حجب مقابلة الرئيس "الشرع" على قناة "شمس": بين المهنية والمسؤولية… أم الانحياز والتحيز؟
في قرار أثار موجة من الجدل، أعلنت قناة «شمس» الكردية الناطقة بالعربية عدم بث مقابلة مسجّلة مع الرئيس أحمد الشرع، مؤكدة أن ذلك جاء بعد تقييم مهني لمحتوى اللقاء وتداعياته السياسية المحتملة.
وقد برّرت القناة هذا القرار بـ«الحرص على التهدئة وتفادي التصعيد»، بينما كشف مصدر أمني كردي عن تهديدات باستهداف مقرها إذا بُثّت المقابلة، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأبعاد هذا القرار وآثاره على الساحة الإعلامية والسياسية.
القرار، مهما كانت مبرراته، يطرح أكثر من سؤال حول دور الإعلام كمنصة للحوار وتبادل الأفكار، لا كأداة للتقييد والإقصاء، وقد جاءت تبريرات القناة – التي ربطت القرار بالحرص على التهدئة – في سياق يبدو فيه الإعلام شريكاً في عملية رقابية غير معلنة على خطاب الضيف، بدل أن يكون مساحة للسؤال والاجتهاد والمواجهة الفكرية.
من الملاحظ أن بعض المراقبين رأوا في المقابلة فرصة نادرة، ربما أولى من نوعها، أن يُعبّر الرئيس الشرع بصراحة عن رؤيته تجاه قضية الكرد والمسار السوري بشكل عام، بالنسبة لهم، لقدّم الرئيس من خلال قناة حديثة مثل «شمس» رسالة تؤكد إرادة السياسي في مخاطبة شريحة حضارية ولغوية وثقافية بعينها، وليس عبر المنابر التقليدية فقط، وهذا يضعنا أمام نقطة مهمة: الإعلام ليس ملكاً لمنبر معين، ولا يحتكر صدى خطاب طرف واحد، وإذا كان الرئيس الشرع يرى في «شمس» منبراً مناسباً، فإن ذلك لم يكن بلا دلالة أو حسابات سياسية.
مواجهات الماضي والآثار التي خلفتها ميليشيا «قسد» وانتهاكاتها في مناطق سورية عدّة قد أثارت مشاعر شديدة في الشارع الكردي والعربي على حدٍ سواء، وقد جاء حديث الرئيس الشرع في المقابلة – كما نقل بعض المحللين – بوصفه صوتاً ينطلق من جرح تاريخي وألم سياسي حقيقي، وليس مهماً ما إذا كان الخطاب ناعمًا أو قاسياً؛ المهم أنه محاولة لتقديم رؤية صريحة في لحظة مفصلية.
منع بث المقابلة يعكس، في جانب منه، نوعاً من الرقابة الذاتية أو الخارجية على الرسائل السياسية في الإعلام الكردي، ما يُبرز سؤالاً أخلاقياً ومهنياً: هل يكون دور قناة إعلامية هو فقط تسويق خطابات تروق لقاعدة جماهيرية معينة، أم أنها يجب أن تكون منصة للتنوّع والتعدد، حتى لو كان الخطاب المختلف يؤدي إلى توتر مؤقت في المشاعر؟
ولا يمكن تجاهل ما ذهب إليه البعض من أن قرار الحجب يصبّ في خانة الانحياز الإعلامي ويعكس قناعة قناة بدليل ما قد يثيره الحديث من ردود أفعال، وهو ما يجعل البعض يربط القرار بتوجهات أيديولوجية أكثر منه تبني موقف مهني مهني محايد، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل أصبحت بعض وسائل الإعلام جزءاً من البروباغندا التنظيمية أو المؤسسية، بدل أن تكون جسرًا للحوار والتفاهم؟
في المقابل، ليس من المقبول أن تُستخدم التهديدات الأمنية كذريعة لإسكات خطاب سياسي أو إعلامي؛ فالإعلام في أصله يجب أن يقف أمام التحديات، لا أن يتراجع أمامها، خصوصاً في بيئة انفجارات سياسية ومفارقات اجتماعية متعددة كما هو واقعنا السوري.
كان من الممكن أن تستفيد «شمس» من فرصة المقابلة ليس فقط لبث خطاب الرئيس الشرع، بل أيضاً لاستضافة وجهات نظر متناظرة أو مقابلة مقابلة مع ممثلين عن الطرف الآخر، ما يعيد تعريف الإعلام كمنبر للحوار العلمي والسياسي، لا مجرد منصة لإعادة إنتاج وجهات نظر أحادية.
الفشل في نقل هذا الخطاب أو منعه يعكس أيضاً مأزقاً في الخطاب الكردي ذاته، الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الانفتاح على الآخر، والاستماع إليه، بعيداً عن حمى الصراع التنظيمي والسياسي. فالحوار لا يبدأ إلا بالاستماع، والاستماع لا يحدث إلا عندما تُفتح منصات الإعلام أمام جميع الأصوات.
في المحصلة، القرار الإعلامي الأخير يكشف عن توتر في وظيفة الإعلام بين المهنية والمسؤولية الاجتماعية من جهة، والانحياز والتحيّز من جهة أخرى، ومن شأن هذا التوتر أن يعيد فتح النقاش حول دور الوسيلة الإعلامية في بيئة سياسية معقّدة كالسورية: هل هي مرآة تعكس الواقع بكل تناقضاته، أم أنها أداة لتصفية حسابات سياسية تحت غطاء مهني؟
القرار ليس محايداً؛ فهو يضع الإعلام في مفترق طرق: إما أن يظل محتكراً لخطاب معين، أو أن يكون فعلاً منصة للحوار المفتوح بين جميع الأطراف، وهو ما يحتاجه المجتمع السوري في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ.