المونة السورية تتراجع أمام ضغوط المعيشة.. أسر تقلص الكميات وتستبدل المكونات
تراجعت قدرة العديد من الأسر السورية على تحضير المونة المنزلية وتخزين المواد الغذائية خلال مواسمها، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخل، ما دفع عائلات إلى تقليص الكميات والأصناف التي اعتادت إعدادها سنوياً، فيما اضطرت أخرى إلى الاستغناء عن المونة والاكتفاء بشراء احتياجاتها الغذائية بصورة يومية أو على فترات متقاربة.
وتشمل التغيرات أصنافاً تقليدية مثل المكدوس والمربيات والكشك والخضراوات المجففة والأجبان، مع اتجاه بعض الأسر إلى استخدام مكونات أقل تكلفة أو التعاون في التحضير لتخفيف النفقات، في تحول يعكس تراجع القدرة على تخصيص مبالغ مسبقة لتأمين الغذاء خارج مواسم إنتاجه.
ورغم أن إعداد المونة منزلياً قد يوفر على الأسرة جزءاً من نفقاتها مقارنة بشراء المنتجات الجاهزة، فإن الحاجة إلى دفع تكاليف المواد والتحضير دفعة واحدة أصبحت عائقاً أمام كثير من العائلات التي يستهلك الإنفاق اليومي معظم دخلها.
ضعف الدخل يحد من القدرة على التخزين
قالت الاستشارية الاقتصادية ثريا حجازي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تراجع تحضير المونة لا يرتبط بارتفاع أسعار المواد الغذائية وحده، وإنما باتساع الفجوة بين دخل الأسرة وتكاليف المعيشة، ما يقلص قدرتها على شراء كميات إضافية من المنتجات وتخزينها لاستهلاكها خلال الأشهر المقبلة.
وأوضحت أن المونة تحتاج إلى ميزانية تُخصص خلال فترة قصيرة، بينما تواجه الأسر محدودة الدخل صعوبة في تأمين نفقاتها اليومية، الأمر الذي يجعل توفير مبلغ إضافي للتحضير والتخزين خارج إمكانات الكثير منها.
وأضافت أن تداعيات سنوات الحرب والنزوح والعودة، إلى جانب تكاليف السكن والكهرباء والخدمات الأساسية، أسهمت في زيادة الأعباء المالية، بحيث أصبحت الموارد المتاحة تُستهلك في تلبية الاحتياجات المباشرة.
وأكدت أن توافر الخضراوات والفواكه في الأسواق، أو انخفاض أسعار بعضها خلال الموسم، لا يعني بالضرورة قدرة الأسر على شرائها بكميات كبيرة، لأن المشكلة الأساسية تتمثل في محدودية السيولة والدخل المتاح.
وأشارت إلى أن تفاوت الرواتب والأجور بين العاملين، واختلاف مصادر دخل الأسر، انعكسا على قدرتها على تحضير المونة، فيما تراجع الأثر المعيشي للحوالات المالية التي تتلقاها بعض العائلات من الخارج نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات أسعار الصرف.
تكاليف التحضير تتجاوز أسعار المواد الأساسية
بيّنت حجازي أن حساب تكلفة المونة لا يقتصر على سعر المادة الرئيسية، لأن إعداد معظم الأصناف يتطلب مكونات إضافية ونفقات مرتبطة بالطهي والتجفيف والتخزين.
وضربت مثالاً بالمكدوس، الذي يحتاج إلى الباذنجان والجوز والفليفلة والزيت، فضلاً عن الغاز المستخدم في التحضير، موضحة أن انخفاض سعر الباذنجان خلال موسمه لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض التكلفة النهائية إذا بقيت أسعار المكونات الأخرى مرتفعة.
وينطبق الأمر على المربيات التي تتطلب كميات من السكر، وعلى أصناف الخضراوات المجففة، مثل الملوخية والبامية والنعناع، التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المواد الطازجة للحصول على كمية أقل بعد التنظيف والتقطيع والتجفيف.
