مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
١٧ مارس ٢٠١٥
الفن التلفزيوني و ثقافته التعيسة

ترمَّلت الثقافة على يد الدراما التلفزيونية السورية، فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، قتلت الثرثرات الدرامية صورة الكاتب المثقف السوري، وهبطت رمزيته من أعين المجتمع، وتداعت قدرته على التأثير في المنتديات الفكرية الاجتماعية، وتحديداً الشبابية منها التي صارت تلتهم كل التفاهة من كثرة الفقر الفكري والثقافي الإبداعي، فخانت أغلب النصوص والسيناريوهات الدرامية الثقافة بمفهومها الشمولي، حين أعطت للكاتب، في عدة أعمال كارثية، شخصية المهزوز والسخيف والعاجز عن إدراك الواقع المحيط به. لم تنجح الدراما في رفع مستوى الثقافة في زواريبها الفنية، إلا عندما انتفضت مثل نيوتن، وكأن سحارة تفاح سقطت على رأسها، لتستعيد، بعد حين، في بعض أعمالها، شيئاً من التطور والرقي الثقافي الفني. والبخل الإبداعي ضاع عنها، حين قدمت لنا قيمة درامية من قلب المعاناة، وإيجاد فن يجسد ويحترم الثقافة من العدم، وراحت تفتح الأبواب الموصدة، لتدخل عليها نصوص معاصرة عميقة ودقيقة، في وصف الثقافة وصورها المتباينة.

في هدأةِ الليل، تُنظّم معظم النصوص الدرامية التلفزيونية في "مونديال رمضان الدرامي"، طبقاً لخلفيات سياسية، اقتصادية و اجتماعية كثيرة ومتعددة، فصار هناك شبه انعدام للثقافة في الدراما، ولتلك الظاهرة أسبابها السورية، وأهمها أن صناعة السيناريوهات الدرامية في سورية ظلت أسيرة رؤية أمنية واستخباراتية تابعة للدولة و الحكومة، ووفقاً لسياسات البعث الحزب الحاكم الأوحد في سورية، أصبح القلم الذي تُكتب به النصوص والحوارات الدرامية، مقيداً بضوابط و قوانين ضيقة جداً، و محدودة الآفاق، حتى جفّت كل الأفكار الجديدة والغنية التي من حقها أن تقوم بإسقاطات حقيقية على أرض الواقع، ولم يبق إلا القليل من قوالب الطوب الديمقراطي، لكي نبني قواعد و أسساً متينة و قوية للدراما السورية، فتغيرت البنية الدرامية السورية إلى بنية هشة، يغزوها صدأ الاستعراضات وبلادة الإبداع و جمود الأفكار التي تساعد على بناء الوجدان الثقافي في المجتمع السوري.

وبالحديث عن الدراما و حرية التعبير بشكلٍ عام، نذكر ما كتبه باتريك سيل عن دولة البعث: "في دولة الأسد، لم تعط فكرة حرية الفرد أي محتوى مادي، برغم الأجهزة و المؤسسات، فليس هناك قضاء مستقل استقلالاً حقيقياً، ولا حرية اتصال و تعبير"، ففي ظل الحكم المطلق، تموت كل الحريات و التطور في كل مجالات الحياة، ومنها الثقافة، كما كتب ياسر مرزوق، في مقال نشر في 13 يوليو/تموز 2014 "الدراما التلفزيونية السورية شكلت في السنوات السابقة المنبع المعرفي الأول و الموجه الأهم للرأي في المجتمع الذي تتراجع فيه منابع الثقافة الحقيقية". في المنظور العام، كانت الرقابة التي تتمحور حول الثالوث المحرم (الجنس، الدين، السياسة) طوال عهد الأسد الأب والابن، كانت كالأفعى السامة التي تقتل الإبداع في نفوس المبدعين في سورية، ولم يكن لسم الرقابة ترياق.

وعكة فنية تسمّى "دراما الخناجر والسكاكين" احتلت جسد الفن التلفزيوني، فصارت الدراما التلفزيونية السورية تخدم جمهوراً استهلاكياً، يبحث عن التسلية، أما التغيرات المتسارعة في المجتمع السوري فتنتظر من يلتفت إليها، ليطرح ما يستحق المعالجة.

كل هذه الأمور و المحاور الأساسية كانت كفيلة بقتل صور الثقافة لدى شريحة كبيرة من المجتمع السوري. لكن، في نهاية الأمر، يبقى التلفزيون وسيلة للترفيه عن الروح، و إن كنا نصدق قول بول فاليري "ليس الذئب سوى مجموعةٍ من الخراف المهضومة"، فإننا يجب أن ندرك أن الفن التلفزيوني لا يستحق كل هذه المكانة التي أخذها من يومياتنا، لكي نسمع حوارات مهترئة ومقيتة، لا تنفع و لا تغني. لكن، علينا أن نعلم أن هناك إبداعاً خُلِقَ من الألم والمعاناة، من الواجب احترامه وتقديره، أما الهراء الدرامي الذي نسمعه والكذب التلفزيوني الذي نشاهده سوف يذوب بذوبان الداعم الأساسي له.

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠١٥
هل جُنّ كيري؟

لا أفهم كيف يقول مسؤول في مكانة وزير الخارجية الأميركي إنه يمكن القبول بالأسد لأنه يحتاج إليه في محاربة تنظيم داعش!
تصريح جون كيري، هذا وحده يكفي لدفع ملايين الناس هنا إلى تأييد «داعش»، ولنفس السبب. فإن كانت حجة كيري أنه سيتعاون مع الأسد كرها في «داعش»، فإن ملايين السوريين بدورهم سيتعاونون مع «داعش» كرها في الأسد. ومبرراتهم أعظم من حجته. ربع مليون إنسان قتلهم نظام الأسد، بعون حلفائه من إيرانيين وحزب الله، ويستحيل أن يتصالحوا معه مهما كانت مبررات الأميركيين. فهل يظن وزير الخارجية الأميركي أن ملايين السوريين سيسكتون وينسون المذابح والتشريد الذي حل بهم، فقط لأن كيري قرر أن يتحالف مع شيطان ليقاتل شيطانا آخر؟
وسواء كان ما صدر عن كيري، وأثار غضب ملايين الناس، هو جزءا من محاولة «مساج» الإيرانيين، لإقناعهم بالقبول باتفاق نووي، أو أنها نصيحة مستشاريه الذين لا يعيرون اهتماما كبيرا لمأساة السوريين ومحنتهم، فإن ما قيل من أسوأ ما صدر عن كيري، على الرغم من كثرة زلاته الكلامية!
إحدى أهم ركائز مواجهة تنظيم داعش الإرهابي هو بنبذه محليا، بإقناع شعوب المنطقة بالعمل سوية لمحاربته، لأنه يمثل خطرا مشتركا على المسلمين وغيرهم. ومن دون تعاون دول المنطقة فلا أحد يستطيع الانتصار على الجماعات الإرهابية التي تجتذب المتطوعين، والمتبرعين، من رجال وأموال، مدعية أنها من تقف معهم ضد البغاة والطغاة! فكيف يمكن لحكومات المنطقة إقناع مواطنيها عندما يخرج وزير خارجية الولايات المتحدة نفسه معلنا عن تفاوضه وقبوله بأسوأ نظام عرفته المنطقة، ارتكب أعظم مما فعله نظاما صدام العراقي والقذافي الليبي؟
وإن كان هدف تصريحه أرضاء الإيرانيين، فإن على الحكومة الأميركية أن تفكر مرتين، لأن ذلك سيضر بكل ما بنته على مدى عقود طويلة، ويعرض مصالحها لخطر أكبر، ويهدد المنطقة، وهي في النهاية لن تحصل من الإيرانيين ونظام سوريا وحزب الله إلا على مزيد من المشكلات الإقليمية.
لقد فتح كيري أبواب جهنم على نفسه وبلده، في منطقة غاضبة، تشعر غالبية أهلها بأن حكومة أوباما سكتت عن جرائم إبادة يومية، استخدمت فيها أسلحة غاز وكيماوية محرمة، وفي نفس الوقت منعت تسليح المعارضة بأسلحة نوعية، والآن تريد مصالحة القتلة في وضح النهار!

