسي لأكثر من أسبوعين بما يعيق قدرة الأم على رعاية طفلها، ونوبات بكاء مستمرة دون سبب، وصعوبة تكوين روابط عاطفية مع الرضيع، واضطرابات في النوم والشهية.
وبيّنت أن من المخاطر المرتبطة بهذه الحالة أنها تؤثر سلباً على قدرة الأم على ممارسة حياتها ورعاية طفلها، كما تؤدي إلى ضعف التركيز وقلة الثقة بالنفس، وتنعكس على صحتها العقلية والجسدية، ما يجعلها غير قادرة على الاهتمام بنفسها أو بطفلها، وبالتالي يؤثر ذلك على التطور العاطفي والاجتماعي للطفل.
وأفادت بأن مرحلة ما بعد الولادة تُعد فترة حساسة تتطلب رعاية مكثفة، حيث يمر جسم الأم بتغيرات هرمونية وجسدية مثل انخفاض الإستروجين والبروجسترون، إلى جانب ضغوط نفسية ناتجة عن مسؤوليات الأمومة الجديدة.
وأكدت على مجموعة من النصائح للأم في هذه المرحلة، وتشمل التركيز على التغذية الصحية، والراحة المستمرة، ونظافة والتئام الجروح سواء كانت طبيعية أو قيصرية، واستشارة الطبيب فور ظهور أي علامات لاضطرابات مزاجية أو مضاعفات جسدية، إضافة إلى طلب الدعم من المقربين.
وشددت على أن للزوج والأسرة دوراً محورياً في دعم المرأة خلال هذه الفترة، من خلال الدعم العاطفي والنفسي عبر الاستماع لمشاعرها وطمأنتها وتفادي الضغوط المتعلقة بالعودة السريعة للروتين الطبيعي، إضافة إلى توفير بيئة مريحة تساعدها على الاسترخاء والنوم، وتشجيعها على التغذية الصحية، ومساعدتها في رعاية الطفل والمهام المنزلية واليومية.
ولفتت إلى أن ملاحظة اكتئاب ما بعد الولادة والتدخل الإيجابي لدعم الأم يُعدان ركيزة أساسية لتعافيها السريع، خاصة خلال الأسابيع والأشهر الأولى الحرجة.
وأوضحت أن الهدف من العلاج هو استعادة التوازن الهرموني والنفسي لضمان صحة الأم وقدرتها على رعاية رضيعها، مؤكدة ضرورة اللجوء إلى طبيب أو أخصائي عند ظهور الأعراض، خاصة إذا استمرت لأكثر من أسبوعين أو أعاقت القدرة على العناية بالطفل أو تضمنت أفكاراً بإيذاء النفس أو الرضيع.
وبيّنت أن مرحلة ما بعد الولادة تمثل تحدياً كبيراً للصحة النفسية للأمهات، لكنها حالة طبية شائعة وقابلة للعلاج، مشددة على ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأم، وضمان حصولها على فترات راحة كافية والمتابعة الطبية المنتظمة.
وأضافت موجهة حديثها إلى الزوج بضرورة الاهتمام بزوجته خلال فترة ما بعد الولادة، وتوفير الراحة والطمأنينة لها، ودعمها ومساندتها في رعاية الرضيع ومساعدتها في أداء الواجبات اليومية، فيما دعت الأمهات إلى عدم التردد في طلب المساعدة الطبية من المتخصصين عند الشعور بتغيرات مثل القلق الشديد أو اضطرابات النوم أو تقلبات المزاج.
ويؤكد مختصون نفسيون أن مرحلة ما بعد الولادة تُعد من الفترات التي تتطلب اهتماماً خاصاً بالمرأة من قبل الزوج والأسرة والوسط المحيط، لما لها من تأثير مباشر على استقرارها النفسي والجسدي.
ويشيرون إلى ضرورة تفهم حالتها وما قد تمر به من تغيرات مزاجية أو نفسية، إضافة إلى تقديم الدعم والمساندة لها ومساعدتها في التكيف مع مسؤوليات الأمومة الجديدة، بما يسهم في تخفيف الضغوط الواقعة عليها وتعزيز صحتها النفسية.
يظل اكتئاب ما بعد الولادة حالة صحية تستدعي الانتباه والمتابعة، نظراً لما قد يرافقه من تأثيرات على الأم وعلاقتها بطفلها وحياتها اليومية، ما يجعل الوعي بأعراضه وطرق التعامل معه عاملاً مهماً في الحد من مضاعفاته ودعم مرحلة ما بعد الولادة بشكل أفضل.