مجلة بريطانية تعتبر أن مشروع روجافا افتقر منذ نشأته إلى مقومات الاستمرار
قدّمت مجلة سبكتاتور البريطانية ما تشهده سوريا في أسابيعها الأخيرة على أنه زلزال سياسي وعسكري، لكنها لم تتعامل معه كحدث طارئ أو معركة عابرة، بل كخاتمة لمسار طويل، إذ رأت أن اقتراب الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد نحو أربعة عشر شهرًا على إطاحة بشار الأسد من دمشق، من بسط السيطرة الكاملة لحكومته على المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، لا يعني فقط تمدد سلطة الدولة، بل يؤذن عمليًا بنهاية قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية، ونهاية الكيان شبه المستقل الذي عُر
واعتبر التقرير أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن لحظة نشوء هذا الكيان خلال سنوات الحرب السورية، حين استفادت قوات سوريا الديمقراطية من الفراغ السياسي والعسكري لتفرض أمرًا واقعًا، لكنها، بحسب المجلة، فعلت ذلك من دون أن تمتلك الأسس الجغرافية أو الديموغرافية أو السياسية التي تضمن لهذا المشروع الاستمرار على المدى البعيد.
حملة عسكرية سريعة تكشف هشاشة السيطرة
وأشارت المجلة إلى أن الجيش السوري نفذ خلال أيام قليلة حملة خاطفة وغير متوقعة، أطاحت بوجود قوات سوريا الديمقراطية في وادي الفرات، وحاصرتها داخل جيوب ذات غالبية كردية مثل مدينة كوباني، موضحة أن هذه القوات خسرت نحو ثمانين في المئة من مناطق سيطرتها خلال ثلاثة أيام فقط. ولفت التقرير إلى أن قوات سوريا الديمقراطية لم تعد تسيطر على مساحة متصلة، بل على ما يشبه أرخبيلًا من المناطق المتفرقة، في صورة اعتبرتها المجلة دليلاً إضافيًا على هشاشة الكيان الذي أُقيم خلال الحرب.
ورغم هذا التقدم السريع، لم يركز التقرير على تفاصيل المعارك بقدر ما طرح سؤالًا مفصليًا حول طبيعة النهاية، متسائلًا عمّا إذا كان تفكك قوات سوريا الديمقراطية ومشروع روجافا سيتم عبر اتفاق سياسي أم عبر مواجهة دموية، محذرًا من أن مستوى العداء المتراكم بين الطرفين يجعل احتمالات العنف قائمة ومخيفة.
تصادُم مشروعين لسوريا المستقبل
وربطت سبكتاتور ما جرى بالاختلاف الجوهري في الرؤى السياسية، إذ سعت قوات سوريا الديمقراطية، بحسب التقرير، إلى فرض نموذج إقليم كردي يتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن دولة اتحادية ضعيفة المركز، بينما أصرّ الرئيس أحمد الشرع في دمشق على إعادة بناء دولة سورية موحدة بسلطة مركزية قوية قادرة على فرض الاستقرار وقيادة إعادة الإعمار.
واعتبرت المجلة أن هذا التصور يحظى بتأييد شريحة واسعة من السوريين الذين يخشون أن يؤدي تفكك البلاد إلى مسار شبيه بليبيا بعد القذافي أو العراق بعد إسقاط صدام حسين، وهو ما جعل الصدام بين المشروعين، وفق التقرير، شبه حتمي مع مرور الوقت.
الرفض الشعبي لقسد
وتوقفت المجلة عند مسار المفاوضات الطويلة التي جرت بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، مشيرة إلى أن الرئيس الشرع أمضى قرابة عام في محاولات تفاوض انتهت إلى طريق مسدود. واعتبر التقرير أن قوات سوريا الديمقراطية ساهمت في هذا الانسداد، عبر منع الحكومة السورية من الوصول إلى مناطق شرق الفرات، وحرمانها من السيطرة على الحدود، فضلًا عن بسط نفوذها على محافظتي الرقة ودير الزور بما تضمانه من موارد زراعية وهيدروكربونية وسدود ومياه حيوية.
ورأت المجلة أن هذه السيطرة لم تكن تعبيرًا عن إرادة السكان المحليين، إذ أكدت أن سكان هذه المناطق ذات الغالبية العربية كانوا يرفضون وجود قوات سوريا الديمقراطية ويبدون عداءً واضحًا لمقاتليها، وهو ما يفسر، بحسب التقرير، انشقاق ميليشيات عشائرية عربية محلية ساعدت الجيش السوري على السيطرة السريعة على المنطقة. وأضاف التقرير أن القوات المنسحبة لجأت إلى تفجير الجسور على نهر الفرات وزرع الألغام في محاولة لإبطاء تقدم القوات الحكومية.
