رأى خبراء اقتصاديون ومصرفيون أن قرار مصرف سوريا المركزي تمديد مهلة استبدال العملة الوطنية للمرة الثانية حتى 30 حزيران 2026، يحمل في جوهره مؤشرات واضحة على وجود اختناقات تنفيذية وتحديات تشغيلية ما زالت تعترض استكمال المشروع النقدي، رغم تأكيدات المصرف بأن العملية تسير بوتيرة جيدة وأن أكثر من نصف الكتلة النقدية القديمة باتت خارج التداول.
وحسب الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور فراس شعبو، فإن اللجوء إلى تمديد المهلة مجدداً يعني عملياً أن الخطة الزمنية الأصلية لم تُنفذ كما كان مرسوماً لها، نتيجة عقبات ظهرت على الأرض، سواء في نقص مراكز الاستبدال أو ضعف قدرة بعض الفروع على استيعاب الأعداد الكبيرة، فضلاً عن حالات رفض أو تباطؤ شهدتها بعض نقاط التنفيذ خلال المرحلة الأولى.
ويشير شعبو في حديثه لصحيفة الثورة إلى أن القرار يمنح المواطنين والمصارف متنفساً إضافياً لتخفيف الازدحام ومعالجة الاختناقات، لكنه في الوقت نفسه يعدّ مؤشراً ضمنياً إلى أن الجاهزية المصرفية لم تكن بالمستوى الكافي لتحقيق النسب المستهدفة ضمن المهلة الأولى.
أما المحلل الاقتصادي شادي سليمان فينظر إلى القرار من زاوية أكثر اتساعاً، معتبراً أن التمديد يوفر بعداً اقتصادياً واجتماعياً مهماً، لأنه يمنح شريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما في المناطق البعيدة وضعيفة الخدمات المصرفية، فرصة إضافية لإدخال أموالهم إلى القنوات الرسمية دون خسائر، ويساعد في تقليص الكتلة النقدية المكتنزة خارج الجهاز المصرفي، لكنه يحذر في المقابل من أن إطالة المدة قد تبقي الأسواق في حالة ترقب وتؤجل بعض القرارات المالية والتجارية.
وفي تقييم أكثر عمقاً، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن التمديد لا يعكس مجرد مشكلة إجرائية، بل يعبّر عن أزمة هيكلية في إدارة الكتلة النقدية نفسها، إذ إن استبدال الأوراق النقدية – من وجهة نظره – لا يكفي ما لم يترافق مع سياسة نقدية متكاملة قادرة على امتصاص الفائض النقدي، وتحويل الجهاز المصرفي من مجرد منفذ للاستبدال إلى مؤسسة تمويل واستثمار تعيد الثقة بالليرة.
القرار الثاني بالتمديد حتى نهاية حزيران
وجاءت هذه التقديرات بعد أن أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية تمديد فترة استبدال العملة لمدة 30 يوماً إضافياً تبدأ من 1 حزيران وتستمر حتى 30 حزيران 2026، وذلك بعد تمديد سابق كان قد منح العملية 60 يوماً إضافية اعتباراً من مطلع نيسان.
وبذلك تكون المهلة الإجمالية قد انتقلت من الإطار الأصلي المحدد في التعليمات التنفيذية للمرسوم التشريعي رقم 293 لعام 2025 – والتي نصت على 90 يوماً لعملية الاستبدال – إلى فترة ممتدة تمتد حتى نهاية النصف الأول من العام الجاري.
وأوضح أن القرار يهدف إلى منح المواطنين وقتاً كافياً لإتمام الاستبدال بسهولة ومرونة، مع استمرار التعايش بين العملة القديمة والجديدة حتى نهاية المهلة المحددة، على أن تبقى عمليات الاستبدال محصورة حصراً عبر فروع المصارف العاملة وتحت الضوابط الرسمية المعتمدة.
وتعود بداية المشروع النقدي إلى 24 كانون الأول 2025، حين أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم 293 القاضي بسحب الأوراق النقدية السورية القديمة من التداول واعتماد “الليرة السورية الجديدة” بديلاً رسمياً اعتباراً من 1 كانون الثاني 2026.
واعتمد المرسوم حذف ثلاثة أصفار من العملة، وفق معيار تحويل حدد أن كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة جديدة واحدة، مع طرح ست فئات نقدية جديدة، وبدء عملية سحب تدريجي للكتلة النقدية القديمة عبر المصارف ومراكز الاستبدال التي يشرف عليها مصرف سوريا المركزي.
وفي مطلع شباط، أعلن المصرف أن نسبة الاستبدال بلغت 35% من إجمالي الكتلة النقدية المستهدفة، مع سحب ما يزيد على 13 تريليون ليرة قديمة من أصل 42 تريليون ليرة كانت متداولة في السوق، بالتوازي مع بدء عمليات منظمة لإتلاف العملة القديمة تحت إشراف الجهاز المركزي للرقابة المالية، ضمن خطة تهدف إلى منع إعادة ضخها وتعزيز الثقة بالعملة الجديدة.