وأضافت أن ظروف السكن أصبحت بدورها عاملاً مؤثراً في القدرة على إعداد المونة، خصوصاً لدى الأسر العائدة إلى منازل متضررة أو المقيمة في مساكن ضيقة لا تتوافر فيها مساحات مناسبة للتحضير والتجفيف.
وأشارت إلى أن بعض العائلات تضطر إلى الاستعانة بأشخاص يمتلكون أماكن ملائمة لتجفيف الكشك مقابل أجر، ما يضيف تكلفة جديدة إلى النفقات الأساسية.
ولفتت إلى أن مقارنة أسعار المونة بين عام وآخر لا تكفي للحكم على تحسن القدرة الشرائية، إذ قد تنخفض تكلفة بعض الأصناف دون أن تتمكن الأسرة من شرائها، بسبب استمرار الفجوة بين الدخل والاحتياجات.
من عشرات الكيلوغرامات إلى كميات محدودة
انعكس ضعف القدرة الشرائية على حجم المونة التي تعدها الأسر السورية، إذ باتت بعض العائلات تكتفي بكميات صغيرة من الأصناف التي اعتادت تخزينها بكميات تكفي لأشهر طويلة.
وأوضحت حجازي أن بعض الأسر التي كانت تحضر ما بين 60 و100 كيلوغرام من المكدوس خلال الموسم، أصبحت تكتفي بنحو 10 إلى 15 كيلوغراماً، في حين تخلت عائلات أخرى عن تحضيره بصورة كاملة.
كما امتد التقليص إلى المربيات والأجبان والألبان والكشك والخضراوات المجففة، حيث أصبحت بعض الأسر تختار صنفاً أو صنفين فقط، بدلاً من إعداد تشكيلة متنوعة من المنتجات المنزلية.
وأضافت أن تقليل الكميات ترافق مع تغيير مكونات بعض الأصناف، مثل الاستغناء عن الجوز في المكدوس أو استخدام زيوت نباتية أقل سعراً بدلاً من زيت الزيتون، بهدف خفض التكلفة الإجمالية.
وتعكس هذه التعديلات محاولة الحفاظ على جزء من العادات الغذائية التقليدية، مع تكييفها وفق الموارد المتاحة، وإن كان ذلك يؤدي إلى تغير مذاق بعض الأصناف وخصائصها الغذائية.
التعاون بين الأسر لتخفيف النفقات
دفعت الضغوط الاقتصادية بعض النساء إلى اعتماد أساليب جماعية في إعداد المونة، من خلال تقاسم تكاليف المواد ومراحل التحضير والكميات الناتجة.
وأشارت حجازي إلى أن التعاون قد يشمل تحضير صنف واحد بكميات مشتركة، أو تبادل المنتجات بين نساء العائلة، بحيث تقدم إحداهن مربى المشمش مقابل الحصول على نوع آخر من المربيات أو المخللات.
وتساعد هذه الممارسات على تقليل النفقات والاستفادة من المواد المتوافرة لدى كل أسرة، فضلاً عن تخفيف بعض أعباء التحضير التي تتطلب وقتاً وجهداً.
وترى حجازي أن استمرار هذه الأساليب يعكس قدرة الأسر على التكيف مع الظروف الاقتصادية، لكنه يكشف أيضاً تراجع إمكاناتها في إعداد المونة بصورة مستقلة وبالكميات التي اعتادتها سابقاً.
هل أصبحت المنتجات الجاهزة بديلاً أوفر؟
أكدت حجازي أن المونة المنزلية لا تزال أقل تكلفة من المنتجات الجاهزة في كثير من الحالات، خصوصاً عند شراء الخضراوات والفواكه خلال مواسم إنتاجها وتحضير كميات تكفي لفترات طويلة.
لكنها أوضحت أن الاستفادة من هذا التوفير تتطلب امتلاك المبلغ اللازم مسبقاً، وهو ما لا يتوافر لدى جميع الأسر.
فقد تكون تكلفة تحضير عشرة كيلوغرامات من المكدوس أقل من شراء الكمية نفسها جاهزة، إلا أن الأسرة التي لا تستطيع دفع تكلفة التحضير دفعة واحدة قد تلجأ إلى شراء كميات صغيرة عند الحاجة، حتى إن كانت أكثر تكلفة على المدى الطويل.