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠١٥
جنرالان في المشرق وبينهما سيّد

 قيل مرّة: «لكلّ زمان دولة ورجال»، كما قيل: «لكلّ مقام مقال»، وفي سورة آل عمران «وتلك الأيّام نداولها بين الناس». وبمعنى مشابه اشتُهر بيت أبي البقاء الرنديّ في مرثيّته الأندلسيّة:

«هي الأمور كما شاهدتها دولٌ

من سرّه زمن ساءته أزمان»

وهناك، من غير شكّ، «حِكم» كثيرة، ربّما احتوتها اللغات جميعاً، عن تقلّب العهود والأزمنة، وعن أنّ ما كان صالحاً في ظرفٍ معيّن كفّ عن الصلاح في ظرف آخر.

وقد لمس بعض أهل المشرق العربيّ هذا التقلّب من خلال وجوه اضطلعت، في الماضي القريب، بأدوار كبرى. فالجنرال رستم غزالي مثلاً ظلّ رجل لبنان الفعليّ الأوّل حتّى رحيله في 2005، وارثاً المجد الذي خلّفه غازي كنعان، ثمّ مُحمَّلاً، لدى مغادرته، بتكريم مزدوج، ماديّ ومعنويّ: ثروة طائلة وبندقيّة المقاومة.

حينذاك، مع انسحاب غزالي وقوّاته من لبنان، بات السيّد حسن نصرالله مدعوّاً لملء الفراغ الذي أحدثه الانسحاب. ثمّ جاءت حرب 2006 مع إسرائيل وبعدها غزوة 2008 لبيروت لتجعلا نصرالله أكثر لبنانيّ محبوب وأكثر لبنانيّ مكروه في آن. ولئن انسحب السنّة تباعاً من دائرة الترويج لكاريزما نصرالله، فقد مضى المركز الشيعيّ وأطرافه «الممانعة»، في تكريس كاريزماه المزدوجة المصدر: فهو رجل دين تقليديّ من جهة، وهو رجل ثوريّ من جهة أخرى.

لكنّ غزالي لم يغب طويلاً عن الأنظار حتّى أعادته الثورة السوريّة إلى قلب المشهد. ذاك أنّ المذكور صار واحداً من جزّاري الشعب السوريّ، وبسبب انتمائه إلى الطائفة السنّيّة، مثله مثل قلّة من القادة الأمنيّين يتصدّرهم علي المملوك، بات مطلوباً تظهير دوره الذي يموّه اللون الطائفيّ لنظام الأسد.

بيد أنّ غزالي ومن يشبهونه، علويّين كانوا أم سنّة، افتقروا إلى القوّة المطلوبة لإنجاز المهمّة، وإن لم يفتقروا إلى القسوة في محاولتهم إنجازها. هكذا كان لا بدّ من تصدير نصرالله إلى سوريّة عبر مقاتلي «حزب الله»، في حركة معاكسة، إنّما مكمّلة، لتصدير غزالي وقوّاته إلى لبنان.

لكنْ بينما ألمّ بغزالي حادث غامض يُرجّح أنّه أنزله المستشفى، صعد نجم جنرال آخر يخطّط ويبادر ويقود، في سوريّة كما في العراق. إنّه ضابط «الحرس الثوريّ» الإيرانيّ قاسم سليماني. والانتقال من نجوميّة غزالي الصغرى إلى نجوميّة سليماني الكبرى يحظى بدلالات لا تخطئها العين: فقد حلّ الجنرال الإيرانيّ حلولاً كاملاً محلّ جنرالات سوريّة والعراق كلّهم، لا محلّ هذا الجنرال وحده، فيما صارت ضرورات الحسم العسكريّ في البلدين أكبر كثيراً من كماليّات التمويه بغزالي وأمثاله أو بعشائر سنّيّة في بلاد الرافدين.

على أنّ غزالي وزملاءه لم يكونوا الوحيدين الذين تجاوزهم سليماني. فالأخير، في لعبة النجوميّة الشيعيّة، بزّ نصرالله نفسه. ذاك أنّ فداحة المرحلة باتت تتطلّب الجيوش، لا المقاتلين، والغزو، لا المقاومة، فيما أهل الإمبراطوريّة هم الذين يرفعون أعلامها على التلال بدل موظّفيهم العاملين في الأطراف. وأخيراً، لم يعد، وقد جدّ الجدّ، ما يستدعي إخفاء الوجه الإيرانيّ بأصابع عربية. وإذ يتبختر سليماني اليوم في صور تتناقلها الصحف، وتتعدّد فيها ضحكاته ولُغاته الجسمانيّة، على ما هي عادة النجوم، فإنّ نصرالله يَضمر و»يحاور» «تيّار المستقبل» اللبنانيّ.

لكنّ سليماني، الجنرال، إنّما ينفّذ تكتيكاً حربيّاً شهيراً، هو نسف الجسر مباشرةً بعد عبوره. وأمّا ما ينسفه فكلّ ما يعبره جيشه في منطقة المشرق. إلاّ أنّ الجسر جيئةٌ آمنة ورجوعٌ ينبغي أن يكون آمناً أيضاً. وهذا مشكوك فيه!

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠١٥
واشنطن تختار الأسد

ليست تصريحات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بضرورة التفاوض مع بشار الأسد مفاجئة، فقد اختارت واشنطن، من حيث المبدأ، "الاستقرار"، خصوصاً بعد فشل فصائل المعارضة السورية التي عرضت نفسها بديلاً، يحافظ على استقرار المصالح الأميركية، فشلاً سياسياً وعسكرياً.

منذ بدأت الثورة، كانت هناك أسس للسياسة الأميركية، أولها أن واشنطن لم تكن لتسمح بقيام نظام تحرري حقيقي، ودولة مدنية تعددية، تؤسس ولو الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية في سورية. وثانيها أن واشنطن سعت إلى أن تكون الطرف الأهم في تقرير شكل التغيير في سورية، بحيث لا يؤثر على مصلحتها أو مصلحة إسرائيل.

صحيح أن واشنطن رأت في الثورة فرصة لإعادة تشكيل سورية، ليس استجابة لمطالب الشعب السوري، بل لإقامة نظام بعيد عن شعارات المقاومة، بغية فك ارتباط الدولة السورية بكل من إيران وحركات المقاومة من حماس والجهاد الإسلامي إلى حزب الله، لكنها فشلت في تشكيل بديل "معتدل"، يضمن عدم تحويل سورية إلى معبر للهجمات المسلحة مستقبلاً على إسرائيل.

أميركا وكما دائماً، قامت بلعبتها المزدوجة، بتسهيل دخول تنظيمات "إسلامية"، ودعم لها غير مباشر من خلال حلفائها، بغية إحداث واقع يجعل من الثورة حالة إرهابية، تبرر التدخل الأميركي، وبغية إيجاد فصائل تسميها معتدلة، تحت شعار مكافحة "الإرهاب".

أصبحت السياسة الأميركية تجاه سورية أكثر وضوحاً في محادثات جنيف 1 عام 2012، حيث تطالب بتنحية الأسد، لكنها رفعت شعار مكافحة الإرهاب في سورية، بالتفاهم الضمني مع سورية، إيذانا ببدء تشكيل البديل "المعتدل" سياسيا وعسكريا، في خطوة أقرب إلى نظام الصحوات في العراق، وإن كانت تهيئة البدائل، وليست فقط لضرب المقاومة، كما في بلاد ما بين النهرين.

بالنسبة لروسيا والنظام السوري، فإن مكافحة الإرهاب كانت تجريما للثورة نفسها، وتدعيما لشرعية لنظام الأسد، خصوصاً عربيا، مستغلة تخوف الشعوب والأنظمة معا من التنظيمات المتطرفة. وبالنسبة لواشنطن، كان ذلك يعني بديلاً لا استقلالية له، يؤيد سياسات واشنطن في المنطقة وينفذها.

