حلب بلا "قسد": الدولة تُسقط أوراق المتاجرة بالكرد ... والرسالة: لا سيادة إلا لدمشق
مع الإعلان الرسمي عن إنهاء وجود ميليشيا "قسد" في مدينة حلب، وإتمام الجيش العربي السوري تمشيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تطوي المدينة صفحة دامية من التوتر الأمني والابتزاز السياسي، لطالما مثّلها وجود تلك الميليشيا المسلحة في قلب النسيج الحلبي.
طوال سنوات، لعبت "قسد" دوراً تخريبياً ممنهجاً في تقويض استقرار المدينة، متخذة من الأحياء ذات الغالبية الكردية واجهة "لحماية مدنية" مزعومة، لكنها في الحقيقة تحوّلت إلى غطاء لسلوكيات عسكرية متمردة، واستهداف متكرّر للمدنيين ولقوافل الإمداد والطرقات الرابطة بين أحياء المدينة.
الدم الكردي وسيلة ضغط... لا قضية
لا يمكن تجاهل أن "قسد" عمدت إلى استغلال المكوّن الكردي في حلب، واستخدمته كورقة سياسية تفاوضية لا أكثر، فتارةً تحتمي به لتبرير وجودها، وتارة أخرى تتركه يواجه ويلات المعارك والقصف نتيجة تعنّت قياداتها المرتبطة بأجندات خارجية، تتاجر بمعاناة المدنيين من أجل مكاسب ضيقة، في إطار مشروع انفصالي لا يمثل حتى غالبية الأكراد السوريين.
وعلى امتداد السنوات الماضية، لم يكن الأهالي في الشيخ مقصود والأشرفية بمنأى عن الاستهداف، بل كانوا ضحايا مباشرين لممارسات "قسد"، سواء عبر التجنيد الإجباري، أو منع مرور المواد الأساسية، أو من خلال عمليات التصفية الداخلية التي طالت المعارضين داخل المكوّن نفسه.
من سلاح الداخل إلى أوراق الخارج
اعتمدت "قسد" طوال وجودها في حلب على استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط دائمة على الدولة السورية، حيث ربطت انسحابها أو تهدئتها بمفاوضات سياسية أو عسكرية تجري على جبهات بعيدة شرقاً، وتحديداً في مناطق شرق الفرات، محاولة فرض شروط على دمشق بالتوازي مع الدعم الأميركي لها هناك.
لكن الجيش العربي السوري، وبهدوء محسوب، كان يُراكم المعطيات ويُمهّد لاستعادة السيادة، دون انزلاق إلى معارك عبثية، ومع تعثّر كل محاولات التسوية من جانب "قسد"، تم اتخاذ القرار بالحسم، فجاء التقدم السريع في الأشرفية والشيخ مقصود، لينهي الوجود العسكري للميليشيا، ويعيد السيادة والهدوء إلى أحياء عانت كثيراً تحت سطوة السلاح.
أهمية الحسم في حلب... والأنظار إلى شرق الفرات
إن إنهاء ملف "قسد" في حلب لا يُعد فقط نصراً عسكرياً، بل يحمل دلالة استراتيجية كبرى: الدولة السورية لن تقبل بأي وجود متمرد خارج مؤسساتها، في أي منطقة من البلاد، ومهما اختلفت الذرائع. كما أن استعادة حلب تعني تحرير العاصمة الاقتصادية من حالة اختناق أمني وسياسي دام لسنوات.
مع انتهاء هذا الملف، تتجه الأنظار اليوم إلى شرق الفرات، حيث تتمركز "قسد" بدعم أميركي مباشر، ويُنتظر أن تؤدي تجربة حلب إلى إحداث شرخ داخلي داخل الميليشيا، بين من يريد تسوية تحفظ ما تبقى من نفوذه، ومن لا يزال يراهن على الدعم الدولي كضمانة وهمية لمشروع لم يعد قابلاً للحياة.
أثبتت الدولة السورية مجدداً أن خيارها هو استعادة كل شبر من الجغرافيا الوطنية، بالحسم أو بالحوار، لكنها لن تقبل بوجود كيانات مسلّحة متماهية مع أجندات خارجية، وحلب اليوم، وهي تستعيد تنفّسها بلا "قسد"، ترسل رسالة إلى باقي المدن: زمن الفوضى انتهى، والسيادة لا تقبل الشراكة.