أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم /149/ لعام 2026، القاضي بتعيين الدكتور عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، وتسمية ستة أعضاء هم القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضية المستشارة إيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال.
ويضم التشكيل شخصيات لديها خبرات طويلة في القضاء النظامي، والعمل الأكاديمي، والقانون الدستوري والدولي، إلى جانب أسماء كان لها دور في صياغة الإعلان الدستوري، وأخرى شاركت في جهود إصلاح المنظومة القانونية.
كما يضم التشكيل قضاة انشقوا عن نظام الأسد المخلوع وعاد بعضهم لاحقاً إلى المؤسسة القضائية بعد سقوطه، ما يجعل التشكيلة تجمع بين الخبرة القضائية التقليدية والرؤية الأكاديمية والإصلاحية في أعلى هيئة للرقابة على دستورية القوانين في البلاد.
عصام خالد الخليف.. أكاديمي وقانوني يتولى رئاسة المحكمة
يتولى رئاسة المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام خالد الخليف، وهو قانوني وأكاديمي من مواليد منطقة الغاب في محافظة حماة عام 1981.
حصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 2005، قبل أن ينال درجة الماجستير في القانون الخاص من جامعة حلب عام 2013، عن رسالة حملت عنوان "عقد استخدام الجثة لأغراض التحصيل العلمي.. دراسة مقارنة"، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة إدلب عام 2023.
بدأ حياته العملية موظفاً في مديرية مالية حماة، حيث عمل مراقب دخل منذ عام 2010، قبل أن ينشق عن النظام في الأول من تشرين الأول عام 2013 وفي عام 2015 التحق بجامعة إدلب مدرساً في كلية الشريعة والحقوق.
وتدرج في عدة مناصب حيث تولى عدداً من المناصب الإدارية، شملت مدير مكتب العلاقات العامة في الجامعة، ثم أمين الجامعة، قبل أن يرأس اللجنة المركزية للقوانين فيها، وهي اللجنة المعنية بإعداد ومراجعة الأنظمة والتشريعات الداخلية للجامعة.
وركزت أبحاثه العلمية على القانون المقارن والفقه الإسلامي، ومن أبرزها دراسة "تحديد لحظة موت الإنسان.. دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني"، إضافة إلى بحث "لحظة الوفاة" المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والقانونية، وهي أبحاث تناولت الإشكاليات القانونية والطبية المتعلقة بإثبات الوفاة وآثارها القانونية.
خير الله غنوم.. قاضٍ مخضرم انشق عن النظام وعاد إلى القضاء
يعد القاضي المستشار خير الله نديم غنوم من أكثر أعضاء المحكمة خبرة في العمل القضائي، إذ أمضى سنوات طويلة في القضاء السوري، متنقلاً بين عدد من المواقع القضائية، وكان آخر منصب شغله قبل انشقاقه عن النظام مستشاراً في محكمة الاستئناف بمدينة حمص.
وبعد انشقاقه، ارتبط اسمه بتجربة القضاء في مناطق المعارضة، وشارك عام 2015 في إعلان تأسيس مجلس القيادة العليا لهيئة أركان الجيش السوري الحر، قبل أن يتولى عام 2018 رئاسة محكمة النقض التي شُكلت في محافظة حلب، في إطار المؤسسات القضائية التي أُنشئت آنذاك.
ومع سقوط نظام الأسد البائد وتحرير سوريا، عاد غنوم إلى المؤسسة القضائية الرسمية، حيث صدر قرار في آب 2025 بتعيينه مستشاراً في محكمة النقض بدمشق.
كما ظهر في نيسان 2026 خلال حفل تكريم القضاة المنشقين، وقال إن انشقاقه عن النظام كان "انحيازاً للحق"، معتبراً أن تكريم القضاة المنشقين يمثل اعترافاً معنوياً بتضحياتهم ومواقفهم خلال سنوات الثورة.
إسماعيل الخلفان.. متخصص في القانون الدولي وعضو في لجنة صياغة الإعلان الدستوري
ينتمي الدكتور إسماعيل حمادي الخلفان إلى الجيل الأكاديمي المتخصص في القانون الدولي، إذ حصل على درجة الدكتوراه في هذا الاختصاص من جامعة مونبلييه الفرنسية، وعمل عضواً في الهيئة التدريسية بكلية الحقوق في الجامعة الدولية للعلوم والنهضة بمدينة اعزاز.
وبعد سقوط نظام الأسد، تم تكليفه في كانون الأول 2024 بتسيير أعمال عمادة كلية الحقوق في جامعة حلب، قبل أن يتولى لاحقاً منصب العميد المكلف للكلية.
وبرز اسمه أيضاً بوصفه أحد أعضاء لجنة صياغة الإعلان الدستوري، التي أعدت الوثيقة الدستورية المؤقتة المنظمة للمرحلة الانتقالية، وأسهمت في وضع الأسس القانونية والدستورية لعمل مؤسسات الدولة خلال هذه المرحلة.