هنا، يجب التذكير بأن النظام السوري لم يكن يوماً بعيداً عن سياسات واشنطن في مفاصل عدة، خصوصاً وليس حصريا في سنوات ما قبل الثورة، فالنظام تواطأ في ما يسمى الحرب على الإرهاب، بما في ذلك تعذيب "مشبوهين"، أشهرهم خالد عرار الذي نقلته كندا سراً إلى دمشق، حتى يخضع "للتحقيق" في أقبية الزنازين السورية.

وكان النظام قد بدأ تنفيذ سياسة اللبرلة الاقتصادية منذ عام 2005، وهو مطلب أساسي لواشنطن، وتبع ذلك رفع للأسعار وتدهور وضع المزارعين، ما كان أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الانتفاضة في الأطراف وفي ريف دمشق، ومؤشراً على محاولة النظام التفاهم مع أميركا.

ولعب جون كيري الذي كان في تلك السنوات عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي الدور الرئيسي في الوصول إلى تفاهمات مع بشار الأسد، إلى أن بدأت الثورة السورية، ورأت فيها واشنطن فرصة بديلة، لإيجاد قيادة تفك الارتباط مع إيران. وها هو كيري يعود إلى دوره القديم، ويوجه صفعة إلى أطراف المعارضة التي تخلت عن دورها التمثيلي لطموحات الشعب السوري، طمعاً بالنفوذ الشخصي أو السلطة، متجاهلة أن واشنطن تنشد أدوات ومصالح وليس حلفاء، خصوصاً بعد هزيمة حركة "حزم" أمام جبهة النصرة وقرب وصول تفاهم مع إيران.

ويعتمد التغير في السياسة الأميركية على نجاح التفاهم مع إيران، فلا سياسة ثابتة، وهو درس يجب أن تتعلمه المعارضات والأنظمة التي تنسى الشعوب وتتذلل لواشنطن.

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠١٥
إن كان كذلك .. فـ"سأبايع البغدادي" !؟

سأسلم جدلاً بأن إيجاد تنظيم الدولة "داعش" هو لوضع الشعب و العالم أجمع أمام خيارين لا ثالث لهما ، (إما داعش أو الأسد ) و إما ( الإرهاب السني المشتت أو الإرهاب الشيعي المنضبط) و أما ( وأد الجميع أو مجرد القضاء على السنّة) و إما .. و إما .. و إما ...

و مع هذا التسليم الحالي بدأت الأمور تتجه و تأخذ منحى كما أريد له ، فتحولنا بسرعة رهيبة للتدقيق في أصغر التفاصيل ( رجم هنا ، و ذبحٌ هناك ، حرقٌ و رميٌ و جلدٌ و ... و ...) و لم يُعد لأي شيء غير هذا موجود على الأرض اللهم إن ظهرت هنا أو هناك استخدام زائد للقوة بصواريخ غريبة أو مجرد وجود الكلور داخل قنابل ، تقض المضجع قليلاً و سرعان ما تعود الأنظار بسرعة البرق إلى "داعش" فهي الإرهاب بعينه .

نعم هذا الإرهاب الذي يبدو أنه يأتي باُكله مع الحملة الإعلامية المنتظمة و التصرفات الغريبة و الغير مدروسة و الالتفات إلى جوانب لا تتفق أبداً مع أي سياسة بشرية فكيف بسياسية شرعية لدين أراد الله منه أن يكون رحمة للعالمين على مر الزمان و العصور و تبدل الأشخاص و الأماكن.

داعش لديها 20 ألف مقاتل من مختلف أصقاع الأرض ، أرقام دقيقة و محددة و أسماء و تحليلات و تفاصيل تتضمن ما ممكن أن يفكر به الانسان خلال العشر سنوات القادمة .. وهل سيكون متطرفاً أم سيبقى وديعاً.

في المقابل يستخدم الأسد و إن صح التعبير يتم استخدام الأسد و نظامه كمطية لتوافد عشرات الآلاف من المقاتلين من كل أصقاع الأرض بشكل منظم و دراماتيكي و يحظى بمظلة متينة تبع أي ولوج لشعاع نور قد يزعجه أو يربك استجمامه في القتل .

و بالعودة إلى التسليم الجدلي في البداية "داعش أو الأسد" .. فإن كان هو المطلوب و الخيار قد تم حسمه و قد تم توجيه و ترجيح كفة الثاني "الأسد" .. لم لا نقول أن اخترنا الأول "داعش" لا الدولة الإسلامية .. و نقوم بمبايعة الخليفة البغدادي كـ ولي أمر المسلمين و ولي أمرنا ضمن القائمة .. و لم لا نصدح بذلك .. فهل سيتم مناصرتنا أو كف يد نظام الأسد و إنهائه بنفس الوسيلة التي يتم التعامل فيها مع داعش ...

و لو اخترنا لأسد "كفرض طبعاً" هل سنتقي شره و تنتهي القصة .. أم سنكون قد وقعنا على صك موتنا و نحن بكامل قوانا العقلية..

لا شك أن الهلوسات التي تم اقتيادنا إليها هي وقتة أو لحظية تمر لنعود لرشدنا و نقول لا لهذا او لذلك .. ففي كل الأحوال الموت متوافرو بكثرة و كثافة .. و لكن هناك فرق بين الموت بعزة و كرامة .. و الموت لأجل لا شيء سوى الراحة الوقتية ..

و أذكر حديث سمعته قبل أيام .. مفاده:

هل أعجبكم ما فعلتموه في سوريا و أين نتائجكم ..!؟ "تباً لكم " ..

 فكان الرد :

"أتقبل (تباً لنا) منك الآن و لكن لن أقبلها من أولادي و أحفادي في المستقبل بأن تباً لكم لماذا سكتم ".

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠١٥
سرمين .. تتحدى العالم القذر

الأمر لا يحتاج إلى رد سياسي أو كلام تنديد من هنا و هناك، بأن الأسد لم و لن يكون طرفاً في أي حل للأوضاع في سوريا ، فإجرامه المتتالي يكفي كرد فعل على ، قذارة السياسية الأمريكية التي تتحمل كامل المسؤولية عن ما جرى و يجري في سوريا.

48 ساعة فقط تفصل بين تصريح كيري حول ضرورة التفاوض مع الأسد و استخدام غاز الكلور على أهلنا في سرمين ، عشرة أيام تفصل بين قرار مجلس الأمن حول منع استخدام غاز الكلور و الضرب بقوة البند السابع ، و بين خنق سرمين بغاز الكلور.

الأسد بات يمتحن و يتحدى العالم بأسره و يضعه أمام خيار إمام أنا أو أحرقكم جميعاً .. أحرق إنسانيتكم .. أخنق البشرية ، مردداً " أنا القاتل المتفلت من أي عقاب مهما حدث" .

من السذاجة أن نطالب برد فعل دولي ، و لكن من وقاحة العالم أجمع أن يطالب أو يصمت أو يكتفي بمجرد الكلام عن قتلتنا بكل الوسائل ، و الخنق ليس الوسيلة الوحيدة ولا الأخيرة.

من الوقاحة أن نكون سلعة سياسية بأيدي سياسة المصالح و قذارة المفاوضات ، ورجس المبادلات الدنيئة .

مشهد سرمين ، سيمر كما مر مشهد الغوطة قبل عام و نيف ، كما تمر المشاهد اليومية من القتل ببرميل أو بقذائف أو بصواريخ لا إحصاء لأنواعها.

و على ما أظن أن الثوار سيكونون في قفص الاتهام هذه المرة ، و الدليل حاضر ، استخدموا الكلور مرة ثانية ، كوسيلة ضغط على النظام الوديع ..!؟

نعم فالثوار يملكون ما هب و دب من الأسلحة و أهمها الجوية ، و لديهم سوابق في تصنيع وسائل القتل و براء اختراع في انتاج الأعنف و الأكثر قتلاً.

نعم إنهم الثوار و البند السابع سيضربهم بشدة غير متناهية ، فالأسد لا يعاقب فهو " ضروري للتفاوض" وهو ضروري " لمكافحة الإرهاب " و هو ضروري " لمباحثات النووي الإيراني" و هو ضروري "لتدمير ما تبقى من سوريا" و هو ضروري " لأمن إسرائيل " و هو ضروري للحفاظ على " كراسي الحكام العرب" ، فهو ضروري " لحماية الأقليات و إبادة الأكثرية" و هو ضروري "لإستمرار داعش" و ركن أساسي في تأمين الساحة لصراع المصالح العالمية.