وأضافت أن المفاضلة بين المونة المنزلية والمنتجات الجاهزة يجب أن تأخذ في الحسبان جميع النفقات، بما فيها الغاز والمياه والكهرباء ومواد التعبئة والتخزين، وليس أسعار المواد الغذائية وحدها.
كما شددت على ضرورة احتساب الوقت والجهد المبذولين في التحضير، ولا سيما العمل الذي تؤديه النساء في تنظيف المواد وتقطيعها وطهيها وتجفيفها وتعبئتها.
وأوضحت أن هذا الجهد يمثل عملاً منزلياً غير مدفوع الأجر، وغالباً ما يُستبعد من الحسابات الاقتصادية، رغم أنه يشكل جزءاً من التكلفة الفعلية لإنتاج المونة داخل المنزل.
تراجع القدرة على التخطيط الغذائي
لا تقتصر آثار تقليص المونة على تغير العادات المنزلية، بل تمتد إلى قدرة الأسرة على تنظيم إنفاقها الغذائي على مدار العام.
وأوضحت حجازي أن إعداد المونة كان يتيح للأسر شراء الخضراوات والفواكه خلال مواسم انخفاض أسعارها، ثم تخزينها لاستهلاكها عندما ترتفع الأسعار أو يقل توافر بعض الأصناف.
وشملت هذه الممارسات حفظ البازلاء والفول وغيرها من الخضراوات في المجمدات، إلى جانب تجفيف بعض المنتجات وتحضير المربيات والمخللات، بما يساعد على تنويع الغذاء وتخفيف النفقات في الفترات اللاحقة.
لكن تراجع الدخل جعل كثيراً من الأسر عاجزة عن تخصيص موارد للتخزين، وأجبرها على شراء احتياجاتها بحسب السيولة المتوافرة، حتى عندما تكون أسعار المنتجات خارج مواسمها أعلى.
وأضافت أن هذا التحول يقلص قدرة العائلات على التخطيط المسبق لميزانيتها الغذائية، ويجعل قرارات الشراء أكثر ارتباطاً بالسعر المباشر بدلاً من الجودة والتنوع والقيمة الغذائية.
كما أن الاستغناء عن بعض المكونات أو استبدالها بمواد أرخص قد يؤدي إلى تغير الخصائص الغذائية للأصناف المنزلية، بحسب طبيعة البدائل المستخدمة وكمياتها.
المونة والأمن الغذائي للأسرة
ترى حجازي أن تراجع إعداد المونة يعكس جانباً من الضغوط التي تواجه الأمن الغذائي على مستوى الأسرة، إذ إن القدرة على تخزين الطعام ترتبط بتوافر دخل يسمح بشراء كميات إضافية، إلى جانب وجود ظروف مناسبة لحفظها.
وأوضحت أن الأسرة التي تخصص معظم مواردها لتأمين الغذاء اليومي تصبح أقل قدرة على الاحتفاظ بمخزون منزلي يساعدها على مواجهة تقلبات الأسعار أو ارتفاع تكاليف بعض المنتجات خارج مواسمها.
ولا يعني انخفاض كميات المونة بالضرورة تراجع الاستهلاك الغذائي لدى جميع الأسر بالدرجة نفسها، لكنه يشير إلى تقلص الخيارات المتاحة، ولا سيما لدى العائلات محدودة الدخل التي تعتمد على التخزين الموسمي لتخفيف أعبائها.
وتؤكد هذه التحولات أن معالجة الصعوبات المرتبطة بالمونة تتجاوز مسألة أسعار الخضراوات والفواكه، وترتبط بتحسين القدرة الشرائية وتخفيف تكاليف المعيشة، بما يتيح للأسر تأمين احتياجاتها الحالية والتخطيط لاحتياجاتها المستقبلية.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تحاول العائلات السورية الحفاظ على تقاليد المونة من خلال تقليل الكميات وتعديل المكونات والتعاون في التحضير، بينما أصبحت القدرة على تخزين الغذاء لأشهر مقبلة مرتبطة بما يتبقى من الدخل بعد تغطية النفقات اليومية.