"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح
"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح
● مقالات رأي ٢٠ يناير ٢٠٢٦

"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح

في تطور سياسي هو الأبرز منذ سنوات، أعلنت واشنطن، وعلى لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، نهاية الدور الوظيفي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، باعتبارها ذراعاً ميدانية اعتمدت عليها الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش، جاء هذا الإعلان ليغلق فعلياً صفحة مشروع "قسد"، الذي سعى لفرض نموذج انفصالي بحماية أمريكية، دون أي شرعية دستورية أو قبول وطني.

منذ تأسيسها بدعم أمريكي، قُدّمت "قسد" كقوة محلية هدفها المعلن مكافحة الإرهاب، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى كيان سياسي وعسكري فرض نفسه بقوة السلاح على مناطق واسعة من شمال شرق سوريا، مستغلاً الفراغ الذي أوجدته الحرب، ورافعاً شعارات "الإدارة الذاتية" و"الفيدرالية" التي رفضها معظم السوريين.

اليوم، جاء التصريح الأمريكي العلني ليؤكد ما كان واضحاً منذ فترة: المشروع الانفصالي الذي تبنته "قسد" انتهى سياسياً وعسكرياً، بعد أن تحوّلت الدولة السورية من طرف مغيّب إلى شريك معترف به دولياً في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبدأت تستعيد حضورها الأمني والسياسي والدستوري.

أوضح باراك أن المرحلة الحالية تتيح للأكراد فرصة تاريخية للاندماج في الدولة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن الحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، باتت مؤهلة وقادرة على تولي الملف الأمني كاملاً، بما في ذلك إدارة سجون ومخيمات داعش، وهي المهام التي كانت تُستخدم سابقاً كمبرر لبقاء "قسد" والوجود الأمريكي.

هذا التصريح يُعبّر عن تحوّل في الاستراتيجية الأمريكية، التي لم تعد ترى فائدة من إدامة كيان موازٍ للدولة، خاصة بعد توقيع الاتفاق الأخير بين دمشق و"قسد" في 18 كانون الثاني، والذي يضع جدولاً زمنياً واضحاً لدمج القوات والمناصب والإدارات، ويسحب ورقة التمرد من يد قيادة قسد.

في لحظة سياسية فارقة، تُسقِط واشنطن عملياً أوراق دعمها السابقة لأي مشاريع حكم ذاتي أو فيدرالي في الشمال السوري، مؤكدة أن البديل الوحيد المقبول هو دولة سورية موحدة، تمنح حقوق المواطنة لجميع مكوناتها، بما في ذلك الأكراد، ضمن إطار وطني جامع.

وبينما شدد باراك على أن بلاده لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد، فقد أوضح أن دورها يقتصر الآن على ضمان الانتقال السلمي، ودعم الاندماج الكامل للأكراد داخل مؤسسات الدولة السورية، وتوفير الضمانات اللازمة لحقوقهم الثقافية والسياسية.

سقوط الغطاء الأمريكي عن "قسد" لا يعني فقط تخلّي واشنطن عن شريك ميداني، بل يعني نهاية مشروع حاول أن يفرض وجوده خارج إطار الدولة، بالاستقواء بالخارج ورفض التفاهم الوطني، وومع انتهاء هذا الدور، تجد "قسد" نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالاندماج الكامل في الدولة السورية وفق التفاهمات الموقعة، أو المغامرة بمصير مجهول يفتح أبواب الصدام والفوضى.

ما أعلنته واشنطن اليوم هو إعلان نهاية لمشروع سياسي وعسكري لم يُكتب له أن يستمر، والرسالة التي تُبعث من خلف هذا الإعلان واضحة: من لا يندمج في الدولة، لا مكان له في مستقبل سوريا، ومن يراهن على القوى الأجنبية لتحقيق طموحات سياسية ضيقة، سيجد نفسه وحيداً حين تتغيّر الحسابات الدولية.

بهذا الإعلان، تُطوى صفحة "قسد" كمشروع انفصالي، وتُفتح أمام الأكراد صفحة جديدة للانخراط في وطنهم، لا بوصفهم طرفاً على هامش الدولة، بل جزءاً أصيلاً من نسيجها الوطني والسياسي، كما أراد معظم أبناء سوريا.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