و يبقى في عالم المصالح الذي يحكم السياسة الإنسان آخر الأولويات .. و سيما إن كان من أكثرية عددية لا فاعلية لها إلا بنباح هنا أو هناك ، و قد يمتد الأمر لبعض اللف و الدوران كتكتيك بحسب ما يُأتمرون به.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
رئيسة «أطباء بلا حدود»: فشل إنساني ومأساة وحشية

يدخل النزاع السوري عامه الخامس، فيما تستمر أعمال العنف الوحشية التي لا تميز بين مدنيين ومقاتلين وتعرض آلاف الأطباء والممرضين والصيادلة والمسعفين إلى أعمال قتل وخطف وتهجير قسريّ، تاركين خلفهم فجوةً كبيرةً، إذ لم يبق مثلاً سوى أقل من مئة طبيب في حلب (شمال) بعدما كان عددهم ٢٥٠٠ عند بدء النزاع.

تملأ صرخات الشعب السوري صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها على ما يبدو أضحت دمدمةً لا تُسمع خلف أصوات الحرب. ونظراً لحاجة الملايين من السوريين إلى المساعدات، كان ينبغي على منظمتنا إدارة أحد أكبر البرامج الطبية في تاريخها الذي يمتد 44 عاماً. لماذا لم تقم بذلك؟

حين بدأ النزاع، شرعت المنظمة بتوفير الإمدادات الطبية للشبكات الطبية السورية التي تعنى بعلاج الجرحى. لم نستطع الحصول على موافقة الحكومة، لكننا تمكنا بفضل المفاوضات المباشرة مع الجماعات المعارضة من الاتفاق معها وبدأنا بتوفير المساعدات المباشرة عبر الحدود للســكان القاطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها في الشمال.

وبحلول 2013، كنا ندير ستة مستشفيات تخدم سكان مناطق سيطرة المعارضة وقدمنا آلاف الاستشارات والولادات والعمليات الجراحية. وسمحت لنا مفاوضاتنا مع الجماعات المعارضة على رغم مصاعبها بإرسال فرق طبية دولية للعمل إلى جانب زملائهم السوريين. وكان علينا أن نعيد التفاوض مع القيادات المحلية المختلفة لنضمن احترام وجودنا وسلامة فرقنا وعدم التدخل في أنشطتنا الطبية. فكانت الجماعات تتغير مراراً وكنا نتفاوض مع قيادات من «جيش المجاهدين» و «الجبهة الإسلامية» و «جبهة النصرة» والعديد من فصائل «الجيش الحر»، إضافةً إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وغيرها.

لكننا لم نتمكن أبداً من توفير المساعدات المباشرة إلى معظم السكان العالقين في قلب النزاع. وشكل العنف وغياب الأمن والهجمات التي طاولت المرافق الصحية والعاملين الطبيين وعدم الحصول على موافقات حكومية، بعضاً من العوائق الرئيسية أمامنا، لكن على رغم القيود المفروضة، قمنا بعمل أكبر بكثير مما يمكننا القيام به اليوم.

في منتصف 2013 عندما وصل مقاتلو «الدولة الإسلامية» إلى المنطقة التي كانت تدير فيها منظمتنا معظم المستشفيات، تم التوصل إلى اتفاقيات مع قياداتها تنص على عدم التدخل في الإدارة الطبية واحترام مرافق وأطقم المنظمة. لكن في 2 كانون الثاني (يناير) 2014، قام تنظيم «الدولة» باختطاف 13 من أفراد طاقمنا. أُطلق سراح الزملاء السوريين الثمانية بعد بضع ساعات، وبقي أفراد الطاقم الدولي الخمسة في الأسر قرابة خمسة أشهر. أدى هذا الاختطاف إلى سحب فرقنا الدولية وإغلاق مرافقنا الصحية في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.

طلب القادة المحليون في تنظيم «الدولة» مراراً استئناف المساعدات الطبية في مناطقهم. لكن لا يسعنا التفكير في ذلك بعد أن استهدفوا فرقنا ونكثوا بالاتفاقية. لم نحصل بعد على الضمانات المطلوبة من القيادة بعدم خطف وإيذاء مرضى المنظمة والعاملين معها. ولا تزال منظمة «أطباء بلا حدود» تدير ثلاثة مستشفيات عبر طاقم سوريّ يعمل مع المنظمة، أحدها في أطمة (شمال سورية وقرب حدود تركيا) واثنان في حلب، إضافةً إلى ثلاثة مرافق صحية أخرى في الشمال السوري، إلا أن المساعدات محدودة. وقتلت الغارات الجوية في حلب وأصابت الآلاف كما دمرت المنازل والبنى التحتية. وفي غرب حلب، أضحى الوصول إلى الرعاية الصحية شبه مستحيل نظراً إلى شح الإمدادات وغياب الطاقم الطبي المؤهل. وشهدت فرق المنظمة تزايد المضاعفات الطبية، كالإجهاض والولادات المبكرة. وتؤدي صعوبة توفير رعاية ما بعد الجراحة ونقص المضادات الحيوية إلى الالتهابات وزيادة معدل الوفيات.

أُجبرنا على تقليص أنشطتنا لكننا تابعنا دعم الشبكات الطبية السورية في سعيها الحثيث لعلاج المرضى. ويعد التبرع بالأدوية والمواد الطبية أساسياً بالنسبة إلى الطواقم العاملة في المناطق المحاصرة. يجري إيصال الإمدادات الطبية عبر طرقات خطرة تمرّ على العديد من نقاط التفتيش وترتفع فيها مخاطر تعرض المواد للمصادرة والأشخاص للاعتقال والموت. ولا يلبي الدعم بشكله هذا الحاجات، فالعديد من المنشآت لا تزال تفتقر إلى المعدات والعاملين، ولا يسعنا توفير المساعدات المباشرة لسدّ هذه الاحتياجات.

ثمة حاجة ماسة في سورية إلى بذل جهود إنسانية دولية على مستوى واسع، إلا أن ذلك لن ينجح إلا إن دخلت أطراف النزاع كافة في حوار مع المنظمات الإنسانية لتحديد خطوات عملية للسماح لها بالعمل بصورة فاعلة وآمنة. ويتوجب على أطراف النزاع المسلحة كافة السماح بوصول المساعدات الإنسانية للمدنيين وذلك في إطار التزاماتهم تجاه القانون الدولي.

يعيش الشعب السوري معاناة لا يمكن تصورها منذ أربعة أعوام، ولن يؤدي استمرار إعاقة المساعدات الطبية إلا إلى مفاقمة هذه المأساة وحرمان المدنيين من أبسط المساعدات، ولا يمكن العالم الاستمرار في غضّ الطرف عما يجري. يمكننا بل ويجب علينا أن نفعل المزيد من أجلهم.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
أربعة أعوام على ثورة السوريين

منذ البداية تم توصيف الثورة السورية بالثورة المستحيلة واليتيمة والمدهشة، وأنها الأكثر تعقيدا وكلفة، بين مجمل ثورات “الربيع العربي”، فوق ذلك عرفت بأنها بمثابة ثورة مفتاحية، أي أنها وحدها يمكن أن تفتح مسار التغيير السياسي والديمقراطي في المشرق العربي، ما يفسّر، تالياً، حجم التدخلات الخارجية المتباينة فيها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

أربعة أعوام مرت عانى فيها السوريون عذابات لم تكن تخطر على بال، وشهدوا فيها الأهوال، مع مئات ألوف الضحايا من الشهداء والجرحى والمعاقين والمعتقلين، وفوق ذلك ملايين المشردين والنازحين.

