خسارة الرقة .. ضربة استراتيجية تهز مشروع "قسد" شرق الفرات
تشكل مدينة الرقة نقطة تحول مفصلية في مجريات الأحداث شرق الفرات، حيث تُمثل السيطرة عليها –سواء عسكرياً أو سياسياً– ورقة بالغة الأهمية في خضم الأحداث المشتعلة، لما لها من وزن جغرافي واقتصادي ورمزي، ومع تصاعد التحركات الشعبية والعسكرية المناهضة لـ"قسد"، تبرز أهمية هذه المدينة مجدداً، وسط مؤشرات متسارعة على اقتراب لحظة الحسم.
موقع استراتيجي يربط شرق الفرات بغربه
تقع الرقة في قلب الشمال الشرقي السوري، وتمتاز بموقعها الحيوي الذي يربط بين دير الزور شرقاً، والحسكة شمالاً، وحلب غرباً، ما يجعلها مركز عبور استراتيجي على ضفتي نهر الفرات، وقد شكّل هذا الموقع سبباً رئيسياً في التنافس للسيطرة عليها من قبل مختلف القوى، نظراً لما يمنحه من امتيازات في التحكم بخطوط الإمداد والتأثير على مناطق واسعة في الشمال السوري.
خسارة رمزية قاصمة لـ"قسد"
منذ إعلان تنظيم "داعش" المدينة عاصمة لخلافته المزعومة، ثم سيطرة "قسد" عليها بدعم غربي، أصبحت الرقة مقرّاً رمزياً لما يسمى "الإدارة الذاتية"، وبوابة دعائية لمشروع قسد السياسي، وبالتالي، فإن خسارتها اليوم، بعد سنوات من توظيفها كرمز للنفوذ، تمثل ضربة قاسية لما تبقى من سردية قسد، خاصة في ظل الانتفاضة الشعبية المتصاعدة ضد وجودها في المنطقة.
أهمية اقتصادية ومرافق استراتيجية
اقتصادياً، تمثل الرقة مركز ثقل في الزراعة وتوليد الطاقة، حيث تضم سد الفرات، أكبر منشأة مائية وكهربائية في البلاد، إلى جانب شبكة من المنشآت الخدمية والمرافق العامة، وقد استثمرت "قسد" هذه الموارد طيلة السنوات الماضية كمصدر تمويل وتحكّم بالسكان، ما يعني أن خسارتها للرقة سيفقدها أهم روافدها الاقتصادية والإدارية.
تداعيات عسكرية وأمنية
على الصعيد العسكري، تمثل الرقة بوابة لامتداد النفوذ غربي الفرات، وإحدى أهم نقاط تمركز قسد في مواجهة أي تحرك مضاد، ومع سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة وسد الفرات، واقترابه من مركز الرقة بالتوازي مع حراك العشائر داخل المدينة ضد "قسد"، تصبح المدينة في مهبّ معركة قد تغيّر خريطة السيطرة بشكل جذري، خاصة في ظل تزايد الانشقاقات داخل صفوف "قسد"، وتقدّم أبناء العشائر باتجاه مواقعها الحيوية.
نهاية مشروع... وبداية تحول
خسارة "قسد" للرقة تعني بشكل لايقبل الشك إسدال الستار على مشروع "الإدارة الذاتية" كمفهوم قائم في الشمال الشرقي، وتكريس واقع جديد قوامه انتفاضة شعبية موحّدة، ترفض مشاريع التفتيت والانفصال، وتتمسّك بعودة الدولة ومؤسساتها.
الرقة اليوم في خضم الاشتباكات داخل أحيائها، ووصول قوات الجيش السوري إلى مشارفها، تعكس مرآة التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوري، ورسالة واضحة بأن موازين القوى بدأت تتبدل، وأن المشروع الانفصالي فقد شرعيته الشعبية وبات على مشارف الانهيار.
وقلتها في مقال سابق، أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".
من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.