إضراب المعلمين في الشمال السوري: صرخة في وجه الإهمال والمعاناة
يواصل المعلمون في مدارس الشمال السوري إضرابهم عن التعليم، مؤكدين أنهم لن يتراجعوا حتى يتم إنصافهم من قبل الجهات المعنية التي سبق أن قدمت وعوداً متكررة خلال احتجاجات سابقة، إلا أنها لم تُترجم على أرض الواقع إلا في شكل دعوات للصبر والانتظار، وسط ظروف معيشية قاسية.
الإضراب كان بمثابة قرار حاسم اتخذه المعلمون بعد أن وجدوا أنفسهم مضطرين نتيجة المماطلة في تنفيذ وعود زيادة الرواتب من قبل وزارة التربية والتعليم، حتى مرّ عام كامل على تحرير البلاد دون أن تشهد أوضاعهم أي تحسن ملموس.
لم يتخل أولئك المعلمون عن مهنتهم النبيلة خلال سنوات الثورة وأدوا واجبهم تجاه أطفال بلادهم تحت وطأة القصف والنزوح المتكرر، رغم تعرضهم للفصل من قبل النظام البائد، واضطرارهم للعمل لفترات طويلة بشكل تطوعي دون أي مقابل.
وفي ظل هذه التحديات، كان المعلم يواصل أداء مهامه بساعات طويلة من الجهد والمثابرة، يقف على قدميه طوال الحصص، يشرح الدروس ويعيدها حتى يتم التأكد من وصول المعلومة، ويتنقل بين التلاميذ لضمان انتباههم ومتابعتهم، ولم يقتصر دوره على التعليم فحسب، بل شمل الجانب التربوي والأخلاقي ليكونوا أباً وأخاً وقدوة حسنة لطلابه.
ومع كل هذا الجهد، كثيراً ما يعاني المعلم من ضغوط نفسية ومالية وشخصية، ومع ذلك عند وصوله إلى الصف يرتدي القناع المبتسم ويباشر مهامه، فيطالبه المسؤولون عن متابعة عمله دائماً بالتحضير والإبداع والتطور، والالتزام بتعليمات الإدارة والمجمع والتربية، إلى جانب التعامل مع الطلاب بأفضل طريقة ممكنة.
ورغم كل تلك الجهود والالتزامات اليومية، ما إن يتطرق المعلم إلى راتبه الذي لا يكفيه لأسبوع واحد، وإلى الأعباء التي تثقل كاهله وتضاعف ضغوطه النفسية، حتى يُطلب منه الانتظار والتريث والتحلّي بالصبر والصمود.
لم يعد بإمكان المعلمين في ظل الواقع الاقتصادي المتردي الانتظار أكثر، خاصة بعد قيامهم بوقفات احتجاجية متكررة خلال الأشهر الماضية وتوجيه مناشدات للجهات المعنية، لم تثمر سوى عن وعود لم يتم تنفيذها حتى الٱن.
وبدلاً من تزويد المعلمين بمواعيد محددة لتحسين الرواتب أو إصدار قرارات رسمية تلتزم بتنفيذ تلك الوعود، صار المعلمون يتلقون تهديدات باحتساب أيام الإضراب كغياب عن الدوام الرسمي، وتحذيرات من إجراءات إدارية إذا تجاوز الإضراب ثلاثة أيام، إلى جانب تهديدات بالفصل والاستبدال، في مقابل أعباء وضغوط مستمرة لم تُراعَ حتى اليوم.
إضراب المعلمين اليوم يترجم كصرخة وجع لظروف قاسية لم يعد بالإمكان تحملها، خاصة بعد سنوات حافلة بالانتظار والخوف والفقدان والفقر، وقد حان الوقت لتكريم التضحيات التي قدمها المعلمون خلال سنوات الثورة، والاعتراف بحقوقهم المشروعة في بيئة عمل تليق بمستوى رسالتهم النبيلة.