المعنى من ذلك أن كل ما جرى في سوريا يؤكد أن ثورة السوريين، فوق كل ما تقدم، هي الأكثر استحقاقاً وشرعية بين مختلف الثورات العربية، فنحن لسنا إزاء نظام تأسس على الاستبداد والفساد، وتحويل البلد إلى مزرعة خاصة، وإنما نحن إزاء نظام أثبت أنه لا يمت بصلة لشعبه، وكأنه بمثابة أكثر من سلطة احتلال، وإزاء نظام فتح البلد على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني، والميليشيات المسلحة المحسوبة عليه.

واضح أن هذه الثورة لم تنجح، وأنها بعد أربعة أعوام من التضحيات والبطولات لم تستطع أن تفرض سيطرتها أو وجودها، حتى في المناطق التي باتت خارجة عن سيطرة النظام، وأن قوى الثورة والمعارضة، سواء السياسية أو العسكرية أو المدنية، لم تستطع أن تؤكد ذاتها، إزاء السوريين وإزاء العالم، بسبب الصعوبات والتعقيدات والتدخلات الخارجية، وأيضا بسبب قصور تكوينها من الناحية التاريخية والتأسيسية. بيْدَ أن النظام، في المقابل، لم يعد كما هو عليه، أيضا، إذ انكشف أمام السوريين، وعلى الصعيدين العربي والدولي، وبات يعيش في عزلة، لا تخفف منها سوى علاقته الوظيفية بكل من إيران وروسيا، والأهم أنه لم يعد يسيطر على مجريات الأمور في سوريا، ليس بسبب خروج مناطق واسعة من سيطرته، وانكشافه أمام شعبه، وإنما أيضا، بسبب تحول سوريا إلى ساحة لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية الخارجية، وبسبب ارتهانه لمصالح السياسة الإيرانية.

في المشهد السوري، بعد أربعة أعوام من الصراع، بتنا إزاء واقع مختلف من أهم سماته، أولا خروج السوريين من معادلة الصراع الجاري، بتشريدهم وتحولهم إلى كتل من اللاجئين، نتيجة لانتهاج النظام سياسة الأرض المحروقة، وتعمده تدمير البيئات التي يعتبرها حاضنة شعبية للثورة، بالقصف المدفعي والجوي وبالبراميل، مع قيامه بمحاصرة هذه المناطق وحرمانها من المواد الأساسية.

ثانيا، انتشار الجماعات المسلحة غير المرتبطة بالأجندة الوطنية للسوريين، ونقصد الجماعات الميليشياوية الطائفية، كحزب الله اللبناني وعصائب أهل الحق وكتائب أبو الفضل العباس، كما ثمة حديث عن مثيلاتها من اليمن وأفغانستان، إلى جانب الجماعات المسلحة المحسوبة على القاعدة، كجبهة النصرة، أو التي تشتغل لحسابها كـ”داعش”.

ثالثا، بعد أربعة أعوام لا يبدو في الأفق ما يؤشر إلى إمكانية حسم أي من الطرفين المتصارعين الصراع لصالحه، لا النظام ولا الثورة السورية، بل ثمة في الأوضاع العربية والإقليمية والدولية ما يؤشر إلى عدم السماح بذلك.

هذا يعني شيئين متفارقين، أولهما أن الصراع في سوريا وعليها يمكن أن يمتد لسنوات قادمة طالما لم يتم التوافق الدولي والإقليمي على الخارطة السياسية لسوريا القادمة. وثانيهما أن تقرير الأوضاع في سوريا لم يعد بيد النظام ولا بيد المعارضة، وإنما بيد القوى الدولية والإقليمية.

ثمة أمر واحد يمكن أن يكسر هذه المعادلة، وهو فتح مسار يمكّن السوريين من امتلاك زمام قضيتهم، وهذا لن يحصل إلا بتوفر طبقة سياسية سورية واعية وقادرة على أخذ قضيتها نحو توافقات وطنية، تفتح المجال أمام التغيير السياسي في سوريا، التي تتأسس على الديمقراطية، وعلى قاعدة دولة مواطنين متساويين وأحرار.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
سوريا.. أربع سنوات من تدمير الاقتصاد والمجتمع

بعد مرور أربع سنوات على انطلاقها، تحوّلت الثورة السورية على نطاق واسع إلى حرب أهلية وإلى نزاع اقليمي بالوكالة، كما تدهورت حال الاقتصاد والمجتمع السوري بصورة مريعة. وفي هذا الصدد، صدر تقرير حديث عن "المركز السوري لأبحاث السياسات" (مقره دمشق)، بدعم من "برنامج الأمم المتحدة للتنمية- UNDP"، حول الوضع الاقتصادي في سوريا.
وأشار التقرير إلى خسارة الاقتصاد السوري أكثر من 200 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة، أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الاجمالي لعام 2010، أي العام الذي سبق اندلاع الثورة السورية. حيث تقدر نسبة البطالة في سوريا اليوم بأكثر من 57%، مقارنة بنسبة 11% العام 2010، كما يعيش الآن أربعة من بين كل خمسة سورييين تحت خط الفقر، في حين انخفض متوسط العمر المتوقع للفرد من 75 الى 55 عاما!


وتعرضت بعض القطاعات كالسياحة والنفط إلى دمار شبه كامل. بينما لحق بقطاع الصناعات التحويلية خراب هائل، وقد تعرض لأعمال سرقة ونهب واسعة بحيث لم يعد يشكل سوى خمس قيمته قبل الثورة. ومن بين القطاعات الأخرى التي تعرضت لمعاناة هائلة نذكر قطاعي النقل والتجارة الداخلية. ومن الجدير بالذكر أن الدمار الذي تعرض له اقتصاد البلاد قد ترافق مع تغيرات عميقة ضربت المجتمع السوري، بما في ذلك الهجرة الجماعية لرؤوس الاموال والموارد البشرية الى خارج البلاد، وكذلك التحولات الديموغرافية وتفتت المجتمعات والروابط الاجتماعية، بالاضافة الى ارتفاع معدلات الجريمة والشعور العميق بفقدان الكرامة.


وفي الإمكان مشاهدة الآثار البعيدة المدى لدمار الاقتصاد والمجتمع السوري في كل مكان. إذ تبدو الحكومة السورية، وبدرجة كبيرة، غير قادرة لتمويل نفسها. فهي تراكم، بشكل متزايد، ديوناً كبيرة على كاهلها بهدف تمويل مستوردات النفط والمواد الغذائية ولدفع رواتب موظفيها المدنيين، ولكن بشكل رئيسي لتمويل مجهودها الحربي، ومن سيتحمل عبء تسديد هذه الديون هو الشعب السوري بالطبع.
واذا أخذنا في الاعتبار النقص في التمويل وهروب رؤوس الاموال، فإنه سيكون بمقدورنا القول إن إعادة بناء الأصول المادية المدمرة، بما فيها المعامل والمعدات والآلات والأبنية السكنية، سيتطلب وقتاً طويلاً. فقد غادر كثير من رجال الاعمال البارزين البلاد، وسيكون من الصعب عليهم العودة إليها بعد انتهاء الحرب. كما ان اختفاء الطبقة الوسطى سيحرم البلاد من خبرة المدراء، الاكاديميين، الاطباء، المهندسين والمهنيين من سائر الاختصاصات.


وهناك ايضا عبء مستقبلي بانتظار المجتمع السوري يتمثل في صعوبة التخلي عن الكثير من الأنشطة والشبكات التي افرزتها الحرب والتي تلعب دورا متزايدا في الدورة الاقتصادية، إذ أن مصالح كبرى قد نشأت قي ظل اقتصاد الحرب وسيكون من الصعب السيطرة عليها.
وأخيراً، يتجذر التفتت الجغرافي والسياسي بشكل متصاعد. وقد تحوّل الكثير مما كان يعتبر مؤقتاً، مثل الخطوط الأمامية للجبهات، إلى شبه حدود بين مناطق مختلفة في البلاد، ما حطّم الشبكات الاقتصادية والتجارية التقليدية. وتقسيم مدينة حلب منذ صيف عام 2012 بين جزء غربي يخضع لسيطرة النظام وآخر شرقي تسيطر عليه المعارضة يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
ونظرا لحجم الكارثة السورية، يبدو أنه من الصعب رؤية ضوء في نهاية النفق السوري الطويل، وكذلك من الصعب تقديم أي نصيحة تتعلق بالسياسات تتجاوز المطالبة بوقف فوري للقتال، وهو ما يبدو غير ممكن في المستقبل القريب.