كما صرف المصرف كتلة الرواتب لشهر شباط كاملة بالليرة الجديدة بقيمة 45 مليار ليرة جديدة، لتسريع إدخالها في الدورة الاقتصادية وتوسيع نطاق التداول بها داخل الأسواق.
وفي أحدث تصريحاته، أكد حاكم المصرف عبد القادر حصرية أن تجربة استبدال العملة “ناجحة بكل المقاييس”، مشيراً إلى أن نسبة ما تم استبداله ارتفعت إلى 56% من الكتلة النقدية الإجمالية، أي ما يزيد على نصف الأوراق القديمة المطروحة في السوق.
وبيّن أن المصرف تمكن من استرداد هذه النسبة بوتيرة أسرع من المتوقع، معتبراً أن قرار التمديد لا يرتبط بتعثر العملية، بل برغبة في ضمان مزيد من السلاسة وإتاحة المجال أمام الشرائح التي لم تتمكن من الوصول إلى الفروع خلال الفترات الماضية.
وأضاف أن المركزي سيعزز العمل في المحافظات التي شهدت بطئاً نسبياً، مع افتتاح مراكز جديدة في الحسكة والرقة خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة تستهدف توسيع الشمول الجغرافي لعملية الاستبدال.
ورغم هذه التطمينات، فإن حصر تنفيذ الاستبدال عبر فروع المصارف أعاد تسليط الضوء على واقع البنية المصرفية السورية، التي لا تزال تعاني من محدودية الانتشار وضعف التجهيز، خصوصاً خارج المراكز الحضرية.
ويشير خبراء إلى أن أكثر من 80% من السوريين ما زالوا يعتمدون على الاقتصاد النقدي المباشر والتعامل بالكاش، مع ضعف واضح في الشمول المالي والحسابات البنكية، ما يجعل نقل هذه الكتلة الضخمة إلى القطاع المصرفي خلال فترة قصيرة تحدياً كبيراً.
كما أن استمرار شح العملة الجديدة في بعض المناطق، وعدم وصول الفئات بالكميات المطلوبة إلى جميع الفروع بالتساوي، خلقا تفاوتاً في سرعة التنفيذ بين محافظة وأخرى، الأمر الذي يفسر جزئياً الحاجة إلى تمديد إضافي.
وبحسب تقديرات شعبو، فإن النسبة الحالية للاستبدال – رغم تجاوزها النصف – تبقى دون المستوى الذي كان يفترض بلوغه في هذه المرحلة، حيث كان متوقعاً أن تتجاوز العملية 70% قبل الدخول في الربع الثاني من العام.
اقتصادياً، يمنح التمديد المركزي فرصة أوسع لاسترداد مزيد من الكتلة النقدية المكتنزة خارج الجهاز المصرفي، وهو ما يساعده على تحسين تتبع السيولة وضبط حركتها، كما يخفف الضغط عن المواطنين الذين أرجؤوا الاستبدال خوفاً من الازدحام أو ضعف الخدمات.
لكن في المقابل، يحذر محللون من أن إطالة فترة التعايش بين العملتين قد تبقي الأسواق في حالة انتظار، وتسمح ببعض الممارسات غير الرسمية المرتبطة بالمضاربة أو استغلال الفروقات في التداول، خصوصاً مع استمرار اعتماد جزء كبير من السوق على السيولة الورقية المباشرة.
كما أن نجاح الخطوة لا يرتبط فقط باستبدال 42 تريليون ليرة قديمة بأوراق جديدة، بل بقدرة المركزي على تحويل هذه العملية إلى مدخل لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتحفيز المواطنين على إبقاء أموالهم ضمن الدورة الرسمية، وهو التحدي الذي يصفه اقتصاديون بأنه الامتحان الحقيقي بعد انتهاء مهلة الاستبدال.
ومع دخول قرار التمديد الثاني حيز التنفيذ، تصبح الأسابيع الفاصلة حتى نهاية حزيران مرحلة حاسمة لاختبار قدرة مصرف سوريا المركزي على استكمال سحب ما تبقى من الكتلة النقدية القديمة، ورفع نسب الإنجاز في المحافظات الأبطأ، وضمان توافر العملة الجديدة دون اختناقات.
وفي حال نجح المركزي في توسيع المراكز، وتسريع الخدمة، ورفع الثقة الشعبية بالتعامل المصرفي، فإن المشروع النقدي سيكون قد تجاوز أكثر مراحله حساسية، أما إذا استمرت الاختناقات نفسها، فإن ملف استبدال العملة قد ينتقل من كونه إجراءً فنياً إلى اختبار أوسع لقدرة الجهاز المصرفي على مواكبة التحول الاقتصادي الذي تسعى الدولة السورية إلى تثبيته.