التاريخ في مواجهة فكرة روجافا
وانتقل التقرير إلى تفكيك الأساس التاريخي لمشروع روجافا، معتبرًا أن داخل قوات سوريا الديمقراطية تيارًا انفصاليًا يسعى إلى إقامة كيان كردي على الأراضي السورية ومستعدًا للقتال من أجله، لكنه شدد على أن هذه القوات لا تمثل جميع الأكراد. واستعادت المجلة في هذا السياق تاريخ الأكراد في سوريا والمنطقة، مذكّرة بأن صلاح الدين الأيوبي، الذي توفي في دمشق عام 1193، كان كرديًا، وبأن قلعة الحصن شُيّدت منذ عام 1142 على موقع كان يضم حامية كردية، في تأكيد على عمق التداخل التاريخي بين الأكراد وسوريا.
ووصف التقرير الأكراد بأنهم شعب جبلي يمتلك لغته وثقافته الخاصة وشارك تاريخيًا في جيوش متعددة، لكنه معروف أيضًا بانقساماته الداخلية، مشيرًا إلى أن انتشارهم الجغرافي يمتد عبر شرق تركيا وشمال العراق وغرب إيران، وليس محصورًا في رقعة واحدة متصلة.
الجغرافيا والديموغرافيا ضد حلم الكيان
وفي السياق السوري، قدّرت المجلة نسبة الأكراد بنحو عشرة في المئة من السكان، مؤكدة أن مناطق الغالبية الكردية غير متصلة جغرافيًا. وذكرت وجود حي كردي كبير في دمشق هو ركن الدين يعود إلى عهد صلاح الدين، رغم أن كثيرًا من سكانه اليوم لا يتحدثون سوى العربية.
وأوضح التقرير أن معظم أكراد سوريا المعاصرين هم من نسل لاجئين فرّوا من تركيا قبل نحو قرن بعد تمردهم على حكومة مصطفى كمال أتاتورك، واستقروا في سهول وادي الفرات حيث تنافسوا مع القبائل العربية على المراعي، ولم يصبحوا غالبية سكانية إلا على نطاق محلي محدود، كما تظهر خريطة فرنسية تعود لعام 1935. وخلصت المجلة إلى أنه لا توجد منطقة يمكن توصيفها بسوريا كردستان، وأن روجافا التي نشأت خلال الحرب ضمت عربًا ومكونات أخرى كالسريان والأرمن، ما أفقدها، بحسب التقرير، الأساس الديموغرافي الصلب.
وعود دمشق وكسر إرث البعث
وسرد التقرير السياسات التي اتبعها حزب البعث في عهد عائلة الأسد، والتي قمعت اللغة الكردية وحرمت كثيرين من الجنسية السورية، إلى جانب توطين العرب في مناطق ذات غالبية كردية. وأشار إلى أن الرئيس أحمد الشرع تعهّد بإنهاء هذه المرحلة، وسمح العام الماضي بالاحتفال بعيد النوروز في دمشق عام 2025، كما سمح برفع العلم الكردي في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة، قبل أن يقرر اعتبار النوروز عطلة رسمية ومنح اللغة الكردية صفة رسمية في مناطقها وتدريسها، مع الإشارة إلى احتمال دمج بعض وحدات قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري.
انعدام الثقة بين الشرع وقسد
ورأت سبكتاتور أن هذه الخطوات قد تفتح باب تسوية رابحة نظريًا، لكنها في الوقت نفسه تعني نهاية حلم روجافا، مشيرة إلى أن انهيار المفاوضات التي قادت إلى القتال ما يزال موضع خلاف حاد وانعدام ثقة متبادل. وأفاد التقرير بأن الأكراد يتهمون الحكومة بالسماح بخطاب كراهية في الإعلام، بينما يصوّر أنصار قوات سوريا الديمقراطية الرئيس الشرع على أنه جهادي لم يتغير، مستشهدين بما جرى في المناطق العلوية في آذار الماضي وفي محافظة السويداء خلال الصيف.
وفي المقابل، نقل التقرير عن تشارلز ليستر، مدير مبادرة سوريا في مركز الشرق الأوسط بواشنطن، قوله إن الشرع ووزارة الداخلية شجعا منذ ذلك الحين مشاركة محلية أوسع في الحكم، وهو ما أحدث تحولًا ملحوظًا في محيط اللاذقية التي شهدت الهجمات على العلويين، لتصبح من أكثر المناطق هدوءًا في سوريا، معتبرًا أن هذا النموذج قد يشكل سابقة يمكن تطبيقها في شمال شرق البلاد إذا جرى التوصل إلى اتفاق يجنّب المنطقة إراقة الدماء.
وختمت المجلة تقريرها بالتساؤل عمّا إذا كان الأكراد قادرين على الوثوق بأحمد الشرع رغم خلفيته الجهادية، مشيرة إلى أن التيار الإسلامي يضم في داخله تقليدًا ديمقراطيًا يعود إلى جمال الدين الأفغاني في أواخر القرن التاسع عشر، ومعربة عن أملها بأن يكون الشرع، في موقعه الجديد كرئيس لسوريا، ممثلًا لهذا التقليد، لا مجرد جهادي أعاد تقديم نفسه بلباس الدولة.