كانت الثورة السورية الى درجة كبيرة تمرداً قامت به أكثر فئات الشعب هشاشة، حرماناً وفقراً، وبعد أربع سنوات من انطلاق الصرخات المطالبة بالتغيير كانت هذه الفئات بالذات هي التي دفعت أبهظ الأثمان في هذه الحرب، وأصبحت أكثر فقراً وهشاشة وأسى. وبالتأكيد لن يكون في 15 آذار 2015 سوى القليل مما يستحق الاحتفال به، ولسوء الحظ القليل أيضاً مما يمكن عقد الآمال عليه.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
إمبراطورية علي يونسي

هذه المرة، لا بد من التعاطي بشكل مسؤول ومباشر مع السؤال الذي وضعه النائب الأردني، خليل عطية، على طاولة رئيس مجلس النواب، ليطيّره بدوره إلى رئيس الوزراء، فالأمر يتعلّق بخطر الوجود الإيراني العسكري على الحدود الشمالية للمملكة، في جنوب سورية، وكذا الحدود الشرقية مع العراق.
وقبل سؤال النائب الأردني، برزت ملايين الأسئلة المكتومة، من اليمن الذي أسقط الحوثيون، حلفاء إيران، سلطته الشرعية، أو كادوا، إلى البحرين التي تشهد شغباً بنكهة طائفية، لا تخفى يد إيران في بعثها وإذكاء نارها، إلى العراق المحتل الإرادة، والذي يئن تحت وطأة داعش والمليشيات التي تتخذ من الحرب ذريعة لإطباق سيطرتها الطائفية على البلاد. وأخيراً سورية ولبنان، واسطة العقد، وبوابة الخليج من جهة الأردن.
ومع تفهمي وإدراكي بأن خطاب مستشار الرئيس الإيراني، علي يونسي، مُعدٌّ للاستهلاك  المحلي، كما دأب مسؤولو "دول الممانعة" دائماً، على إظهار عظمة انتصاراتهم وحشد أكبر عدد ممكن من الأعداء المفترضين، إلا أن جانباً منه يؤخذ على محمل الجدّ، بدليل ما قد حدث واقعياً على الأرض، فهو عندما يقول: "سنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية"، لا نرى كلاماً جاداً يستحق، ولو حتى التفاتة إليه، وحينما يصرّح أن "إيران اليوم أصبحت إمبراطورية، كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي"، فهذا ما يجب الوقوف عنده، بحكم أنه شبه كائن، يمكن تلمّسه وتحسّسه، في كل ما يجري على الأرض.
الخَطْبُ الفارق والمفصلي في تاريخ المنطقة، استدعى خروج نائب الرئيس العراقي، أسامة النجيفي، عن صمته متّهماً الحكومة العراقية بـ"الإحجام عن تسليح السنّة"، لتحرير مناطقهم من تنظيم داعش، بعكس فصائل الحشد الشعبي (الشيعية)، والتي يُعدُّ نائب الرئيس الآخر، نوري المالكي، أشد الداعمين لها، وهو الذي أرسى دعائم سلطة إيران، ومكّنها في أثناء حكمه من استعادة أمجادها المزعومة في عاصمة الرشيد.
ولا تبدو إيران، هذه المرة، متحرّجةً من إعلان نياتها الإمبراطورية، فالجنرال قاسم سليماني يقود عسكره، ويجول بهم في طول العراق وسورية، على عين العالم وسمعه، وكذلك لا تتحرج الولايات المتحدة من إظهار نفسها بمظهر العارف والساكت، فرئيس أركان الجيوش الأميركية، الجنرال مارتن ديمبسي، وصف التدخل العسكري الإيراني في العراق بأنه "الأكثر وضوحاً في العراق منذ عام 2004".
إذن، لا غموض، ولا سوء فهم أو ترجمة، ولا أقنعة، اللعبة صارت فوق الطاولة، أو في مسرح مكشوف، لا يملك المتفرجون عليه إلا الفرجة والتأسّي لما ستؤول إليه المصائر.
وهكذا يكون الحال، عندما تبرم الدول صانعة القرار صفقاتها، يرسمون بقلم رصاص لا يساوي سنتاً، خطوطاً طولانية وعرضية، تصبح في ما بعد، بعد إزهاق آلاف الأرواح وتقتيل وتجهيل أمم بأسرها، تصبح حدوداً نقدسها ونذود عنها بأرواحنا.
ولكي لا يرى أحد منّا نفسه بريئاً، أو خارج سياقات اللعبة، ولكي لا يرمي غيره بالتهم وينسلَّ إلى زاوية بعيدة في المهجر، لا بد، في هذه المرحلة، من محاكمة ذواتنا وتحميلها مسؤولياتها تجاه أوطان وتاريخ وقيم ومستقبل، إما نكون فيه أو لا يكون لنا.. فالثورة السورية، فيما وصلت إليه فصائلها وساستها ومعارضتها والمحسوبون عليها، من اقتتال وتشرذم وتداعٍ على مصالح ذاتية وحزبية، وفي حال عدم إنجاز وعدها ومهمتها التي نهضت من أجلها، في تحقيق الحرية والكرامة الوطنية والإنسانية، تكون قد سرّعت، ولو من غير قصد، من خطوات إيران الساعية إلى إحكام سيطرتها على البلاد.
وعندما تتجه عيون ملايين السوريين إلى ما وراء البحار، ونرى في إعادة التوطين حلماً، وفي الحصول على جواز سفر أوروبي، أو تركي، سفينة نجاة، فأغلب الظن أن ملايين الإيرانيين تتجه أنظارهم إلى سورية، ليُعاد توطينهم فيها، ويحصلوا على جوازات سفرنا وأرقام هوياتنا ودفاترعائلاتنا.
فهل يتحقق الوهم الإيراني على حساب الحلم السوري؟ سؤال معلّق على باب السنة الخامسة للثورة/ الحلم.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
ثورة عظيمة.. مستمرة

كثر، في الآونة الأخيرة، الحديث عن انتهاء الثورة السورية، وحتى عن عدم وجود ثورة بالأساس. لا أتحدث، بالطبع، عن نظام الأسد وشبيحته وممالئيه، فهؤلاء أصروا، منذ البداية، على أن ثورة الشعب السوري منتصف/مارس آذار 2011 "مؤامرة كونية"، تستهدف "نظام المقاومة والممانعة". أتحدث عن مثقفين وكتاب أعلنوا، في يوم من الأيام، تأييدهم الثورة السورية، وعن بعض الذين شاركوا في الحراك الثوري، بشكل من الأشكال، لكن الإحباط أصابهم، فقالوا إن الثورة انتهت، أو توقفت، أو خطفت، أو انحرفت، أو، في أحسن الحالات، كان هناك ثورة لكنها لم تعد موجودة.

من الطبيعي أن يصل بعضهم، ومنهم المخلصون لقضية الشعب السوري، إلى مثل هذه الاستنتاجات، بعد المآسي التي تعرض لها الشعب السوري، في السنوات الأربع من عمر الثورة، سواء من النظام الذي قتل ببراميله المتفجرة وأسلحته الكيماوية وغيرها من أدوات القتل نحو ربع مليون شخص، وتحاصر قواته مناطق عديدة، صار الناس فيها يموتون من الجوع (نعم من الجوع وليس من القصف!)، وتصفي أجهزته الأمنية خيرة شباب سورية وشاباتها تحت التعذيب الوحشي، ما أدى إلى تهجير نصف سكان سورية من بيوتهم. أو كان ذلك من الجماعات الإرهابية كداعش وأخواتها التي تمارس وحشية لا تقل بشاعة عن وحشية النظام، وصارت تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية؛ أو كان ذلك من "المجتمع الدولي" الذي تخلى، كلياً، عن الشعب السوري، وتركه فريسة بأيدي المليشيات الإيرانية، وتابعيها من حزب الله اللبناني ومليشيات أبي الفضل العباس العراقية من جهة، والمليشيات الإرهابية القادمة من بقاع عديدة، تمارس إرهابها تحت شعار الإسلام، والإسلام منهم براء، من جهة أخرى.
"لطالما اكتشف الثوار، منذ البدايات، أن كل من دعم الثوار بالمال أوالسلاح، أو لنقل معظمهم على الأقل، كان يفعل ذلك لمصلحته، وتأكيد نفوذه
"

مع ذلك كله، أقول إن الثورة السورية مستمرة، وهي من أعظم الثورات في التاريخ المعاصر. وما أستند إليه في هذا القول:

أولاً: لست مع التعاريف الجامعة المانعة في العلوم الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، لا أرى ضرورة لتعريف مصطلح "ثورة"، ولا أرى أهمية كبيرة للنقاش الدائر حول ما إذا كانت ثورة أو انتفاضة أو حراك شعبي أو.. يكفي أن تكون انتفاضة شعبية تهدف إلى إطاحة النظام القديم الذي لم يعد يقبل به الشعب، وإقامة نظام جديد تتبلور ملامحه في خضم الثورة نفسها.