ريعان كحيلان.. خبيرة في القانون الدستوري
تمثل الدكتورة ريعان حسن كحيلان أحد أبرز الأسماء الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري داخل المحكمة الدستورية العليا، وتشغل منذ كانون الثاني 2025 منصب رئيسة قسم القانون العام في كلية الحقوق بجامعة دمشق، كما تعمل أستاذة في الجامعة الافتراضية السورية.
وحصلت على درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة دمشق، مع تخصص أكاديمي في القانون الدستوري من فرنسا، الأمر الذي منحها خبرة أكاديمية متخصصة في النظم الدستورية.
وبرز اسمها خلال العام الماضي كعضو في لجنة صياغة الإعلان الدستوري، وظهرت في عدد من اللقاءات الإعلامية لشرح مضامينه، مؤكدة أن الإعلان الدستوري كفل الحريات لجميع مكونات الشعب السوري، وألغى المحاكم الاستثنائية المرتبطة بحقبة النظام المخلوع، كما أوضحت أن المرحلة الانتقالية ستشهد إنشاء محكمة خاصة بالعدالة الانتقالية لمعالجة الانتهاكات السابقة وفق الأطر القانونية.
عارف الشعال.. محامٍ وخبير في إصلاح التشريعات
يعد المحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال من أكثر أعضاء المحكمة حضوراً في المجالين القانوني والإعلامي، تخرج في كلية الحقوق بجامعة دمشق، وعمل محامياً وخبيراً قانونياً، وشارك خلال السنوات الماضية في عدد من اللجان المكلفة بمراجعة وتعديل القوانين السورية، ضمن جهود تحديث المنظومة التشريعية.
وعُرف الشعال بمواقفه المعارضة لنظام الأسد البائد، كما نشر العديد من الدراسات والأبحاث القانونية، وشارك بصورة منتظمة في البرامج التلفزيونية المتخصصة بالشأن الدستوري والقضائي، مقدماً قراءات قانونية للتطورات التشريعية والدستورية.
محمد مصطفى سبيع وإيمان أنطوان نوري
وضمت التشكيلة كذلك القاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضية المستشارة إيمان أنطوان نوري، وكلاهما من أعضاء السلك القضائي، ويتمتعان بخبرة في العمل داخل المؤسسة القضائية، وفق ما ورد في المرسوم الرئاسي، في إطار تعزيز الحضور القضائي المهني ضمن تشكيل المحكمة الدستورية العليا.
تشكيلة تجمع بين الخبرة القضائية والإصلاح الدستوري
تعكس تركيبة المحكمة الدستورية العليا مزيجاً من الخبرات القضائية والأكاديمية والتشريعية، إذ تضم قضاة مارسوا العمل في المحاكم لعقود، وأساتذة جامعات متخصصين في القانون الدستوري والدولي، وشخصيات أسهمت في صياغة الإعلان الدستوري وإصلاح التشريعات، إلى جانب قضاة انشقوا عن النظام السابق وعادوا بعد سقوطه إلى المؤسسة القضائية.
ويشير هذا التنوع إلى توجه نحو بناء أعلى هيئة دستورية في البلاد بالاستناد إلى خبرات متنوعة، تجمع بين الممارسة القضائية والبحث الأكاديمي والإصلاح القانوني، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات الدستورية في سوريا.
استند المرسوم الرئاسي رقم /149/ لعام 2026 إلى أحكام الإعلان الدستوري، ولا سيما المادة (47)، التي نصت على حل المحكمة الدستورية العليا القائمة وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة، تتألف من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة، على أن تُنظَّم آلية عملها واختصاصاتها بقانون يصدر لاحقاً.
وإلى حين صدور هذا القانون، حدد المرسوم المهام التي ستتولاها المحكمة، وتشمل الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية، وإبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، إلى جانب تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب أي منهما.
كما نص المرسوم على أن يؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاؤها، قبل مباشرة مهامهم، اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، ونصها: "أقسم بالله العظيم أن أحترم الإعلان الدستوري، وأن أقوم بواجبي بأمانة وإخلاص."
وأشار المرسوم إلى أن النفقات المترتبة على تنفيذه تُصرف من موازنة المحكمة الدستورية العليا، على أن يُنشر ويُبلّغ إلى الجهات المعنية لتنفيذه.
ويأتي تشكيل المحكمة الدستورية العليا ضمن مسار استكمال بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية، إذ صدر بعد أقل من أسبوع على إعلان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، أسماء الثلث المكمّل لأعضاء مجلس الشعب الذين عيّنهم الرئيس أحمد الشرع، استناداً إلى الصلاحيات الدستورية الممنوحة له بموجب الإعلان الدستوري، في خطوة تعكس استمرار استكمال البنية الدستورية والمؤسساتية للدولة خلال المرحلة الانتقالية.