ثانياً: الثورات العظيمة لا تحقق أهدافها بين يوم وليلة، ولا في سنوات قليلة. فالتاريخ الحديث والمعاصر عرف ثورات دامت عقوداً حتى آتت أكلها. الثورات صيرورات متواصلة تحتاج سنوات طويلة لتتبلور، عبر مطبات وتراجعات وإخفاقاتٍ كثيرة، فضلاً عن النجاحات. فكيف إذا جاءت في منطقة تتكالب عليها دول العالم الكبرى ودول الإقليم، وتستخدم فيها كل الأسلحة والوسائل لإفشالها.

ثالثاً: قامت الثورة السورية ضد نظام يكاد يكون فريداً في وحشيته ودمويته، نظام فاشي يمارس القتل والتنكيل بدم بارد، لا يردعه قانون ولا أخلاق. والناس الذين يتمردون ضد مثل هذا النظام، على الرغم من معرفتهم بطبيعته الإجرامية، وعلى الرغم من الذكريات الأليمة التي يحملها كل منهم، في نصف القرن الذي تسلط فيه على رقابهم، هم، من دون أدنى شك، ثوار عظام سيخلدهم التاريخ.

رابعاً: طرحت الثورة، منذ انطلاقتها، شعارات تدل على عمق وأصالة ووطنية الثوار الذين طرحوها. "الشعب السوري ما بنذل" "سورية بدها حرية" "الشعب السوري واحد". هذه الشعارات عبرت عن أهداف لا يمكن أن تكون أقل من أهداف ثورة عظيمة. شعارات الكرامة والحرية ونبذ الطائفية والانقسام والتشرذم، في وجه نظام أهدر كرامة الناس، وقمع أبسط حرياتهم، وكرس النزعات الطائفية والولاءات المناطقية والشخصية، هي شعارات ثورة عظيمة.

خامساً: سعى النظام، بكل الوسائل، لتحويل الثورة الشعبية السلمية إلى ثورة مسلحة، لأن السلاح هو المجال الذي يتفوق فيه على الشعب. وليس ذنب الثورة والثوار أن حمل بعضهم السلاح دفاعاً عن حياته، وحياة أفراد أسرته وشرفهم وكرامتهم. فالنظام، بإصراره على البقاء بأي ثمن (الأسد أو نحرق البلد)، وأجهزته الأمنية، وبعض قواته العسكرية التي فتحت النيران على المتظاهرين العزل في درعا وحمص، ثم في كل مكان آخر على الأرض السورية، هو من دفع بعض الجنود والضباط إلى الانشقاق، رافضين توجيه أسلحتهم إلى صدور أهاليهم، وهو من دفع شباناً عديدين للتطوع لحمل السلاح في وجه الإجرام المعمم.

سادساً: المجموعات الإرهابية المسلحة (داعش وأخواتها)، والتي يدعي النظام، الآن، محاربتها، هي من صنع النظام نفسه. فهو من أطلق معظم قادتها من سجونه (كما أُطلق بعضُهم من سجون العراق)، بهدف الانقضاض على الثورة، وتحويلها عن أهدافها. والتاريخ يعرف كثيراً من الحالات التي تتحول فيه الجماعات المناصرة لنظام ما إلى مناهضة له، عندما تحين الفرصة المناسبة، وعندما ترى أن في وسعها الحلول محل ذلك النظام، في السيطرة والهيمنة والتحكم بمصائر الناس.

سابعاً: لعل من أهم ما يثبت أنها ثورة عظيمة، أنها مستمرة، على الرغم من تخلي معظم القوى الإقليمية والدولية عنها. ولا أتحدث، هنا، عن روسيا وإيران وأمثالهما من داعمي النظام، بل عمّن سموا أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، الذين توهم كل منهم أن بإمكانه السيطرة على الثورة، وتحويلها لتخدم مصالحه وتطلعاته. ولطالما اكتشف الثوار، منذ البدايات، أن كل من دعم الثوار بالمال أوالسلاح، أو لنقل معظمهم على الأقل، كان يفعل ذلك لمصلحته، وتأكيد نفوذه. وهذا هو بالذات ما لعب دوراً حاسماً في تشتت قوى الثورة وتشرذمها، وتحول بعض قادة الجماعات المسلحة إلى أمراء حرب، يستغلون الثورة للإثراء على حساب دماء الثوار والمدنيين.
"الثورة في النهاية تنتصر. وفي سيرورة انتصارها، يتم الفرز بين الغث والسمين، بين الثوار الحقيقيين ومن يحاول ركوب الموجة"

ثامناً: لن أنهي هذه المقالة من دون الحديث عن القوى والجهات التي تنطحت لقيادة الثورة. لا أشك في أن كثيرين ممن شاركوا في تكوين منظمات "المعارضة السورية"، سواء المجلس الوطني أو "الائتلاف" أو هيئة التنسيق أو غيرها (وهو كثير ويتكاثر مع الأيام)، هم من الوطنيين المخلصين للثورة وأهدافها. لكن سلوك "أصدقاء الشعب السوري" والمجتمع الدولي من جهة، ووجود انتهازيين وقناصي فرص كثيرين بين أعضاء تلك المنظمات من جهة ثانية، والحالة البائسة التي أوصل النظامُ معارضيه إليها من جهة ثالثة، أدت إلى الوضع الكارثي الذي وصلت إليه هذه "المنظمات".

الثورة مستمرة، على الرغم من كل شيء. ففي كل الثورات الكبرى في التاريخ يحدث مثل هذا. تتعدد المواقف ووجهات النظر، وتتصارع الجماعات المختلفة. لكن الثورة في النهاية تنتصر. وفي سيرورة انتصارها، يتم الفرز بين الغث والسمين، بين الثوار الحقيقيين ومن يحاول ركوب الموجة. والثورة ستذيب الجميع في بوتقتها، وتلفظ منها ما لا ينسجم مع مسيرتها الظافرة.

حُطم جدار الخوف، وعادت السياسة إلى المجتمع، بعد أن وُضع الجميع على الرف في العقود الماضية. هناك تنظيمات سياسية تنشأ، وحوارات حول أهم قضايا المجتمع تدور في كل مكان. الثورة بدأت. وهي مستمرة وستنتصر.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠١٥
أولوية الأوليات الأميركية في سوريا

كلام برينان كلام حقّ يراد به باطل. اللهم إلا إذا كان الهدف الحقيقي للإدارة الأميركية تفتيت سوريا، بالتعاون مع إيران، وليس إنقاذ المؤسسات والحكومة.

يخفي كلام جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) عن سوريا رغبة واضحة في مسايرة إيران.

قال برينان أخيرا في نيويورك أمام “مجلس العلاقات الخارجية” الذي هو من أهمّ مراكز الدراسات الأميركية، إنّ الولايات المتحدة وحلفاءها، كذلك روسيا ودول المنطقة “لا تريد انهيارا للحكومة والمؤسسات الرسمية في دمشق”. هل هدف مدير الـ”سي. آي. إي”، بالفعل، حماية المؤسسات السورية، أم المطلوب إطالة الحرب الداخلية في البلد من أجل التأكّد من أنّه لن تقوم له قيامة في يوم من الأيّام؟

هناك، أقلّه ظاهرا، ما يبرّر مثل هذا الكلام الصادر عن مدير الاستخبارات الأميركية الذي لديه تجربة طويلة في الحرب على الإرهاب. هناك التجربة العراقية، العالقة في ذهن الرجل والقرار المثير للجدل الذي اتخذته الولايات المتحدة بحلّ الجيش العراقي. اتخذ القرار بول بريمر الذي كان حاكم العراق في ظلّ الاحتلال الأميركي وذلك بعيد غزو العراق في العام 2003 وإسقاط نظام صدّام حسين العائلي_البعثي.

كانت حجة بريمر أنّ الأكراد كانوا يصرّون على حلّ الجيش من أجل البقاء في إطار العراق الموحّد. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأحزاب والقوى الشيعية التي كانت تعتبر الجيش العراقي والأجهزة الأمنية بمثابة جزء لا يتجزّأ من النظام العراقي المطلوب التخلّص منه. أكّدت هذه الأحزاب رفضها أي تعاون مع المحتلّ الأميركي في حال لم يحلّ الجيش.

كانت النتيجة سقوط العراق في حال من الفوضى بعد غياب المؤسسة العسكرية القادرة على منع تمدّد الميليشيات الشيعية في كلّ اتجاه وسيطرتها، بصفة كونها مجرّد واجهة لإيران، على مؤسسات الدولة العراقية. وقد شكا الأكراد من هذه التصرّفات الميليشياوية، ووجدوا أن أفضل ما يمكن لهم القيام به يتمثّل في ترتيب أوضاع منطقتهم في إطار حكم ذاتي يؤمن حدّا أدنى من الاستقرار في كردستان.

هناك بالفعل ما يدعو إلى تفادي التجربة العراقية في سوريا. لكنّ المشكلة التي تعبّر عنها تصريحات مدير الـ”سي. آي. إي” تكمن في أنّ واشنطن تأخرت سنوات عدّة، في سعيها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات الرسمية السورية ومن سوريا.

كانت الحجة الأساسية التي استند إليها برينان أنّ التركيز يجب أن يكون في هذه المرحلة على المواجهة مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو يقول في هذا المجال “إنّ آخر ما نريده هو زحف داعش على دمشق. ولذلك، علينا دعم القوى المعتدلة”. هل نسي مدير الـ”سي. آي. إي” أن تنظيم “الدولة الإسلامية” لم يظهر بالشكل الذي ظهر فيه إلا في العام الماضي، في حين كانت القوى المعتدلة تواجه النظام السوري وتعمل على إسقاطه في ظلّ غياب أميركي؟ هل نسي أنّ الإدارة الأميركية لم تدعم هذه القوى عندما كان عليها أن تدعمها، خصوصا عندما استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي صيف العام 2013. وقتذاك، تجاوز النظام “الخط الأحمر” الذي شدّد عليه الرئيس باراك أوباما غير مرّة.

تبيّن أن أوباما يرى كلّ الألوان باستثناء اللون الأحمر، فإذا به يضع مستقبل سوريا في يد أعداء الشعب السوري المشاركين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في ذبحه، أي في يد روسيا وإيران. بدل أن يقدم على خطوة تحافظ على مؤسسات الدولة السورية، تراجع الرئيس الأميركي صيف العام 2013 عن تعهداته التي قطعها للشعب السوري وتهديداته الصريحة والواضحة للنظام، وتبيّن أنّ كلامه ليس سوى كلام فارغ في أحسن الأحوال.

ما يطرحه برينان كلام تجاوزه الزمن.

كان هذا الكلام منطقيا وقابلا للتطبيق في بداية الثورة السورية وقبل ظهور “داعش” التي استثمر فيها النظامان الإيراني والسوري، وصولا إلى ما وصل إليه الوضع. كان في الإمكان إنقاذ المؤسسات السورية، بما في ذلك مؤسسة الجيش، لو أقدمت الولايات المتحدة على خطوة تؤدي إلى التخلّص من النظام ورموزه في الأشهر التي تلت اندلاع الثورة السورية، التي هي ثورة شعبية حقيقية تعبّر عن تطلّعات الأكثرية الساحقة للسوريين.

كلّ ما بات يمكن قوله الآن أنّ النظام السوري و”داعش” وجهان لعملة واحدة. والأكيد أن برينان يعرف ذلك قبل غيره. لا يمكن محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” دون محاربة النظام السوري والانتهاء منه. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ كلّ كلام يميّز بين النظام السوري و”داعش” يخدم النظام الذي لم يعد أمامه، بعدما أصبح تحت رحمة إيران وميليشياتها المذهبية اللبنانية والعراقية والأفغانية، سوى وضع يده على جزء من سوريا. هناك الآن تركيز خاص من النظام، والقيمين عليه، على الشاطئ وعلى ممرّ يربط هذا الجزء من سوريا بمناطق يسيطر عليها “حزب الله” في سهل البقاع اللبناني. تعتبر هذه المناطق البقاعية امتدادا للدويلة التي أقامها الحزب في لبنان على حساب الدولة اللبنانية وسيادتها المفترضة على كلّ شبر من البلد.

كلام برينان، في ضوء التطورات السورية، كلام حقّ يراد به باطل. اللهمّ إلا إذا كان الهدف الحقيقي للإدارة الأميركية تفتيت سوريا، بالتعاون مع إيران والتنسيق معها، وليس إنقاذ المؤسسات والحكومة. فما ينفع في المرحلة الراهنة إدراك أنّ الأولوية المعطاة لمحاربة “داعش” لا يمكن فصلها عن إسقاط النظام السوري. لا وجود لأولوية على حساب أولوية أخرى في أيّ شكل.

كلّ ما تبقى تفاصيل وأوهام وهرب من واقع ترفض الإدارة الأميركية الاعتراف به. فمثلما أخطأ الأميركيون في العراق، نراهم اليوم يخطئون بمقدار أكبر في سوريا، خصوصا في ظلّ اعتقادهم أنّ لإيران هدفا آخر غير تدمير العراق وسوريا، وصولا إلى احتلال لبنان.

يبقى سؤال: هل الأولوية الحقيقية للإدارة الأميركية استعادة العلاقة بإيران، حتّى لو كان ذلك على حساب كل الأولويات الأخرى؟ يبدو طرح هذا السؤال منطقيا. ففي معرض كلامه أمام “مجلس العلاقات الخارجية” في نيويورك، اعترف برينان بوجود “بعض المصالح المشتركة مع إيران”. قال بالحرف الواحد “نعمل عن كثب مع الحكومة العراقية، كذلك إيران”.

كيف يمكن لمسؤول أميركي في هذا المستوى تجاهل أن “داعش” ما كان لينتعش ويتمدد لولا السياسات التي تتبعها الحكومة العراقية، بمن في ذلك الحكومة الحالية… ولولا ذلك التعاون الذي يجري “عن كثب” بين بغداد وطهران؟

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٣ يناير ٢٠٢٦
التباكي على جديلة مقصوصة وتجاهل دماء الأبرياء: الوجه الحقيقي لمروجي الفتنة
سيرين المصطفى
● مقالات رأي
٢٠ يناير ٢٠٢٦
"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
الأنفاق التي شيّدتها "قسد".. أرض محصّنة وشعب ناقم أطاح بالمشروع
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
نهاية مشروع "قسد".. رسالة قوية للهجري في السويداء: فهل يُسلّم ويسلّم..؟
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
اتفاق دمشق – قسد... نهاية المشروع الانفصالي وتعزيز لسلطة الدولة السورية
أحمد نور الرسلان مدير التحرير في شبكة شام الإخبارية
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
خسارة الرقة .. ضربة استراتيجية تهز مشروع "قسد" شرق الفرات
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٧ يناير ٢٠٢٦
ما بعد غرب الفرات… هل تلتقط "قسد" الفرصة الأخيرة قبل السقوط..؟
أحمد نور الرسلان